منوعات

اخت جوزي لبست فستاني

تسمرت في مكاني، وعقلي يرفض تصديق ما تراه عيني. الصورة كانت واضحة تمامًا؛ أخت جوزي تقف مبتسمة، وبجانبها زوجي وهو يخرج بطاقته الائتمانية ليدفع مبلغا ضخماً، بينما كان موظف الحجز في القاعة ينهي الإجراءات. شعرت برعشة تسري في جسدي كله. لم تكن الصدمة فقط من خيانته لي ودعمه لهما من ورائي بعد كل ما فعلوه، بل كانت هناك غصة أكبر… من أين له هذا المبلغ؟ نحن نمر بأزمة مالية منذ أشهر، وكان يشتكي لي يوميًا من ضيق الحال، بل ومؤخرًا طلب مني أن أساعده في أقساط سيارته!

أغلقت الهاتف ببطء، وأخذت نفسًا عميقًا. في تلك اللحظة، تحول الانكـ,ـسار بداخلي إلى قوة باردة ومخططة. قررت ألا أواجهه فورًا. المواجهة الآن ستمنحه فرصة للاختباء وراء أعذار واهية مثل “أردت إنقاذ الموقف لحفظ ماء وجه العائلة”. أردت الحقيقة كاملة. اتصلت بصديقتي صاحبة القاعة مجددًا، وسألتها بنبرة هادئة مصطنعة: — “هبة، هل دفع المبلغ كاش أم بالبطاقة؟” ردت هبة بقلق: — “بالبطاقة يا مروة، وبصراحة أنا استغربت جداً لما شفته معها، وكمان دفع الحساب كامل شامل أرقى باقة ديكور وفستان تانير إضافي!”

أنهيت المكالمة، وتوجهت فورًا إلى لابتوب زوجي في البيت. كان يتركه أحيانًا مفتوحًا. بحثت في حساباته البنكية المرتبطة بالبريد الإلكتروني، وهنا كانت الصدمة الثانية التي جعلت أنفاسي تتوقف تمامًا. لقد قام بسحب مبلغ ضخم من حساب مشترك كنا نجمع فيه مدخراتنا لـ “شراء شقتنا الجديدة”، الحلم الذي بنيناه معًا طوال سنوات زواجنا الثلاث! ليس هذا فحسب، بل وجدت تحويلات بنكية دورية لحساب أخته وحماتي على مدار الأشهر الستة الماضية. كان يقتطع من قوتنا ومن حلمنا المشترك ليغدق على عائلته سرًا، بينما يطالبني أنا بالتقشف!

في المساء، عاد إلى المنزل والتعب المصطنع يرتسم على وجهه. نظر إلي وقال بنبرة لوم: — “أختي بتمـ,ـوت من القهر يا مروة، الفرح بعد أيام والديكورات اتلغت، عاجبك حالنا قدام الناس؟” نظرت إليه وابتسمت ابتسامة غامضة وقلت: — “كل شيء سيمر يا حبيبي، النصـ,ـيب غلاب، والكل سيأخذ ما يستحقه في النهاية.” اندهش من هدوئي، وظن أنني بدأت ألين. مرت الأيام وجاء يوم الزفاف المنتظر.

كانت القاعة أشبه بقطع من الجنة، الديكورات الفاخرة التي دفع زوجي ثمنها من دـ,ـم قلبي وحلمي كانت تزين المكان. دخلت الفرح بكامل أناقتي، كنت أرتدي فستاناً أسود ملكياً يخطف الأنظار، واثقة الخطى، وعلى وجهي ابتسامة لم يفهمها أحد. حماتي نظرت إلي بشـ,ـماتة واضحة وهمست لأخت زوجي: “شايفة؟ جاية تتفرج وهي مكسـ,ـورة بعد ما افتكرت إنها لو لوّت دراعنا الفرح هيبوظ.” أما زوجي، فكان يوزع الابتسامات على الضيوف كأنه البطل الذي أنقذ الليلة.

بدأت الموسيقى، واقتربت لحظة “عرض الفيديو المفاجئ” للعروسين، وهو جزء من برنامج الحفل الذي تشرف عليه شركتي. صعدت إلى منصة التحكم، ونظرت إلى زوجي وحماتي وأخته الذين كانوا يجلسون في الصدارة. أشرت للفني ببدء العرض. انطفأت الأنوار، واشتعلت الشاشة الكبيرة وسط القاعة. لكن بدلاً من صور طفولة العروس وعريسها، ظهرت لقطات شاشة (Screenshots) مكبرة وموثقة من الحساب البنكي المشترك، توضح المبالغ المستقطعة، وتاريخ سحب تمن القاعة، تليها الصورة الشهيرة لكاميرا المراقبة لزوجي وهو يدفع الحساب لأخته سرًا، مع تعليق مكتوب بخط كبير بالعامية المصرية:

“فرح العروسة الجميل.. تم تمويله بنجاح من شقا وعمر وتعب مرات أخوها اللي سـ,ـرقوا فستان فرحها ودمـ,ـروا حلم حياتها بشقة العمر.. مبروك للعروسين!”. ساد القاعة صمت قـ,ـاتل كأن على رؤوسهم الطير. تحولت نظرات الضيوف من الشاشة إلى طاولة أهل العروس. عريس أخت زوجي وقف مصدومًا، يلتفت حوله ولا يفهم كيف لعائلة عروسه أن تتصرف بهذه الدناءة، والأهم، من أين جاءت كل هذه الأموال والعروس كانت قد أخبرته أن صديقة مروة قدمت كل شيء مجانًا كهدية!

حماتي كادت تسقط من طولها، وأخت جوزي انفجرت في بكاء هستيري وهي تحاول تغطية وجهها بطرحة الفرح، بينما ركض زوجي نحوي وعيونه تطق شرارًا وهو يصرخ: “أنتِ اتجننتي؟! أنتِ بتخربي بيتنا وفرح أختي؟!” وقفت بكل ثبات، ونظرت إليه من الأعلى وقلت بنبرة صوت سمعها كل من حولنا: — “البيت اتخرب يوم ما فكرت تمد إيدك على حلمنا وتسـ,ـرقني عشان ترضي ناس ما بتعرفش الأصول. فستاني اللي قطعتوه كان غالي، بس شرفي وكرامتي وفلوسي أغلى بكتير.”

التفتُّ وخرجت من القاعة ورأسي مرفوع، تاركة خلفي زلـ,ـزالاً مدمـ,ـراً يبتلع كبريائهم الزائف. في نفس الليلة، رفعت دعوى طـ,ـلاق ودعوى تبديد أموال، ولم تمر سوى أشهر قليلة حتى استرددت حقي كاملاً بالقانون، لأبدأ حياة جديدة، نظيفة، خالية من الخـ,ـائنين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى