وصلت بيت أهل جوزي المستقبلي وأنا فاكرة إني داخلة على عيلة محترمة… لكن لقيت مرات أخوه في المطبخ، جسمها مليان كـ*دمات، وقدامها طبق رز بارد ومغموس في المية… بصتلي في خـوف، ومدّت إيدها بسرعة وحطت في إيدي ورقة صغيرة من غير ما حد ياخد باله…فتحتها بعدين، ولقيت مكتوب فيها:”لو هتتجوزيـه، لازم تشـوفي ده بنفسـك.” الساعة عشرة بالليل رجعت البيت من غير ما أقول لحد… وطلعت موبايلي….لأني اكتشفت إن اللي بيحصل هناك ممكن يحصل لي أنا كمان….
الجزء الأول: — بعد ما تتجوزي، مش هيبقى ليكي لازمة في الشغل بالشكل ده. محمود يقدر يمسك شركتك، وإنتِ تتفرغي لجوزك وبيتك… وإن شاء الله نفرح بيكي وتجيبي لنا حفيد. قالتها حماتي المستقبلية، سهير، وهي بتبتسم كأنها بتديني أجمل عرض في الدنيا. ابتسمت لها أنا كمان…بس ابتسامتي كانت مختلفة. لأني بعد أقل من ساعة، كنت هكتشف إن مرات ابنها الكبير بتاكل رز بارد ومية… وإيديها مليانة كدمات. اسمي داليا سامح، عندي 29 سنة، ومن حوالي 6 سنين بدأت أبني شركة دعاية وتنظيم حفلات في القاهرة…
بدأت بلابتوب قديم كنت مستلفاه، وعميلين صغيرين. دلوقتي بقى عندي شركة فيها أكتر من 40 موظف، وبقيت أنا المسؤولة عن كل حاجة فيها…وعشان كده، رغم إني كنت بحب محمود، عمري ما فهمت إصراره إني أسيب شغلي بعد الجواز. #حكايات_مني_السيد كان دايمًا يقول: — أنا عايزك تعيشي مرتاحة يا داليا، سيبي الشغل وأنا هتصرف… بس جوايا كان فيه إحساس مش مريح. في يوم جمعة، روحت لأول مرة أتعرف رسمي على أهله.
كانوا ساكنين في فيلا كبيرة في التجمع الخامس…من أول ما دخلت، كل حاجة كانت بتقول إن العيلة دي عايشة في مستوى عالي جدًا. حصري على صفحة روايات و اقتباسات. أثاث غالي، تحف، لوحات، مكتبة ضخمة، وصور عائلية متعلقة في كل مكان…والد محمود، عمي حسن، كان رجل أعمال معروف…وسهير، أمه، كانت مدرسة جامعة على المعاش. محمود طول الوقت كان بيحكيلي عنهم باعتبارهم عيلة محترمة، متعلمة، ومترابطة…وكل حاجة فعلًا كانت شكلها مثالي… حصري على صفحة روايات و اقتباسات….
لحد ما ظهرت نهى كانت مرات كريم، أخو محمود الكبير، واللي محمود كان قايل لي إنه مسافر بقاله كام أسبوع في شغل….نهى كانت تقريبًا في منتصف التلاتينات. دخلت وهي شايلة صينية عليها الشاي والقهوة، لابسة ترينينج قديم جدًا، شكله غريب وسط الفخامة اللي في البيت. حطت الكوباية قدامي، وفي اللحظة دي كمّ هدومها اترفع شوية…وشفت علامات زرقا حوالين إيديها. بصيت لها باستغراب. — إنتِ إيدك مالها؟ وشها اتغير فجأة. — وقعت بس.
قبل ما أقول حاجة، سهير دخلت في الكلام بسرعة: — نهى مهملة شوية، ودايمًا بتخبط في نفسها. حاولت أعدّي الموضوع…بس طول العشا، كنت باخد بالي من نهى. كانت واقفة تخدم علينا، ومحدش طلب منها تقعد معانا. فسألت محمود: — هي مش هتتعشى معانا؟ بصلي عادي جدًا وقال: — أصل معدتها تعبانة، والدكتور عامل لها نظام أكل معين. هزيت راسي…بس الكلام ما دخلش دماغي…بعد شوية، قلت إني محتاجة صوص من المطبخ، ونزلت…وهناك شفتها.
نهى كانت قاعدة لوحدها على كرسي بلاستيك صغير. قدامها طبق قديم ومشرّخ…قربت منها…بصيت في الطبق… رز بارد، ومغموس في المية، وشوية خضار بسيط. مفيش أي نظام أكل مخصوص…ولا حاجة. اتصدمت. — نهى… إيه اللي بيحصل هنا؟ رفعت عينيها لي، وكانت مليانة دموع. — مفيش حاجة يا داليا… بالله عليكي اطلعي فوق. — مفيش حاجة إزاي؟ إيدك كلها كدمات! بدأت تبص حواليها بخوف. وفجأة سمعنا صوت سهير من فوق: — داليااا! إنتِ فين؟
نهى بدأت تترعش…مسكت إيدي وقالت بسرعة: — اطلعي… دلوقتي! طلعت وأنا بحاول أتصرف طبيعي…لكن من اللحظة دي، كل ابتسامة من محمود بدأت تبان لي بشكل مختلف. الساعة كانت حوالي 8 ونص لما قررت أمشي. محمود خرج يجيب العربية…وأنا كنت واقفة عند باب البيت، لقيت نهى معدية جنبي وهي شايلة كيس زبالة. من غير ما تبصلي، مسكت إيدي وحطت حاجة صغيرة جواها. ورقة متنية…قفلت إيدي عليها بسرعة قبل ما حد يشوف.
ركبت عربيتي، وما فتحتش الورقة غير لما وصلت شقتي. فتحتها بإيد بتترعش…كان مكتوب: “ارجعي الساعة 10. من الباب الجانبي. متعمليش صوت. لازم تشوفي الحقيقة قبل ما تتجوزي.” فضلت باصة للورقة كام ثانية…قلبي كان بيقول لي ما أرجعش…وعقلي كان بيقول لي لازم أعرف…الساعة 9 وربع، كنت قاعدة في عربيتي قدام البيت…والساعة 10 بالظبط، دخلت من الناحية الجانبية زي ما قالت. اتخبيت ورا سور قريب من المخزن. وفجأة… سمعت صوت خبطة قوية.
وبعدها سمعت صوت نهى بتتوجع. قربت أكتر وبصيت من فتحة صغيرة في البوابة. اتجمدت مكاني…نهى كانت راكعة على الأرض جوه المخزن. وسهير واقفة قدامها، ماسكة عصاية رفيعة في إيدها. لكن الصدمة الحقيقية كانت في الشخص اللي قاعد قدامهم. محمود…جوزي المستقبلي…قاعد بمنتهى الهدوء، ماسك سيجارة، وكأنه بيتفرج على مشهد عادي. وبص لنهى وقال: — إنتِ متقربيش من داليا تاني. نهى رفعت عينيها بخوف. محمود كمل: — داليا هي فرصتنا الوحيدة إننا نطلع من الديون اللي علينا.
حسيت إن نفسي اتقطع…سهير رفعت العصاية تاني وقالت: — لما داليا تمضي على الورق، شركتها هتبقى تحت إيد العيلة. وبعدها هتعرف تتعامل زي ما نهى اتعلمت. بصيت لمحمود وأنا مش مصدقة اللي بسمعه. ابتسم وقال: — داليا واثقة فيا. أول ما نتجوز، أنا هبقى مسؤول عن حسابات الشركة كلها. حطيت إيدي على بقي عشان أمنع نفسي من الصراخ. الشخص اللي كنت فاكرة إنه بيحميني…كان هو اللي بيخطط ياخد كل حاجة مني…والست اللي كنت فاكرة إنها حماتي وبتعاملني بحب…كانت بتعذب مرات ابنها قدامي.
وساعتها فهمت الحقيقة…نهى ما كانتش الضحية الوحيدة. كانوا بيجهزوا الضحية اللي بعدها…وأنا كنت هي. رجعت خطوة لورا في هدوء، وأنا بحاول ما أعملش أي صوت…وصلت لعربيتي، قفلت الباب، وفضلت قاعدة جواها وأنا مش قادرة أستوعب اللي شوفته. كان ممكن أروح لمحمود وأواجهه…كان ممكن ألغي الجواز فورًا…كان ممكن أفضحهم كلهم. لكن…أنا أخدت قرار تاني. مش هلغي الجواز…مش دلوقتي…لأن العيلة دي كانت مستنية ضحية جديدة…وأنا قررت أكون…أكبر غلطة عملوها في حياتهم…هما ما كانوش يعرفوا لسه أنا هعمل فيهم إيه.
الجزء الثاني: الهدوء الذي يسبق العاصفة رجعت شقتي والدم بيغلي في عروقي، بس عقلي كان شغال بقمة الصفاء. الشخص اللي كان بيحاول يلعب دور البطل، طلع مجرد أداة في تمثيلية رخيصة، والعيلة اللي كانت بتتباهى بالفخامة والأصول، ما هي إلا عصابة متنعمة على شقا غيرها. فكرة إنهم شايفين شقا عمري وشركتي اللي بنيتها من الزيرو مجرد “حل سريع لديونهم” صحّت جوايا وحش ميعرفوش عنه حاجة. هما كانوا فاكرين إني بنت مستضعفة ومبهورة بأسماء القصور، لكنهم نسوا إن الست اللي بنت كيان فيه 40 موظف من لا شيء، تقدر تهد كيانهم في لحظة.
أول حاجة عملتها تاني يوم الصبح الساعة 8 تمامًا: اتصلت بالأستاذ رفعت، المحامي الخاص بشركتي، وطلبت منه اجتماع عاجل وسري جدًا. طلب منه يعمل مراجعة شاملة وسرية لكافة الحسابات المالية للشركة، ويغيّر كل الصلاحيات والتوقيعات البنكية بحيث محدش يقدر يوصل لأي قرش غير برقم سرّي وتوقيع ثنائي مني أنا شخصيًا. وظّفت مكتب تحريات خاص عشان أعرف حجم الديون الحقيقي لعيلة “حسن”، وإيه السبب اللي خلى ابنهم الكبير كريم يختفي فجأة.
بعد 48 ساعة فقط، التقرير كان قدامي على المكتب… وكانت المفاجأة. أبو محمود، عمي حسن، مكنش رجل أعمال ناجح زي ما بيصدّروا للناس… كان راجل مدين بملايين لشركات ومستثمرين بسبب صفقات خسرانة، ومحمود نفسه كان غرقان في قروض وشيكات بدون رصيد باسمه. أما كريم؟ فمكنش مسافر في شغل… كريم كان هربان في المحافظات من أصحاب الديون، وسايب مراته نهى رهينة في الفيلا تحت إيد أمه عشان تفرغ فيها غلها وتجبرها تتحمل الإهانة والمذلة عشان ما تطلبش الطلاق وتطالب بمؤخرها وحقوقها!
تاني يوم، كلمني محمود بصوته الناعم المزيف اللي كان بيجيب لي قرف: — داليا حبيبتي، وحشتيني.. ماما بتسأل عليكي وعايزاكي تعتبي البيت عندنا تاني عشان نحدد معاد كتب الكتاب وتيجي نقعد سوا. بلعت غضبي، وابتسمت ورا التليفون وقولت بصوت هادي ومتقن: — طبعاً يا محمود، أنا كمان حابة أجي.. بس إيه رأيك أجي بكرة بدري ونقعد نتكلم في تفاصيل الشغل والجواز؟ أنا بفكر بجد في كلامك عن إدارة الشركة. سمعت نبرة الفرحة الجشعة في صوته لما قال:
— تمام يا حبيبتي! مستنيكي على نار. الجزء الثالث: الشباك تتجمع في اليوم التالي، دخلت الفيلا وأنا لابسة شنطة يد أنيقة، لكنها كانت تحتفظ بداخلها بآلة تسجيل كاميرا وصوت صغيرة جدًا مثبتة بدقة. استقبلتني سهير بابتسامتها الصفرا المعتادة، ونادت على نهى بصوت جاف: — نهى! هاتي العصير لداليا بسرعة ومتقعديش بره كتير عشان المطبخ يتروق! نهى دخلت وهي باصة في الأرض، علامات الكدمات كانت واضحة أكتر، وعينيها مليانة رجاء وخوف. لما قربت تحط الكوباية قدامي، غمزت لها بعيني إني فاهمة ومجهزة كل حاجة. نهى فهمت الإشارة واستأذنت بسرعة.
قعد محمود جنبي، وبدأ يفتح الموضوع بمنتهى الPathos والجشع: — داليا.. عشان نختصر الوقت بعد الجواز، أنا جهزت ورق توكيل إداري ومالي شامل، يخليني أقدر أتدخل وأشيل عنك حمل الميزانيات والبنوك.. بكده تتفرغي لي ولبيتنا. طلّع الورق وحطه قدامي على الترابيزة. مسكت الورق وقلبته بهدوء، وركّزت نظري في عينيه وقولت: — فكرة ممتازة يا محمود… بس قبل ما أمضي، فيه حاجة بسيطة لازم نتفق عليها. سهير اتعدلت في قعدتها وقالت بقلق:
— حاجة إيه يا داليا؟ انتِ مش واثقة في محمود ولا إيه؟ ابتسمت وطلعت من شنطتي ملف أبيض وحطيته قدامهم على الترابيزة. — أنا واثقة طبعاً.. بس كسبيرة أعمال، م ينفعش أدخل شراكة أو جواز من غير ما أراجع الموقف المالي للطرفين. والملف ده فيه كشف بكل الشيكات المكسورة على عمي حسن، والقروض اللي باسم محمود، والديون اللي تجاوزت 15 مليون جنيه. وش محمود وسهير أصفرّ تمامًا، والجمود حلّ على المكان. محمود اتوتر وقام وقف:
— انتِ بتفتشي ورانا يا داليا؟! مين قال الكلام الفارغ ده؟! رديت بثقة وانا بقف قدامهم: — وممش بس كده يا محمود… الملف ده كمان فيه تقرير طبي بالحالة الصحية لنهى، وفيديو متسجل الصوت والصورة ليلة إمبارح الساعة 10 بالظبط، وأنت قاعد بتتفرج على أمك وهي بتض.رب نهى بالعصاية في المخزن، وبتقولوا إن شركتي هي الحل الوحيد لديونكم! سهير وقفت بذهول وصرخت بصوت مرعب: — انتِ بتتسحبي وتتجسسي علينا في بيتنا يا زبالة؟! مش هلتخرجي من هنا حية بالورق ده!
الجزء الرابع: الحساب الأخير محمود قرب مني بغضب وحاول يمسك إيدي عشان ياخد الملف، لكن في اللحظة دي، صوت خبط قوي هزّ باب الفيلا الخارجي، ودخل رجل أعمال معروف ومعه قوة من رجال الشرطة بموجب إذن من النيابة العامة. أنا مكنتش جاية لوحدي… أنا اتفقت مع الأستاذ رفعت المحامي يبلّغ النيابة ببلاغ رسمي باحتجاز مواطنة وتورط في قضايا تعذيب وابتزاز، وقدمنا الفيديو اللي صورته بنفسي ليلة أمس كدليل قاطع. البوليس دخل الفيلا وسط صراخ سهير وذهول محمود اللي وقف متكتف مش عارف يتصرف. الضابط بص للملف والفيديو وقال:
— محمود حسن، وسهير أحمد… مطلوب القبض عليكم بتهمة احتجاز وتعدي وحشي، بالإضافة لبلاغات شيكات بدون رصيد ومحاولة نصب. نهى خرجت من المطبخ وهي بتعيط، بس المرة دي كانت دموع الارتياح. جيت جنبها ومسكت إيدها وقولت لها: — حَقك رجع يا نهى، ومحدش هيقدر يلمسك تاني. في نفس اليوم، تم القبض على كريم كمان في المكان اللي كان مستخبي فيه، واتكشفت العيلة كلها قدام المجتمع والميديا. بعد 3 أشهر من الحا.دثة:
نهى حصلت على الطلاق الرسمي بكافة حقوقها والمؤخر، وبدأت تتلقى العلاج النفسي والجسدي، وأنا وظفتها معايا في قسم العلاقات العامة بالشركة بمرتب محترم يضمن لها حياة كريمة ومستقلة. محمود وأمه وأخوه اتسجنوا بأحكام متعدده بين تعذيب ونصب وتزوير شيكات. أساور الذهب والفخامة المزيفة اللي كانوا عايشين فيها اتعرضت للبيع في المزادات العلنية لسداد ديونهم. أما أنا… فقعدت في مكتبي، وبصيت من الشباك على الشركة اللي بنيتها بعرقي، وعرفت إن أكبر القضايا والحروب مش بنكسبها بالصوت العالي أو العاطفة… بنكسبها بالهدوء، والتخطيط، ورفض الدخول في فخاخ الظالمين.
