فتح عادل الباب ببطء، وجسده مشدود كوتر يتأهب للانقطاع. وقف منصور على العتبة، يتكئ على عصاه الخشبية، وعلى وجهه ابتسامة صفراء تتراقص تحت ضوء القمر الخافت. خلفه وقف رجلان ضخما الجــ,,ـــــثه، ملامحهما لا توحي بأي رحمة. قال منصور بصوت بحاح يحمل شفقة مزيفة: “حمد الله على السلامة يا عادل… كبرت في السجــ,,ـــــن يا ابن عمي، بس للأسف رجعت على خراب.” نظر إليه عادل بثبات، ورغم الحرائق التي تشتعل في صدـ,,ـــره، قال بصوت هادئ ومحكم: “الخراب اللي هنا يا منصور أنت اللي صنعته… جدتي فين؟”
ضحك منصور ضحكة قصيرة مستفزة، ثم تقدم خطوة واحدة للداخل: “جدتك كبرت في السن يا عادل، ودماغها تعبت. سابت البلد من سنتين وراحت تعيش عند قرايبها في السويس… والبيت ده مالهوش صاحب خلاص، أنا اشتريته منها بعقد رسمي.” في تلك اللحظة، استقرت يد عادل داخل جيب جلبابه القديم، يلمس أطراف الرسالة والصندوق المعدني. علم أن منصور يكذب؛ العقد الحقيقي يملكه هو الآن، والرسالة تؤكد أن جدته لم ترحل باختيارها. قال عادل بثقة زلزلت حبل الكذب الذي نسجه منصور: “جدتي ما راحتش السويس يا منصور… وجدتي ما بعتش البيت. ‘سالم’ لسه حي… وأنا معايا الورق اللي يوديك في داهية.”
اختفت الابتسامة من وجه منصور فوراً، وتحول لونه إلى الأصفر الكالح. انقبــ,,ـــــضت ملامحه وصرخ في الرجلين خلفه: “هاتوا الصندوق اللي جواه! اقلبوا البيت!” اندفع الرجلان إلى الداخل، لكن عادل لم يكن نفس الشاب الضعيف الذي تم اقتاده إلى السجــ,,ـــــن قبل ثماني سنوات. سنوات السجــ,,ـــــن القاسية صنعت منه رجلاً يعرف كيف يدافع عن نفسه. بثبات وسرعة، دفع عادل الأول بقوة ليرتطم بالحائط المتهالك، وسحب مريم بسرعة خلف ظهره، ثم رما بقدمه طاولة المطبخ القديمة ليقطع بها الطريق على الرجل الثاني.
صرخ عادل بمريم: “اجري يا مريم من الباب الخلفي! استنيني عند شجرة الجوافة!” ترددت الطفلة للحظة، لكنها أومأت برأسها وركضت في الظلام. في هذه الأثناء، اشتبك عادل مع الرجلين في حوش البيت المظلــ,,ـــــم. كانت المعركة قاسية، ضــ,,ـــــربات تتلقاها الأجساد وصوت تهشم الحوائط القديمة يملأ المكان. استغل عادل معرفته الدقيقة بأزقة البيت القديم، واستطاع ضــ,,ـــــرب أحدهم بقطعة خشبية مكسورة، ثم دفع الآخر نحو البئر القديم الجاف في صحن الدار ليرتطم بالأرض ويتأوه عاجزاً عن الحركة.
التفت عادل ليجد منصور يرفع عصاه ليضــ,,ـــــربه بها، لكن عادل أمسك بالعصا بيده العارية، وعصرها بقوة حتى سقطت من يد منصور. أمسك عادل بياقة منصور وضغطه على الحائط، وقال بصوت كالهسيس: “فين أمينة؟ تنطق حالاً وإلا ومش هخرج من هنا غير وأنا واخد حق التمان سنين!” ارتجف منصور وارتعدت فرائصه بعدما رأى رجاله وسقطت حيلته، وقال بصوت خائف ومتقطع: “جدتك… جدتك alive! هي مش ميتة يا عادل! أنا ما .تهاش!”
“فين؟!” صرخ عادل وهو يهزه بقوة. “في البيت القديم عند الجبل… محبوسة هناك عند ناس تبعي، كنت خايف تتكلم وتقول إن ‘سالم’ حي، وإن دــ,,ـــــادثة ال. كانت ملعوبة عشان نلبسك القضية ونأخد أرض العيلة كلها!” ترك عادل منصور يسقط على الأرض يتنفس بصعوبة، وأخذ الصندوق المعدني وركض نحو الخلف حيث تقع شجرة الجوافة. كانت مريم تنتظره هناك تتلفت برعب، وما إن رأته حتى ركضت ونشجت في حــ,,ـــــضنه. قال لها عادل وهو يمسح على رأسها: “خلاص يا مريم… حقنا هيرجع، وتيتة أمينة راجعة.”
لم يضع عادل ثانية واحدة. أخذ مريم وتوجه مباشرة إلى “مركز الشرطة” في المدينة المجاورة. لم يذهب وحده، بل كان يحمل الصندوق الذي يحتوي على الرسائل، وعقد الملكية، والشهادة المكتوبة بخط اليد من جدته، بالإضافة إلى دليل قطعي كان مخبأً في قاع الصندوق: بطاقة رقم قومي مزورة باسم جديد لاستخدام “سالم”—الرجل الذي اتُهم عادل ب.ه—والتي استطاعت الجدة الحصول عليها قبل اختفائها. عندما دخل عادل إلى رئيس المباحث وألقى بالوثائق أمامه، لم يصدق الضابط ما يراه في البداية. لكن الحجج كانت قاطعة والأسماء والتواريخ مطابقة كلياً. صدـ,,ـــرت الأوامر فوراً بتحريك قوة أمنية إلى البيت المهجور بالقرب من الجبل.
مع شروق شمس اليوم التالي، كانت سيارات الشرطة تحاصر البيت النائي. اقتحمت القوة المكان، وهناك، في غرفة مظلــ,,ـــــمة، وجدوا الجدة أمينة. كانت نحيلة، تعبة، وشعرها امتلأ بالمشيب، لكن عينيها كانتا تنبضان بالحياة. عندما دخل عادل الغرفة، نظرت إليه الجدة لثوانٍ وكأنها لا تصدق عينيها، ثم اتسعت حدقتاها ورفعت يديها المرتجفتين وقالت بصوت بكائي يعصر القلب: “رجعت يا ضنايا… عرفت إن ربنا مش هيضيعك.” ارتمى عادل عند قدميها وبكى كما لم يبكِ في حياته قط، وغسل بدموعه سنوات الظلــ,,ـــــم والقهر والعتمة.
مرت الأشهر، وتغير كل شيء. تم القبــ,,ـــــض على منصور ورجاله، وأُعيد فتح القضية القديمة ليتم الإعلان رسمياً عن براءة عادل من الجريمة التي سُجن بسببها، وتم القبــ,,ـــــض على “سالم” الذي كان مختبئاً في إحدى المحافظات المجهزة بهوية جديدة. صودرت كل أموال منصور غير المشروعة، وتم تعويض عادل وجدته عما نالهما من ظلــ,,ـــــم. أما البيت القديم… فلم يعد مهدوماً. قام عادل بإعادة بنائه من جديد، أقام جدرانه بالأحمر القوي، وغرس في حوشه الريحان والنعناع من جديد. والكرسي الهزاز عاد ليتصدـ,,ـــر النافذة، تجلس عليه الجدة أمينة في ليالي الصيف والدفء يملأ وجهها.
ولم تعد مريم الطفلة الوحيدة الخائفة التي تبحث عن أكل في بقايا الشجر؛ بل أصبحت ابنة البيت. سجلها عادل في المدرسة، وأصبحت تضحكاتها تملأ الأرجاء، ترتدي ملابس جديدة وتضم دميتها القديمة بعدما غسلتها وأصلحتها، لكن هذه المرة وهي تجلس في أحضان الجدة أمينة. في أحد الأيام، وقف عادل عند باب البيت، ينظر إلى الطريق الترابي الذي مشى فيه يوماً وهو يحمل شنطته القديمة وقلبه مكسور. ابتسم لنفسه وهو يرى مريم تركض ونحوها الجدة تناديها بالضحك.
لقد ذهبت السلسلة السوداء من حياتهم، وعلم عادل أن الظلــ,,ـــــم وإن طال ليله، فإن فجر الحق لا بد أن يشرق، ليُعيد ترميم القلوب كما يُعيد ترميم البيوت.