منوعات

قيد عائلي

الجزء الرابع: السر الصادم نظر الموظف إليّ بنظرة ملؤها الشفقة والاستغراب في آنٍ واحد، ثم اقترب بقليلاً وقال بنبرة خفيضة: “يا مدام… الورقة دي عبارة عن إقرار بيع وشراء مسجل وموثق بتاريخ من 10 سنين… الإقرار ده بيبين إن جوزك بايع كل ممتلكاته والشقة اللي أنتم عايشين فيها، والأرض اللي ورثها عن أبوه، بل وكمان حسابه البنكي… كل ده مباع ومكتوب باسم أخته ‘خـ,ـرابة البيوت’!” جمُدت في مكاني. شعرت وكأن الأرض تدور بي.

قاطعت الموظف بصوت يرتجف: “طب وإيه المشكلة؟ ما هي أخته… أوقات قرايب بيكتبوا لبعض صوريًا…” رد الموظف وهو يهز رأسه بأسف: “المشكلة مش هنا يا مدام… المشكلة إن الإقرار ده فيه بند بيتنازل فيه عن كل ممتلكاته المستحقة مستقبلاً لأخته مقابل مبلغ صوري، ومكتوب فيه نصاً إنك ‘تنازلتِ بالنيابة عن بنتك عن أي حقوق شرعية أو نفقة أو مؤخر صِداق مقابل حيازة الشقة لمدة 10 سنين فقط’… والـ 10 سنين دول انتهوا الشهر اللي فات!”

سقطت الورقة من يدي. الرجل لم يكن فقط يخطط للهـ,ـروب والتزوج بأخرى… الرجل كان يحضر لهذه اللحظة منذ عقد من الزمان! كل قرش كان يجمعه، كل خطوة خطاطها، كانت تهدف لشيء واحد فقط: أن يخرجني أنا وبنته للشارع بلا أي مأوى أو حق، كأننا لم نكن في حياته يومًا! الجزء الخامس: مواجهة الساحرة خرجت من المحكمة وأنا لا أرى أمامي. طيف ابنتي المبتسمة لم يغادر عقلي. هل سأترك هذه الطفلة البريئة تصبح بلا بيت؟ هل سأسمح لهذا الظالم وأخته أن ينتصرا بعد كل السنين التي ذقت فيها المرار؟

في تلك اللحظة، حدث شيء داخلي… المرأة الضعيفة، المكسورة، التي كانت تهرب من ظلم أمها وأخيها لتختبئ في ظلال رجل مريض… مـ,ـاتت إلى الأبد. وولدت مكانها أم مستعدة أن تحارب الشياطين كلها لأجل ابنتها. ذهبت مباشرة إلى بيت أخته. فتحت لي الباب وبشفتيها ابتسامة الشماتة الخبيثة، وقالت وهي تضع يدها على خصرها: “أهلاً يا مطـ,ـلقة… جاية ليه؟ مش أخذتي ورقتك خلاص؟” دفعت الباب ودخلت بكل قوة لم أعهدها في نفسي من قبل. وقفت في منتصف الصالة وقلت بصوت حاد كالسـ,ـكين:

“أنا مش جاية عشان أخوكي الواطي ولا عشان الورقة… أنا جاية أقولك إن اللعبة اللي خططتوها من 10 سنين انتهت. أنتِ وأخوكي افتكرتم إنكم أذكياء، بس نسيتوا حاجة واحدة…” ارتبكت أخته وحاولت أن تتظاهر بالقوة: “حاجة إيه يا روح أمك؟ الشقة بقيت ملكي بالقانون، وأخويا أمن نفسه وأولاد مراته الجديدة، وأنتِ وبنتك مالكمش قشرة بصلة عندنا! يلا برة قبل ما أطلبلك البوليس!” رددت بضحكة عالية أربكتها تماماً: “اطلبي البوليس يلا! اطلبيه عشان أوريهم التزوير اللي عملتوه!”

تغير لون وجهها واصفرّت: “تزوير إيه؟! الورقة مفيهاش غلطة!” الجزء السادس: المفاجأة التي لم يحسبوا لها حسابًا اقتربت منها بثقة وقلت: “الورقة تاريخها من 10 سنين… ومكتوب فيها إنني وقعت بصفتي الوصية على بنتي وبصفتي زوجته… بس نسيتوا حاجة صغنورة أوي يا خبيرة المكر: من 10 سنين، بنتي كان عندها سنة واحدة بس، والقانون المصري يمنع تنازل الأم عن حقوق القاصر إلا بإذن من نيابة الحسبية! وأنا وقتها أصلاً مكنتش عاملة له أي توكيل يبيح له يتصرف باسمي أو باسم البنت!”

تابعت وأنا أرى الرعب يتسلل لعيونها: “والأهم من ده كله… الشهود اللي موقعين على الورقة دي، واحد منهم متوفي من 12 سنة! يعني مات قبل تاريخ الورقة بسنتين! أخوكي المعتوه جاب عقد قديم وبصم عليه ميت عشان يربك القضية!” سقطت أخته على الكنبة وهي تلهث، وتلعثمت: “أنتِ… أنتِ عرفتي الكلام ده منين؟” قلت لها وأنا أنظر لها بنظرة انتصار:

“الموظف المحترم في المحكمة لفت نظري لتاريخ شهادة الوفاة للراجل اللي كاتب اسمه شاهد… وشغلت دماغي وقعدت ساعتين أراجع الورق. البلاغ اللي هقدمه بكرة في النيابة مش هيبقى قضية نفقة وشقة بس… ده هيبقى قضية تـ,ـزوير في أوراق رسمية، واستـ,ـيلاء على حقوق قاصر، وجريمة يعاقب عليها بالسجن المشدد ليكِ ولأخوكي المتهـ,ـرب!” الجزء السابع: نقطة التحول والانتصار في نفس الليلة، تلقيت اتصالاً غاضباً من زوجي السابق (المتغيب). كان صوته يرتجف من الخوف والتوتر، يحاول أن يساومني:

“إنجي… بلاش ندخل المحاكم والنيابات، اللي أنتِ عايزاه هيحصل… هكتبلك الشقة باسمك ونعمل تسوية بخصوص النفقة، بس بلاش موضوع التـ,ـزوير ده!” تبسمت في الظلام، ونظرت لابنتي وهي نائمة بسلام بجواري، تمسكت بلعبي الصغيرة. رددت عليه بنبرة هادئة وقوية: “زمان… كنت بسبك وبستحمل عشان كنت فاكرة إن الصبر على الظلم ابتلاء… بس اكتشفت إن السكوت عن الحق هو اللي جريمة. أنت وأختك افتكرتم إنكم كسرتوني بالطلاق وبسـ,ـرقة حقوقي… بس أنتم باللي عملتوه ده صحيتوا جوايا الست اللي كانت ميتة من 15 سنة. مش هقبل بتسوية… الحقوق هتيجي بالقانون، والقانون بكرة هيعلمك أنت وأختك إن حق الضعيف لما يصحى… بياكل الأخضر واليابس.”

أغلقت الخط في وجهه. احتضـ,ـنت بنتي ودموعي تنزل لأول مرة منذ أشهر… لكنها لم تكن دموع قهر أو حزن، بل كانت دموع الارتياح والانتصار. عرفت وقتها إن الكابوس فعلاً انتهى، وأن الصفحة الجديدة من حياتي وحياة بنتي بدأت للتو… صفحة عنوانها الاستقلال، والقوة، والكرامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى