منوعات

اخت مراتي

مرت ليلتان في تلك اللوكاندة المتهالكة وكأنهما قرنان من الزمن. كان صوت زنين التكييف القديم هو الموسيقى التصويرية لانهيار حياتي، لكن في داخلي، كان معلم اللغة العربية يستجمع شتات نفسه. أنا رجل أعيش بين القواعد والنصوص، والقواعد تقول: لكل مسبب سبب، ولكل حبكة ثغرة. صباح الأحد، قررت ألا أكون الفريسة التي تنتظر الذبح. بدأت تحركاتي بهدوء. اتصلت بصديقي “سامح”، وهو مهندس اتصالات وخبير في الأمن السيبراني. تقابلنا في قهوة بعيدة عن الأنظار. عرضت عليه هاتفي والـ Screenshots الخاصة بالـ GPS.

نظر إليّ سامح وقال بنبرة جادة: “هاني، الـ GPS إثبات قوي ليك، بس مش هيبطش بيهم في وشهم. هما محتاجين دليل يقطع لسانهم. طالما ريهام قالت إنك بعتّ لها رسايل بتترجاها، يبقى فيه هاتف تاني، أو رقم وهمي اتكتب باسمك، أو دبرت محادثة مفبركة.” سألته بلهفة: “طب ونوصل للحقيقة إزاي؟” ابتسم سامح ابتسامة خبيثة وقال: “ريهام مش بالشخصية اللي تخطط لدريمة زي دي لوحدها. ريهام أضعف من كده. فيه محرك.. والمحرك ده لازم يتقابل.”

خيط الحقيقة الأول بدأت بمراقبة “إيهاب”. خطيبها الشاب ذو الضحكة الباهتة. علمت من مصدر مقرب أنه يعمل في معرض سيارات مستعملة بالقاهرة. ذهبت إلى هناك وانتظرته حتى خرج ليركب سيارته في ساعة متاخرة. عندما فتح باب السيارة، حشرت نفسي في المقعد المجاور له بسرعة وقبل أن يستوعب، أغلقت الباب وبصيت في عينيه بثبات لم أعهده في نفسي من قبل. ارتبك إيهاب، واصفرّ وجهه، وقال بصوت متلعثم: “أنت.. أنت عايز إيه؟ اخرج برة وإلا هنده للناس!”

قلت له بنبرة حادة وباردة كالثلج: “انده يا إيهاب.. خليهم يجوا ويسمعوا معايا هو إزاي واحد يتهموا خطيبته إنها حامل من راجل تاني، ويقعد ياكل بط وساكت؟ إيه الهدوء ده يا إيهاب؟ ولا هو أنت اللي مربي الكرش اللي في بطنها وخايف من الحاج إسماعيل؟” يداه على عجلة القيادة بدأتا ترتجفان. أكملت بثقة أراهن فيها بآخر ما أملك: “أنا وصلت لتقارير الـ GPS، وبكره الصبح هرفع قضية رد شرف وتشهير، وطلب رسمي لتحديد نسب الجنين عن طريق الـ DNA بعد الولادة، وساعتها النيابة ستحقق مع الكل.. وأولهم أنت. التزوير والتلفيق فيه سجن يا إيهاب.”

كلمة DNA والسجن كانت القشة التي قصمت ظهر بعير خبيث. انفجر إيهاب خائفًا، والتفت إليّ وقال بصوت مهزوش: “أنا ماليش دعوة يا هاني! والله العظيم ماليش دعوة! هي اللي أتت عليا وقالت لي لو متسترش عليا هقول لأبويا إنك أنت اللي عملت كده وإنك رفضت تتجوزني!” تنفس الصعداء كأنه ألقى حملاً ثقيلاً، ثم أكمل: “ريهام حامل فعلاً يا هاني.. بس مش منك، ولا مني!” شعرت ببرودة تسري في جسدي. “أمال من مين؟!”

قال إيهاب بنبرة مليئة بالخزي: “من صاحب معرض العربيات اللي أنا شغال عنده.. راجل متجوز وكبير، ضحك عليها وباعت له نفسها في بلطيم لما كانت بتخرج من وراكوا بحجة إنها رايحة تشتري حاجات. ولما اكتشفت إنها حامل، الراجل هددها ومحي كل حاجة ورفض يعترف بطفل. هي خافت من الحاج إسماعيل يقتلها، فكرت هي وأمها فكرة جهنمية…” توقفت انفاسي. “أمها؟! الست فوزية?!”

رد إيهاب: “أيوه! أمها هي اللي قالت لها نلبسها لـ هاني! هاني مؤدب، بيحب لبنى، مش هيعمل مشاكل، وبدل ما نطلقها من خطيبها أو تفضحنا قدام الحاج إسماعيل، نقول إن هاني هو اللي استغلها، وهتطلب الطلاق من لبنى، وهاني يدفع نفقات وتعويض ويلم الدور عشان خايف على سمعته كمدرس!” كان الكلام ينزل عليّ كأنها طعنات متتالية. الحموات اللاتي يوزعن الشوربة بحنان، يطبخن في الخفاء أخبث المخططات لدمار بيتي! المواجهة الكبرى: يوم الحساب

لم أطلب من إيهاب سوى شيء واحد: أن يكتب شهادته في تسجيل صوتي وفيديو، وإلا سيكون المتهم الأول أمام النيابة بتهمة التستر والتآمر. كتب واستشهد وبكى، وأخذت التسجيل على “فلاشة”. في مساء اليوم التالي، كان منزل الحاج إسماعيل هادئاً. صعدت السلم بثبات. ضربت الجرس بضربات متتالية وقوية. فتح الحاج إسماعيل الباب، وبمجرد أن رآني، احمرّ وجهه غضباً ورفع يده ليضربني: “أنت ليك عين تجيلنا تاني يا نذل؟!” دفعت يده بهدوء ولكن بقوة، ودخلت الصالة رغماً عنه.

صمت الجميع. كانت لبنى تجلس في الزاوية، عيناها محاطتان بهالات سوداء من كثرة البكاء، وريهام تجلس بجوار أمها الست فوزية التي وقفت تصرخ: “الحقنا يا إسماعيل! اطرده برة!” قلت بصوت جهوري هز أركان الصالة، صوت لم يسمعوه مني طوال 6 سنوات: “أنا مش حامد ولا ماشي جنب الحيط النهاردة! أنا جايب حقي وحق مراتي اللي اتهدم بيتها على كذبة حقيرة!” سحبت اللابتوب من حقيبتي ووضعته على السفرة—ذات السفرة التي أُهنت عليها—وفتحت الفيديو.

خرج صوت “إيهاب” واضحاً، بنبرته الخائفة، يروي التفاصيل بالأسماء، الأماكن، والتاريخ: عن صاحب المعرض، عن التهديد، وعن المخطط الذي أعدته الست فوزية وريهام لإلباسي التهمة وتوريطي لحماية ريهام من غضب أبيلها وللحصول على مبالغ مالية تحت بند التعويض! مع كل كلمة تخرج من السماعات، كان وجه الحاج إسماعيل يتحول من الأحمر إلى الأسود. التفت الحاج إسماعيل إلى زوجته فوزية، فنكست رأسها ولم تستطع النطق. التفت إلى ريهام التي انخرطت في بكاء حقيقي هذه المرة.. بكاء الخوف والفضيحة.

قام الحاج إسماعيل ببطء، اقترب من ريهام وسألها بصوت خفيض يسبق العاصفة: “الكلام ده صح؟” ريهام وهي ترتجف: “يا بابا.. والله كنت خايفة…” لم يدعها تكمل. صفعة قوية رنّت في الأرجاء، ثم التفت لزوجته وقال لها كلمة واحدة زلزلت المكان: “أنتي طالق يا فوزية.. أنتي وبنتك برة بيتي فوراً!” النهاية والنصيب ساد الصمت. كانت ريهام وأمها تبكيان في ذهول وهما تجمعان أمتعتهما تحت تهديد الحاج إسماعيل بالقتل إن لم تخرجا في تويلها.

في وسط هذه المعمعة، التفتُّ إلى “لبنى”. كانت تنظر إليّ بدموع تنهمر كالمطر، دموع الندم، والخجل، والصدمة من أمها وأختها. خطت نحوي بخطوات ثقيلة وقالت بصوت مكسور: “هاني.. أنا… أنا آسفة.. سامحني، أنا اتصدت من الهول…” نظرت إليها طويلاً. كنت أحب لبنى، وما زلت، لكن الكسرة التي أحدثتها في قلبي عندما لم تصدقني، والنظرة التي نظرتها إليّ ليلة العزومة، تركت جرحاً عميقاً لا تداويه كلمة “آسفة”. قلت لها بهدوء ومرارة: “أنا أثبت برائتي عشان شرفي وسمعتي يا لبنى.. مش عشان أرجع. اللي بيحب حد بيصدقه قبل ما يشوف أدلة، وأنتي بعتيني في أول محنة.”

نظرت للحاج إسماعيل، الراجل الذي انكسر ظهره في ليلة واحدة، وقلت له: “أنا أخدت حقي يا حاج، وكرامتي رجعتلي.” خرجت من البيت. الهواء في الشارع كان بارداً ونقياً. تنفست بعمق لأول مرة منذ أيام. رجعت إلى شقتي الصغير، أصلحت أوراقي، وعدت لدورسي وكراساتي. الحياة لم تعد كما كانت، وربما لن ترجع لبنى إلى ذمتي أبداً، لكنني تعلمت درساً لن أنساه: “أن تمشي بجانب الحائط لا يعني أن تسلم من سقوط السقف، ولكن أن تكون صادقاً مع نفسك.. هو الجدار الحقيقي الذي لا يسقط أبداً.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى