سليم فضل واقف في التراس، إيده متجمدة في الهواء، والهوا البارد بيخبط في وشه بس النار اللي جوه صدره كانت أشد. الكلمة كانت بترن في ودنه: “أنا الحق اللي راجع يا… سليم بيه.” الريحة.. الصوت.. النبرة.. كل حاجة فيها كانت بتقول إنه عارفها، بس الصورة القديمة لـ “دهب” البنت الفلاحة اللي كانت بتلبس العباية الواسعة وتغطي شعرها بالطرحة ومابتطلعش العتبة إلا بإذن، كانت محفورة في دماغه بشكل مختلف تماماً. في الصالون الرئيسي للحفلة، دهب خرجت ورجليها بتترعش بس مشيتها ثابته زي الملاكات. سالي جريت عليها ومسكت إيدها:
“عملتي إيه؟ عرفك؟!” دهب اتنفست بسرعة وهي بتحاول تظبط ضـ,ـربات قلبها: “شك فيه.. بس مش متأكد. عينيه كانت هتطلع من مكانها يا سالي، الغيرة كانت هتمـ,ـوته.” سالي ابتسمت بشرود: “وده المطلوبة.. خليه يتحرق بناره. سليم بيه الجارحي اللي كان فاكر إن فلوسه واسمه يقدروا يشتروا بني آدمين ويرموهم في الشقق المهجورة، لازم يعرف إن الله حق.”
مرت الساعات ودخل سليم القاعة تاني، بس ماكانش سليم العقلاني ولا رجل الأعمال الهادي. عينيه كانت بتدور عليها في كل زاوية، ولما شافها واقفة بتضحك مع رجال أعمال كبار في مجال الديكور والتصميم — المجال اللي هي اتعلمته وطورت نفسها فيه طوال سنتين العزلة في القاهرة بفضل مساعدة سالي — أحشاؤه اتنقلت من مكانها. قرب منها ببرود مصنّع وقاطع حديثها: “عن إذنكم يا جماعة.. محتاج الآنسة في كلمة خاصة بشغل الشركة.”
دهب بصلته بثبات وقالت بصوت هادي ورزين: “أنا هنا ضيفة يا سليم بيه، ومش جاية أتكلم في شغل.. لو عندك حاجة ممكن تحدد موعد مع سكرتاريتك.” الجملة نزلت عليه زي الصاعقة.. “سكرتاريتك!”.. الجملة دي بالذات فتحت في عقله الباب اللي كان مقفول. افتكر لما رماها في شقة السكرتيرة بتاعته “منال” وقالها: “تقعدي هنا، ما تخرجيش، ومحدش يعرف إنك متجوزة سليم الجارحي.. كام شهر وأرجّعك الصعيد وأخلص.” سليم مسك إيدها بقوة أكبر المرة دي ومشى بيها رغماً عنها لبره القاعة كلياً، لغاية ما وصلوا لعربيته. فتح الباب وزقها بالراحة بس بحسم:
“اركبي.. مش هتحرك من هنا غير لما أفهم كل حاجة.” دهب ما خافتش، بالعكس، بصلته وقالت بثقة: “مش ههرب يا سليم.. اركب واتكلم، بس افتكر إنك أنت اللي طلبت تسمع.” سليم ركب وجنبه دهب، العربية كانت مقفولة والهدوء خادع. سليم بص لها ولأول مرة يلاحظ تفاصيل وشها عن قرب تحت إضاءة الشارع.. الشامة الصغيرة اللي جنب شفتها، رسمة عينيها.. هي دهب! سليم بصوت مخـ,ـنوق: “أنتِ دهب؟ دهب اللي اتجوزتها في الصعيد؟ اللي سبتك في شقة منال؟”
دهب ابتسمت بمرارة ورجعت ظهرها لورا: “أه يا سليم بيه.. أنا دهب. البنت الجاهلة الفلاحة اللي كنت بتتكسف تمشي جنبها في الشارع، اللي اتجوزتها عشان ترضي جدك الحاج رضوان وتضمن نصيبك في الورث والعمودية، وراميتها زي التحفة القديمة في شقة مقفولة عشان تقضي واجبك قدام الناس وتخلص مني.” سليم حاسس بالندم والذهول بيضـ,ـربوه في نفس الوقت. هو فعلاً عمل كده، بس هو ماكانش يعرف إن الجوهرة دي كانت مستخبية تحت البساطة دي.
سليم بصوت متقـ,ـطع: “أنا.. أنا كنت غبي. بس أنتِ تغيرتي إزاي كده؟ وجيتي هنا إزاي؟” دهب بصت في عينيه مباشرة ولأول مرة ظهرت القسـ,ـوة في نبرتها: “اتغيرت لما عرفت إن قيمتي مش في نظرة راجل شايف نفسه فوق البشر عشان معاه فلوس. لما سبتني في الشقة، ما قعدتش أبكي على حظي. سالي سكرتيرتك — اللي أنت فاكرها بتشتغل لحسابك — كانت هي اللي شايفاني إنسانة. ساعدتني أتعلم، دخلت كورس ديكور، اشتغلت ليل ونهار، وقريت كتب الدنيا كلها عشان أثبت لنفسي قبل أي حد إني مش أقل منك ولا من أي حد في القاهرة. وقررت إني مش هرجع الصعيد مكسورة.”
سليم مسك إيدها بلهفة: “دهب.. أنا آسف. أنا معجب بيكي من أول لحظة شفتك فيها في الحفلة النهارده.. بل أنا حاسس إن قلبي اتعلق بيكي من زمان بس كبريائي العبيط كان عاميني. أرجوكي يا دهب، إحنا متجوزين على سنة الله ورسوله، تعالي نبدأ صفحة جديدة.. أوعدك هأعلن جوازنا قدام الدنيا كلها بكرة!” هنا دهب ضحكت، ضحكة هادية بس وجعت سليم في أعمق نقطة في قلبه. دهب هزت راسها وقالت بكل هدوء وواقعية:
“تبدأ صفحة جديدة؟ علشان شفتني حلوة في فستان شيك في حفلة؟ علشان زملائك في السوق كانوا بيبصولي بإعجاب؟ يا سليم.. أنت ما أحبتنيش، أنت حبك طلع مجرد ‘حب تملك’. لما كنت فلاحة وبسيطة استعريت مني، ولما بقيت حلوة ومطلوبة بقيت عايز تعلن جوازك مني عشان تقفل الباب على غيرك! الحب مش كده يا سليم.” سليم اتصدم، حاول يدافع عن نفسه: “أنا بتعلم من غلطي يا دهب! إديني فرصة أثبتلك!” دهب فتحت باب العربية ووقفت، بصتله بثبات وقالت:
“الفرصة دي كانت زمان لما كنت محتاجة كلمة طيبة واحدة منك. دلوقتي أنا مش محتاجة إثباتك ولا اعترافك بيّ قدام الناس.. أنا أثبت نفسي لنفسي خلاص. الجواز اللي أتبنى على كدبة واستعار ومشاعره محكومة بشكليات وفستان.. ما ينفعش يكمل.” سليم نزل وراها بسرعة: “قصدك إيه؟” دهب طلعت ورقة رسمية من شنطتها ورمتها على كبوت العربية: “دي دعوى خلع يا سليم.. جدك عارف كل حاجة، وأنا اتكلمت معاه من أسبوع وحكيت له على كل اللي عملته، وهو بنفسه قال إن ده حقك يا بنتي ومايقبلش أحفاده يعاملوا الناس بقسوة. أوراقنا هتوصلك بكرة.”
سليم كان واقف مش قادر يتحرك، كلماتها كانت أثقل من أي عقاب. شافها بتركب تاكسي وبتبعد، وهو واقف في نص الشارع، الفلوس والشهرة والنفوذ اللي كان شايفهم كل حاجة.. ما قدروش يشتروا له احترام الست اللي كانت ملكه وضيعها بغروره. مرت الأيام، وسليم حاول بكل الطرق يرجعها، يطـ,ـاردها بالورود، يروح شغلها، ويتكلم مع جدة، بس دهب كانت حاسمة. هي ما حرمتوش من حقه في إنه يتعلم الدرس، بس في نفس الوقت ما رميتش نفسها في حـ,ـضنه لمجرد إنه ندم.
النهاية كانت واقعية جداً؛ الخلع تم، ودهب كملت طريقها ونجحت في شغلها وأسست شركتها الخاصة بالجهد والتعب، وسليم أخد الدرس الأقسى في حياته: إن البني آدم بقيمته وكرامته، مش بمنظره ولا بثوبه، وإن الفرص الحقيقية لما بتضيع بسب الكبرياء.. ما بترجعش تاني أبداً حتى لو ملكت الدنيا.
