وفجأة… صوت “نغمة إشعار” عالية ومرتكزة قطعت ضحكة نهى الرنانة. حازم مسك تليفونه الآيفون الجديد اللي اشتراه بالقسط، وبص على الشاشة. كانت رسالة نصية من البنك، مكتوب فيها: “عزيزي العميل، نود إخطاركم بتعذر استلام الدفع الدوري المعتاد لقسط التمويل العقاري لشهر سبتمبر (7500 جنيه). يرجى التوجه لأقرب فرع لتحديث البيانات أو السداد المباشر لتجنب إلغاء التمويل وتطبيق غرامات التأخير.” حازم عقد حواجبه باستغراب، وهز رأسه وقال لمراته: “غريبة.. السيستم أكيد فيه مشكلة في البنك، رسالة جاية بالغلط.”
نهى عدلت طرحتها الحرير وبصت له بلامبالاة: “طنّش يا حبيبي، البنوك سيستمها بيقع كتير.. كمل أكلك، المشروم دافينشي ده تحفة!” لكن جواه، كان فيه نغزة قلق صغيرة مش عارف مصدرها. حازم كان طوال الـ 3 سنين اللي فاتوا يصحى يوم 15 في الشهر، يجيله إشعار: “تم سداد القسط بنجاح”. كان فاكر إن البنك عامل خصم مباشر من حسابه، أو إن أبوه قبل ما يمـ,ـوت كان سايب وديعة مخصصين عوائدها للقسط ده، لأنه عمره ما وجع دماغه يسأل التفاصيل!
مر الأسبوع الأول.. والهدوء ساد شقة المنيل. الأم (الحاجة زينب) كانت قاعدة في الصالة.. بس الصالة شكلها اتغير. الكيس الأسود اللي فيه اللعب والشراب الصفر اترحّل للزبالة خلاص. وعلى الترابيزة، بدل الصوف وإبر الكروشيه، كان فيه كتاب تاريخ قديم، ومج قهوة باللبن بنكهة الهيل ريحته مالية المكان. وشها كان رايق، مفيش تجاعيد الحزن ولا التعب.. لأول مرة من سنين تحس إن قلبها مش شايل حمول جبال. في نفس الوقت.. كانت شقة حدائق الأهرام بتولع!
النهارده 22 في الشهر.. ورن تليفون حازم بس الرقم المرة دي مش أمي.. الرقم كان “الشركة العربية للتمويل العقاري”. رد حازم وهو بياكل حتة استيك: “أيوة يا فندم؟” جاءه صوت موظف الشؤون القانونية جاد وصارم: “أستاذ حازم عبد الحميد؟ مع حضرة الأستاذ مدحت من القسم القانوني. بخصوص شقة 12 برج الياسمين.. القسط متأخر بقاله أسبوعين، وعندك غرامة تأخير 1500 جنيه. ولو المسددة الأصلية (الحاجة زينب محمد) ألغت التحويل، القسط لازم يتسدد كاش من حضرتك فوراً، وإلا هنبدأ إجراءات فسخ العقد واسترداد العين.”
حازم الشوكة وقعت من إيده على الطبق، وعملت صوت ورنة مرعبة في الصالة: “لحظة.. لحظة واحدة! مسددة أصلية مين؟! القسط ده مش بيتدفع من الحساب العقاري المربوط باسمي؟!” الموظف ضحك بسخرية خفيفة: “حساب إيه يا أستاذ؟ الحساب اللي بيحول القسط بقاله 36 شهرًا هو حساب توفير باسم الوالدة، الحاجة زينب. وهي عملت إلغاء للأمر المستديم يوم الجمعة اللي فاتت من الأبلكيشن.. حضرتك مش دريان ولا إيه؟” الدـ,ـم اتصفى من وش حازم.
قام وقف فجأة، الكرسي اتقلب وراه. نهى اتخضت وبصت له: “فيه إيه يا حازم؟! مالك؟!” حازم مش سامعها.. صوت الموظف بيتردد في ودنه: الحاجة زينب.. بقالها 3 سنين بتمص من دـ,ـمها وتدفع 7500 جنيه كل شهر! افتكر لما كان بينزل يشتري قمصان ماركة، ومراته تشتري شنطة بـ 10 آلاف جنيه، وأمه تنزل سوق السيدة تفاصل في جنيه عشان توفر.. افتكر لما أمه كانت بتجيب الفراخ البلدي وتتحايل عليه عشان ياكل، وهو يرمي أكلها ويقولها “ريحة زفر”!
حازم مسك تليفونه بـإيد بتترعش.. ورن على أمه. “الرقم الذي طلبته قد يكون مغلقًا أو غير متاح..” رن تاني.. وتالت.. ورابع. نفس النغمة الميكانيكية. نهى زقت الكرسي وقربت منه بضيق: “في إيه يا حازم؟ بتطارد مين كدة؟” حازم بص لها بعيون زاغية، صوته طلع مخنوق: “أمي.. أمي هي اللي كانت بتدفع قسط الشقة! 7500 جنيه كل شهر من معاشها يا نهى! ألغت التحويل.. والشقة هتترحب والشركة بتطالبنا بالغرامة والقسط فوراً!”
نهى شهقت بذهول، ووشها اصفر: “نعااااام؟! أُمك؟! وهي طالما بتدفع، ما قالتش ليه؟! وبعدين إيه الحركة الخبيثة دي؟! تلغيه فجأة كدة عشان تزنقنا وتلوي ذراعنا؟! كلمها فوراً خلّيها ترجعه!” حازم نزل يجر رجليه، أخد مفاتيح العربية ونزل زي المجنون على المنيل. الساعة كانت 8 بالليل. العمارة القديمة في المنيل، الجدران الدافيّة اللي حازم اتربى فيها. حازم طلع السلم جري، درفتين درفتين.. وصل عند باب الشقة اللي ياما دخله وهو زعلان وخرج منه شبعان ومجبور الخاطر.
بدأ يخبط على الباب بكل قوته: “أمي! يا أمي! افتحي يا أمي أرجوكي!” الباب ما اتفتحش.. بس بعد دقيقة، سمع صوت مفتاح بيدور بالراحة. الباب اتفتح. وقفت الحاجة زينب.. لابسة عباية كحلي شيك، حاطة رشة برفان هادي، ووشها صافي ومبتسمة ابتسامة هادية جداً.. ابتسامة الغريب للغريب. حازم دخل كأنه إعصار، وصوته متوتر: “أمي! إيه الرسالة اللي جتلي من البنك دي؟! هو إنتي اللي كنتِ بتدفعي القسط؟ وليه لغيتيه من غير ما تقوليلي؟! إنتي عارفة إن الشركة هتاخد الشقة وغرموني 1500 جنيه?!”
الحاجة زينب سحبت نفس هادي، وربعت إيديها: “أهلاً يا حازم يا بني.. اتفضل، بس ياريت ما تعليش صوتك عشان الجيران.” “جيران إيه يا أمي!! الشقة بتضيع! قوليلي إن فيه غلطة في أبلكيشن البنك، افتحي الموبايل ورجعي التحويل حالا!” زينب بصت له بنظرة ثاقبة.. نظرة خلت حازم يرجع خطوة لورا سكت فجأة. قالت بصوت رزين وواطي، بس كل كلمة كانت نازلة زي المرزبة:
“الشركة مش هتاخد الشقة ولا حاجة يا حازم.. الشقة شقتك، والدكر هو اللي يشيل شيلته. بقالك 3 سنين عايش في ميري وعامل فيها أسيادنا، ومراتك بتتأنق وتتأمر، وأنا أقف أفاصل مع بياع الخضار في جنيه عشان أوفر لكم القسط اللي يحميكم من البهدلة.” حازم بلع ريقه بمرارة: “يا أمي.. أنا ما كنتش اعرف والله العظيم!” “ما كنتش عايز تعرف يا حازم!”.. قطعت كلامه بقوة وصارمة:
“كنت مبسوط بالعمى طالما مريحك! طالما السقف فوق رأسك ومحدش بيطلب منك حاجة. لكن يوم ما تتصل بيا في مطعم، وتقولي ‘ما تجيش وما تزهقيناش ومراتي مش عارفة تقعد بقميص نوم’.. ساعتها بس أفقتك من الوهم.” نزلت دمعة مفاجئة من عين حازم: “أنا آسف يا أمي.. كانت كلمة طالعة في ساعة طيش، نهى هي اللي كانت مضغوطة وأنا…” زينب رفعت إيدها وقاطتعه فوراً: “ما ترميش خيبتك على مراتك. أنت راجل، والراجل كلمته من دماغه. أنا لما لغيت القسط، ما لغيتوش عشان أنتقم منك.. أنا لغيت القسط عشان أدفعك ثمن الرجولة اللي أنت استخصرتها فيا.”
“طب اعمل إيه دلوقتي؟!” حازم صرخ بيأس: “أنا معاييش المبلغ ده! رواتبي أنا ونهى بتضيع على الأقساط والتنزهات والمصاريف!” زينب ابتسمت ابتسامة خفيفة، وفتحت ضلفة الباب أكتر: “سهلة جداً.. بيعوا الآيفون الجديد، أتلغوا الفسحة بتاعت التجمع، ومراتك الرقيقة تصرف أقل شوية. القسط 7500 والنزيف يتلم.. اتعلم تصرف على بيتك يا حازم.” حازم قرب وحاول يمسك إيدها يبـ,ـوسها: “طب سامحيني ورجعي القسط الشهر ده بس لحد ما أظبط أموري…” زينب سحبت إيدها بالراحة، وبصت في عينيه بثبات:
“أنا مسامحاك يا بني.. ربنا يهديك. بس حساب البنك ده اتقفل للأبد في موضوعك. وعشان ترتاح أنت ومراتك.. زي ما طلبت بالظبط: مش هتشوفوا وشي عندكم تاني، ولا هشمّكم ريحة الفراخ البلدي اللي كانت بتخنقكم.” وقبل ما حازم ينطق بحرف.. زينب مسكت درفة الباب، وقفلته بالراحة.. وتكّة المفتاح وهي بتتلف كانت أخر صوت سمع حازم في الممر الضيق. وقف حازم لوحده في الصالون الخارجي، الضلمة حواليه، والتليفون في إيده بيلعلع برسايل البنك والشركات..
لأول مرة في حياته، يحس إن السقف اللي فوق رأسه بجد.. بدأ يقع!
