منوعات

ابني الوحيد

“جيهان أختك بتضحك بصوت عالي وبتقول لجوزها: أخيراً الكابوس انزاح.. الفلوس كلها بقت ملكنا!” وقعت سماعة التليفون من إيدي. الدموع اللي كانت مغرقة وشي نشفت فجأة، وحسيت بنار بتغلي جوه عروقي. الفلوس؟ فلوس إيه اللي بيتكلموا عنها في يوم دفنة ابني؟ شريف كان موظف بنك بسيط، وأنا بعت الشقة وكل اللي ورايا واللي قدامي عشان مصاريف المستشفى! ركبت أول عربية لبلطيم، وعقلي كان بيمو.ت في الدقيقة ألف المرة. وصلت للشاليه بالليل. المكان كان هادي، لكن آثار الحفلة كانت لسه موجودة على الرمل.. أطباق، كاسات، وريحة شوى. دخلت الشاليه من الباب الخلفي من غير ما حد يحس بيا.

كانوا قاعدين في الصالة، أبويا، وأمي، وجيهان، وجوزها مدحت. سمعت صوت أبويا الصارم وهو بيقول: “الفلاشة فين يا جيهان؟ شريف كان مخبيها في شنطة مازن، والضابط سلم الشنطة لمريم في المستشفى.. لو مريم لقتها وفتحتها، كل اللي عملناه هيروح في الوبا.” ردت جيهان ببرود وهي بتبرد ضوافرها: “متخافش يا بابا، مريم حالياً شبه ميتة، مش هتحس بالدنيا قبل شهرين تلاتة، وأنا هروح لها بكرة بحجة إني بواسيها، وهقلب البيت وأجيب الشنطة.”

هنا أمي دخلت في الكلام وقالت بلؤم: “والله وخلصنا منك يا شريف.. كان فاكر نفسه ذكي لما كشف تزوير العقود وأوراق الأراضي اللي مدحت وأبوكِ سرقوها من البنك.. كان عايز يودينا في داهية! لولا الميكانيكي اللي مدحت اتفق معاه يلعب في فرامل العربية، كان زماننا كلنا في السجن دلوقتي.” مدحت ضحك وقرّب منها: “والبركة في مازن كمان.. شريف حط الفلاشة في شنطة الولد قبل ما يركبوا العربية بدقايق، ولما العربية اتقلبت، شريف مات، والولد دخل العناية.. والممرض اللي اتفقت معاه يقطع الأكسجين عنه لدقايق فضل مكمل المهمة لحد ما الولد مات إكلينيكياً، عشان نضمن إن السر يمو.ت معاهم!”

اللحظة الحاسمة أنا كنت واقفة ورا الستارة، جسمي كله بيترعش، مش من الخوف.. من الصد.مة والغل. أهلي؟ أبويا وأمي وأختي؟ هما اللي ق.تلوا جوزي وابني؟ عشان فلوس وأراضي مزورة؟ افتكرت الفلاشة اللي كانت في إيدي قبل ما أجيلهم.. الفلاشة اللي لقتها بالصدفة في جيب سحري جوه شنطة مازن، واللي سمعت أول ثواني من صوت شريف فيها وهو بيقول: “لو بتسمعي التسجيل ده يا مريم، يبقى الحادثة اللي ق.تلتني ما كانتش حادثة…”

طلعت تليفوني بهدوء من جيبي، وكنت مشغلة التسجيل والصوت عالي جداً. فجأة، صالة الشاليه كلها اتملت بصوت شريف الميت وهو بيقول: “أبوكِ يا مريم، ومدحت جوز أختك، هما اللي سرقوا حسابات المودعين في البنك وزوروا عقود الأراضي.. ولما كشفتهم هددوني بمازن.. أنا بسجل ده للشرطة، وكل المستندات والدلائل موجودة على الفلاشة دي.. لو حصلي حاجة، اطلبي حقي وحق ابننا.” الصوت كان بيهز الحيطان. الأربعة اتسمروا في مكانهم، وشوشهم اتقلبت للون الأزرق من الرعب. جيهان وقفت وصوت سنانها بيخبط في بعضه، وأبويا وقف وهو بيلف حوالين نفسه زي المجنون: “الصوت ده جاي منين؟! شريف مات!! شريف مات!!”

خرجت من ورا الستارة.. كنت واقفة زي شبح مرعب، عيني حمرا زي الدم، وماسكة التليفون في إيدي. “شريف مات.. ومازن مات.. بس أنا لسه عايشة.” أمي صرخت واستخبت ورا أبويا، ومدحت حاول يقرب مني عشان ياخد التليفون: “هاتي البتاع ده هنا يا مريم.. أنتِ مش فاهمة حاجة!” ضحكت ضحكة هستيرية هزت المكان، وقلت له: “متقربش.. عشان أنا مش لوحدي.” في نفس اللحظة، الباب الأمامي للشاليه اتكسر، ودخلت قوات الشرطة ومعاهم رئيس المباحث اللي كنت بلغتهم وأنا في الطريق، وسلمتهم نسخة من الفلاشة الأصلية، وجيت هنا بس عشان أخليهم يعترفوا بنفسهم وأسجلهم لايف.

النهاية.. ولكن! أبويا وأمي وجيهان ومدحت اترمت الكلبشات في إيديهم وهم بيصرخوا وبيتبادلوا الاتهامات. جيهان كانت بتعيط وتترجاني: “أنا أختك يا مريم! سامحيني!” بصيت لها بنظرة خالية من أي مشاعر وقلت لها: “أنا معنديش عيلة.. عيلتي اندفنت تحت التراب بسببكم.” اتحكم عليهم كلهم بأحكام مشددة بين الإعدام لمدحت والميكانيكي والممرض، والسجن المؤبد لأبويا وأختي وأمي بتهمة التستر والمشاركة في المؤامرة والق.تل العمد. بعد سنة.. وقفت قدام الشاطئ في الإسكندرية، الهوا كان بيخبط في وشي، وكنت ماسكة وردتين في إيدي. رميتهم في البحر، وبصيت للسما وقلت:

“حقكم رجع يا شريف.. حقك رجع يا قلب ماما.. ناموا مرتاحين.” حياتي انتهت معاهم، بس على الأقل.. الوحوش اللي كانوا متخفيين في صورة أهل، بقوا ورا  القضبان، بيدوقوا العذاب اللي عيشت فيه كل ثانية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى