منوعات

عزومة لاهلي

حماتي كانت كل ما أعمل عزومة لأهلي، تتصل بجوزي قبل وصولهم وتقول له: «خلي بالك، أهلها جايين ياخدوا راحتهم في بيتك»… وأنا كنت فاكرة إنها مجرد غيرة، لحد اليوم اللي سمعتها بتدبر معاه حاجة خلتني أندم إني فتحتلهم باب بيتي. من أول جوازي وأنا بحب أعزم أهلي عندي. مش لأن بيت جوزي أحسن من بيتهم، لكن لأن أمي كانت بتحب تجمعنا، وإخواتي كانوا دايمًا بيقولوا إنهم بيحسوا إن البيت بيتي بجد لما نقعد كلنا على سفرة واحدة.

لكن حماتي كانت بتكره اليوم ده. كل ما تعرف إن أهلي جايين، كانت تتصل بجوزي قبل ما يوصلوا بدقايق. مرة سمعته بيقول لها: —يا ماما، دول أهلي زي ما هما أهلك. ردت عليه: —أنا مش خايفة على البيت من أهلك، أنا خايفة عليك منهم. خلي بالك، أهلها جايين ياخدوا راحتهم في بيتك. كنت بسمع وأسكت. وفي كل عزومة، كانت تعمل نفس الحاجة. تتصل. تحذره. وتقوله كلام يخليه طول القعدة متوتر ومراقب كل حركة من أهلي.

مرة أمي جابتلي طقم حلل هدية، وبعد ما مشيوا لقيت جوزي بيقول: —ماما قالتلي إن والدتك بدأت تدخل نفسها في حاجات البيت. بصيت له باستغراب. —دي جابتلي هدية! قال: —أنا عارف، بس ماما بتفهم في الناس. عديتها. وفي عزومة تانية، أخويا كان بيصلح لمبة في الصالة، لأن جوزي كان في الشغل، فحماتي اتصلت بيه بعدها وقالت له: —شوفت؟ أهو أنا قلتلك. أهلها بقوا بيتصرفوا كأن البيت بيتهم. ومن يومها، جوزي بدأ يضايق لما حد من أهلي ييجي.

بقى يقول: —مش لازم كل أسبوع. وبعدين: —خلي الزيارات برا البيت. وبعدين وصل بيه الكلام إنه قاللي: —ماما عندها حق، لازم يبقى في حدود. حسيت وقتها إن حماتي مشكلتها مش في أهلي. مشكلتها كانت إنها عايزة تخليني أحس إن البيت ده مش بيتي. لكن اللي حصل في آخر عزومة كان مختلف. كنت عاملة أكل كتير، وأهلي كلهم جايين، وأول ما وصلوا حماتي اتصلت بجوزي. أنا كنت في المطبخ، وهو كان واقف في البلكونة.

سمعته بيقول: —حاضر يا ماما، هتصرف. استغربت. بعدها دخل وقاللي: —ماما بتقول خلي بالك من حاجات البيت. قلت له: —حاجات إيه؟ سكت. وبعدها قال: —هي شايفة إن لازم نبدأ نفصل حاجاتنا عن بعض. الكلمة خوفتني. لأني فاكرة كويس إن كل حاجة في البيت تقريبًا أنا اللي كنت شاريها. وبعد ما أهلي مشيوا، دخلت أوضة النوم عشان أرتب، فلقيت درج الكومودينو مفتوح. جواز السفر بتاعي مش موجود. دفتر توفير كنت مخبياه اخت.فى.

ولما فتحت الدولاب، لقيت ملف عقود الشقة ناقص. وقتها اتصلت بجوزي. رد عليا بسرعة وكأنه كان مستني المكالمة. قلت له: —إنت خدت ملف الشقة؟ سكت ثواني. وبعدين قال: —ماما قالتلي أخليه عندها أحسن. حسيت إن الأرض اتسحبت من تحتي. —ليه؟ رد بمنتهى البرود: —عشان لو حصل حاجة، أهلِك ما يبقوش ليهم أي تدخل. قفلت المكالمة وأنا مش فاهمة. لكن وأنا بدور على باقي الورق، لقيت ورقة صغيرة واقعة تحت السرير.

فتحتها. كانت مكتوب فيها بخط حماتي: «بعد العزومة الجاية، خليها تسيب البيت يومين عند أهلها… وساعتها نقدر ننقل كل حاجة من غير ما تعمل مشكلة.» وقتها فهمت إن مكالماتها قبل كل عزومة ماكانتش مجرد كلام. كانت بتستخدم أهلي كذريعة. كانت عايزة تخليني أخرج من بيتي بإرادتي… لكن اللي ما كانتش تعرفه إن قبل ما أقرأ الورقة دي، كنت بالفعل اكتشفت سر أكبر عن جوزي، والسر ده كان كفيل يقلب الخطة كلها عليهم.

فتحت الباب بثبات. كان واقف هو وأمه. وجه مازن كان أصفر زي الورق، أما حماتي فكانت نظراتها بتتنقل بيني وبين الطرقة بشرارة غل ومفاجأة، تحسها مش مستوعبة إن “الهادية اللي بتسكت” هي اللي ماسكة زمام الأمور دلوقت. أول ما دخلت، حماتي زعقت بصوت متهدج تحاول تداري بيه توترها: — «إيه الجنان اللي بتقوليه في التليفون ده يا شيماء؟ أنتِ اتجننتِ؟ بتهددي جوزك وبترمي بلاويكِ علينا؟!» ما اتكلمتش. مشيت بهدوء لحد السفرة، قعدت، وشاورتلهم على الكراسي:

— «اتفضلوا اقعدوا… الكلام الكتير والصوت العالي مش هيفيدكم بشيء. احنا قدامنا وقت محدود جدًا قبل ما المحامي يرفع القضية.» مازن مسك إيد أمه، وكان باين عليه الخوف الحقيقي، وقال وهو بيحاول يهدّي اللعب: — «شيماء… استهدي بالله، الموضوع مش زي ما أنتِ فاهمة. ماما كانت خايفة على حقي، وأنا—» — «أنت بصمتني على إيه يا مازن؟» قطعت كلامه بصوت وطي لدرجة مرعبة، وبصيت في عينيه مباشرة:

— «أنا سألت نفسي ألف مرة… ليه حماتي كانت مصممة كل ما أهلي يجوا تعمل المشكلة دي؟ ليه العزومات بالذات؟ ووصلت للإجابة لما سمعت التسجيلات كامة… أنت كنت بتستغل زحمة العزومة، واللخبطة، والورق اللي بتقولي وقعي عليه عشان مصاريف الصيانة أو الإيجارات، وكنت بتحطلي ورقة التنازل في النص وأنا مش أخدة بالي. كنتوا مستنيين اليوم اللي أسيب فيه البيت غضبانة عند أهلي، عشان تروحوا تسجلوا الورق ده في الشهر العقاري بروقان!»

حماتي بلعت ريقها بصعوبة، ونظرتها بدأت تتغير من الهجوم للدفاع: — «أنتِ… أنتِ بتتسسسي على مكالماتنا؟ دي جريمة!» ضحكت ضحكة قصيرة مليانة سخرية: — «الجريمة هي محاولة سرقة ملكيتي وتزوير إرادتي يا طنط. والكارت اللي عليه التسجيلات مش بس مع المحامي… ده في نسخة منه مع أخويا الكبير. وأول ما هسمع منكِ كلمة واحدة زيادة، النسخة دي هتوصل لعمام مازن ولعيلتك كلها، ونشوف ساعتها موقفكم إيه قدام الناس اللي بتتظاهروا قدامهم بالتقوى والأصول!»

مازن اتنفض من مكانه: — «أخوكِ؟! أنتِ دخلتِ أهلك في الموضوع؟!» — «أهلي اللي كنتوا بتقللوا منهم؟ أهلي اللي كنتوا بتقولوا جايين ياخدوا راحتهم في بيتك؟ أهلي هما السند اللي نسيتم إنه ورايا. البيت ده مدفوع تمنه بالكامل من قرش أبويا الله يرحمه. وأنت عارف كويس إن العقد اللي معاك مجرد عقد صورية كنا عاملينها عشان منظر قدام أهلك، لكن العقد النافذ المسجل هو اللي باسمي أنا لوحدي.» حماتي بصلته بذهول وسألته بصوت واطي:

— «الكلام ده صح يا مازن؟ أنت مش قلتلي الشقة باسمك بالنص؟!» مازن وّطى رأسه وما ردش. كان كاذب على أمه عشان يظهر قدامها إنه صاحب كلمة، وكان كاذب عليا عشان يسرقني. اللحظة دي كانت انكسار خطتهم بالكامل… الجشع طماهم، والكذب غرقهم في بعض. وقفت من على الكرسي وقربت من الباب: — «الشنطة دي فيها كل هدومك يا مازن. ودقايق وهتكونوا برة البيت. لو حاولتم تماطلوا أو تعملوا أي شوشرة، البلاغ اللي متحضر عند المحامي هيتحرك فوراً بتهمة التآمر للتزوير والسرقة، وساعتها مش بس الشقة اللي هتروح… مستقبلك وشغلك هيروحوا معاها.»

حماتي كانت بصالي بذهول، مش مصدقة إن هي اللي كانت بتدبر عشان تخرجني من بيتي، بقت هي وابنها اللي برة البيت في ظرف ساعات. مسكت إيد ابنها وقالت بنبرة كسرة وألم مزيف: — «يلا يا مازن… يلا نمشي من هنا، دي واحدة ما تتأمنش!» رديت عليها وأنا بقفل الباب وراهم: — «فعلاً يا طنط… اللي يحافظ على حقه وبيته ما يتأمنش لمكركم.» قفلت الباب بالمفتاح، ولأول مرة من سنين حسيت بنسيم هادي داخل البيت.

أهلي ماكانوش العبء اللي بيجي ياخد راحته في البيت… أهلي كانوا البركة اللي حماتني وخلتني أكتشف الغدر قبل ما يفوت الأوان. بعد أسبوعين، تمت إجراءات الطلاق بهدوء تام وبدون أي شوشرة، لأن مازن وأمه كانوا مرعوبين من الفض.يحة ومن القانون. ورجعت السفرة تتجمع عليها عيلتي من تاني… بس المرة دي، وأنا قاعدة مرفوعة الراس في بيتي الحقيقي، من غير خايفة من مكالمة تليفون، ولا نظرة غدر مستخبية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى