بعد الصرخة دي، المكان اتكهـ,ـرب تماماً. أحمد جرى على الأوضة مذعور، وأنا وراه بعمل نفسي مش فاهمة حاجة وبجري بخضة. أول ما دخلنا الأوضة، كان المشهد لا يُقدّر بثمن! حماتي كانت واقفة في نص الأوضة، وشها جايب ألوان، ينوّر ويطفي من كتر الخوف والإحراج، وإيدها الشمال ماسكة على قلبها وهي بتلهث، أما إيدها اليمين فكانت بتترعش… وممسوكة بمصيدة فئران بلاستيكية صوتية، ومعاها لعبة على شكل ثعبان مطاطي متحرك بالحساسات!
أول ما فتحت الدرج ومدت إيدها تتجسس، حساس اللعبة لقط الحركة، فقفز الثعبان في وشها مع صوت فحيح عالي، وفي نفس اللحظة قفلت المصيدة على أطراف صوابعها (طبعاً كنت مختارة مصيدة لعبة خفيفة مبتحبسش ولا بتوجـ,ـع، بس خضتها كانت كفيلة تخلي قلبها يقع في رجليها!). أحمد بص للمشهد وهو مذهول، عينه راحت من أمه للدرج المفتوح على آخره والهدوم المكركبة، وبعدين بص للعبة الثعبان والمصيدة. حماتي أول ما شفتنا، حاولت تقلب الترابيزة كعادتها، وزعقت بصوت مجـ,ـروح وهي بتنهت:
“إيه ده يا أحمد؟! الحقني يا ابني! مراتك حاطة لي تعبان ومصيدة في الدرج! كانت عاوزة تقطع خلفي ولا تقـ,ـتلني في بيتك؟! بقى دي الأصول والواجب اللي تربيت عليه؟!” أنا وقفت بمنتهى الثبات والهدوء، حطيت إيدي على وشي وبصيت لها بتمثيل متقن وقررت أرد بكل أدب وابتسامة باردة: “بعد الشر عليكِ يا طنط! ألف سلامة على قلبك.. بس هو سؤال معلش يطرح نفسه: حضرتك إيه اللي جابك عند درج ملابسي الداخـ,ـلية الشخصية أصلاً ومديتي إيدك فيه؟!”
حماتي اتلجـ,ـمت! لسانها اتعقد وشها بقى أحمر زي الطماطم. التفتت لأحمد مستنية منه يصرخ فيا أو يدافع عنها زي كل مرة، لكن الموقف المرة دي كان متصور بالصوت والصورة، والدليل ممسوك في إيدها! أحمد بص لأمه، ولأول مرة أشوف في عينه النظرة دي… نظرة صدمة واستيعاب. الكلمة اللي قالها لي امبارح إن أمه بتمشي تتطمن على نضافة البيت اتخـ,ـرقت تماماً قدام الحقيقة؛ دي مش نضافة بيت، ده تفتيش في أخص الخصوصيات!
أحمد قرب من أمه وقال بصوت هادي بس مليان إحراج وذهول: “يا أمي… أنتِ إيه اللي يدخلك أوضة نومنا المغلقة؟ وليه تفتحي درج هدوم مريم الخاصة تحديداً؟! هو درج الملابس الداخلية فيه مسح زجاج ولا تنظيف سجاد؟!” حماتي بدأت تتلعثم وتأأتأ: “أنا… أنا كنت… كنت داخلة أحط الشال بتاعي في الدولاب عشان ما يتبهدلش بره، فقلت أعدل الهدوم لو مش متطبقة… يعني بقيس شطارتها!” هنا أنا دخلت في الكلام بنبرة هادية بس جادة جداً:
“طالما الموضوع كدة يا طنط، أنا حطيت اللعبة والمصيدة دي من امبارح بالليل لأن حسيت إن في حد بيدخل أوضتي في غيابي وبيفتش في حاجتي الخاصة، وقلت أحمي خصوصيتي بطريقة لطيفة من غير ما أتهم حد… ما كنتش أتوقع أبداً إن صاحبة البيت الكبيرة هي اللي بتعمل كدة من ورايا!” الكلمات نزلت عليها زي المية الساقعة. أحمد طأطأ رأسه من كتر الإحراج وقال بصوت واطي: “عيب يا أمي… كدة عيب أوي في حقنا وفي حقك قبل أي حد. دي أوضة نومنا، والخصوصية دي خط أحمر.”
حماتي حست إن كبرياءها اتكـ,ـسر في الأرض، رميت اللعبة من إيدها بغل، وأخدت شنطتها من على السرير وقالت وهي بتنتافض من الغيظ: “أنا يتقال لي كدة في بيت ابني؟! ماشي يا أحمد… بكرة تعرف قيمة أمك!” وخرجت تجري من الشقة وهي بتهبد الباب وراها. في اللحظة دي، الأوضة سادها هدوء تام. أحمد بص لي وشكله كان في قمة الإحراج، قرب مني ومسك إيدي وقال: “مريم… أنا آسف. أنا فعلاً ما كنتش متخيل إن الموضوع واصل للدرجة دي، افتكرتك بتبالغي لما حكيتي لي.. حقك عليّا.”
ابتسمت له وقلت له: “المهم إنك عرفت الحقيقة يا أحمد، وأنا مش زعلانة منك، بس كان لازم أدافع عن حدودي بأسلوب يفهم الكل إن الخصوصية مش لعبة.” ومن اليوم ده، حماتي حرمت تماماً تدخل الأوضة أو تمد إيدها على أي حاجة تخصني، وأحمد بقى هو بنفسه اللي يقفل باب أوضة النوم بالمفتاح أول ما أهله يزورونا!