وقفـت في نص المطبخ، عينـي على باب الفرن اللي كان بيطلع حرارة هادية بعد ما شغلته تاني، وجوايا شلال نار. كان ممـكن أخرج أصرخ، أواجهها قدام الناس، وأبوّظ يوم عيد ميلاد أحمد… بس ده بالضبط اللي هي كانت عايزاه! كانت عايزة تطلعني “النكدية المجنونة” اللي بتعمل مشكلة من لا شيء وتخرب فرحة ابنها. عشـان كده، أخدت نفس عميق… وابتسمت. الابتسامة دي كانت أول خطوة في خطتي.
خرّجت صينية اللحمة بعد ما خدت وقتها، وكان طعمها وريحتها يجننوا. طول السهرة، كنت بتعامل بمنتهى الرقة والأناقة، أقدم الأكل للضيوف، أضحك مع أحمد، وأشكر حماتي على “السلطات التحفة” اللي عملتها. هي كانت قاعدة بتبصلي بنظرات مذهولة… مستغربة إزاي أنا هادية كده؟ إزاي متكهربتش ولا اتخانقت؟ قبل ما الضيوف يمشوا، وقفت حماتي في نص الصالون وقالت بصوت عالٍ ومبتسم: “يا جماعة، معلش بقى لو الأكل تأخر شوية، ندى أصلها لسه صغيرة وبتتعلم، ونسيت تظبط وقت الفرن… بس يلا، مفيش مشكلة، المساامح كريم!”
كل الضيوف بصلولي، وأحمد بصلها بقلة حيلة. أنا ابتسمت بمنتهى الثبات، وقلت بصوت واطي وناعم وصل للكل: “معلش يا طنط… أصل الفرن حنيّن أوي وبيتقفل لوحده من غير ما حد يلمسه! بس الحمد لله، البركة فيكي إنتي اللي معلماني الصبر.” الضيوف ضحكوا، ووش حماتي ألوانه اتغيرت. عرفت في اللحظة دي إن الحرب الباردة اتعلنت رسمياً. بداية خطة الانتقام “الهادئ” تاني يوم الصبح، أحمد نزل شغله. قعدت مع نفسي وحطيت القواعد: مفيش صوت عالي، مفيش مواجهة مباشرة، ومفيش خناق. السـ,ـلاح هيكون نفس سـ,ـلاحها… “الغباء المصنوع والمواقف اللي مفيش عليها دليل”.
بدأت أنفذ خطتي خطوة بخطوة: 1. لعبة التوابل السحرية حـماتي كانت بتعشق قهوتها الصباحية وشاي العصر، وكانت محددة علبة سكر معينة بتحط منها. كل يوم الصبح، كنت ببدل علبة السكر بعلبة ثانية فيها “ملح ليمون” مطحون شبه السكر بالظبط، أو أحط نقطتين خنـ,ـاق مر في قعر مج الشاي بتاعها. تشرَب القهوة من هنا، وتصرخ: “إيه ده! القهوة مالحة ومُرة ليه كده؟!” أجري عليها بملامح كلها خضة وقلق: “يا خبر يا طنط! مالها؟ أنا لسه شاربة منها ومضبوطة جداً… يمكن لسانك بس متأثر بالضغط ولا حاجة؟ تعالي أعملك كوباية مبايل كركديه يظبطلك الضغط!”
2. غزو الملايات والأثاث كل ما هي تدخل تنام الضهرية، أدخل صالة البيت، أغير أماكن الفازات، ألف الترابيزة الناحية الثانية، وأغير اتجاه الكنبة! لما تخرج وتدعك عينيها بذهول: “هو الصالون شكله اتغير ليه؟” أبصلها بستغراب شديد وأقول: “اتغير إزاي يا طنط؟ الصالون كده من أسبوع! إنتي شكل النوم لخبطك شوية، تعالي استريحي بس.” خليتها تبدأ تشك في ذاكرتها ونظرها فعلياً! 3. سر مفتاح الشباك الموقف اللي كان بيجننها هو شباك أوضتها. كانت بتحب تقفله خالص بالليل علشان البرد.
اشتريت “ريموت مخفي” بيتحكم في فتح وغلق المروحة أو التهوية، وكنت أفتح الشباك الصغير بتاع أوضتها وهي نايمة، أول ما أسمع صوت خطواتها جاية تقفله، أقفله أنا بالريموت من بره! تفضل واقفة قدام الشباك تبص شمال ويمين، ومش فاهمة هو بيتفتح ويتقفل إزاي لوحده! الكارت الأخير: فيديو عيد الميلاد كل اللي فات ده كان مجرد “تسخين”. ضـ,ـربة العمر الحقيقية كانت مستنية اللحظة المناسبة. أنا مكنتش عبيطة… يوم عيد ميلاد أحمد، لما سِبت المطبخ وروحت ألبس، كنت حاطة الموبايل بتاعي على الرف العالي في المطبخ ومغطيّة بجزء من علبة المناديل، وكان بيسجل فيديو!
الفيديو كان واضح جداً: حماتي وهي بتدخل المطبخ بكل تسلل، تبص يمين وشمال، تمد إيدها بكل خبث وتقفل زرار الفرن، وبعدين تبتسم ابتسامة انتصار وتخرج! سِبت الفيديو معايا أسبوعين كامليين من غير ما أنطق بكلمة، لحد ما أجهّز المسرح صح. ليلة العشاء الفاصلة في يوم، عزمت أحمد على عشاء روماني خفيف في البيت، وقعدنا نتكلم عن آمالنا والشقة الجديدة. أحمد تنهد وقال: “يا ندى، أنا عارف إنك مستحملة وقعدة البيت مع أمي مش مريحة، بس هي ست كبيرة وبريئة وبتحبك والله، استحمليها عشان خاطري.”
هنا كانت اللحظة… ابتسمت بهدوء، وطلعت موبايلي. ندى: “أنا بحبها والله يا أحمد، وبستحمل عشان خاطرك… بس شوف الفيديو اللطيف ده، كنت بسجل ذكريات تحضير عيد ميلادك عشان أعملك فيديو مفاجأة، ولقيت الحتة دي بالصدفة.” شغلت الفيديو وحطيت الموبايل قدامه. أحمد فضل باصص للشاشة… ملامح وشه اتغيرت من الابتسامة للصدمة، وبعدين للحمرة والذهول. شاف أمه وهي بتمشي متسحبة وتقفل الفرن وتخرج تضحك! فـضل ساكت حوالي دقيقتين كاملين… ومش قادر يستوعب إن أمه اللي بتمثل البراءة هي اللي كانت بتخـ,ـرب الأكل وبتعمل كل الملاعيب دي.
في اللحظة دي، دخلت حماتي الصالون وهي ماسكة طبق فاكهة وتقول بنبرة ملائكية: “جبتلكم تفاح يا حبايبي عشان تغسلوا بيه بعد الأكل…” أحمد بصـلها… وقام وقف. أحمد: “يا أمي… هو الفرن كان بيتأفل لوحده يوم عيد ميلادي ولا إنتي اللي قفلتيه؟” حماتي اتلخبطت ووشها جاب ألوان: “إيه؟ فرن إيه يا بني؟ أنا أقفله ليه؟ إنت تصدق كلام…” أحمد لف الموبايل ووراهالها… البيت كله ساد فيه صمت رهيب. حماتي اتسمرت مكانها، الطبق كان هيقع من إيدها، وبصتلي أنا… لقيتني قاعدة بشرب العصير وببتسم لها بنفس الابتسامة الهادية اللي كانت هي بتبتسمها لي!
أحمد بصوت حاسم ورزين: “بكرة الصبح يا أمي… هننزل أنا وندى نشوف الشقة اللي كنا متفرجين عليها، وهندفع العربون. إحنا كبرنا ولازم نطمن على حياتنا… وأعتقد ده الأنسب للكل.” حماتي محاولتش تدافع عن نفسها ولا كلمة، سابت الطبق ومشيت على أوضتها بكل كسوف وخجل. النهاية بعد شهر واحد، كنا نقلنا شقتنا الجديدة. دلوقتي حماتي لما بتزورنا، بتدخل البيت بمنتهى الاحترام والذوق، وبقت تعمل ألف حساب لكل كلمة بتقولها أو تصرف بتعمله.
وعرفت كويس… إن السكوت مكنش ضعف، ده كان مجرد “استراحة محارب” لحد ما الخطة تكمل!