ارتعش جـ,ـثمان “عادل” الصامد بصعوبة، وكان القلم في يده أثقل من الجبال وهو يوقع على وثيقة الزواج وعلى أوراق نقل الملكية الصورية. وبجانبه كانت “نادين” تقف كتمثال من رخام، عيناها المحمرتان تنطقان بشتى أنواع الغضب والخذلان. لم تنظر إلى “يامن” ولو لبرهة واحدة، بل كان شعورها بالخيانتين يتأكلها: خيانة جسد والدها الذي يخذله، وخيانة هذا الشاب الذي ظنت أنه مجرد غريب، فإذا به يستولي على كل شيء… حتى على حريتها.
وبعد أربعة أيام فقط… أُسدِل الستار. انطفأت شاشة المراقبة الطبية، وعمّ الصمت أرجاء العناية المركزة. توفي “عادل”، ورحل السند الوحيد الذي كان يحمي “نادين” من مخالب الدنيا. في سرادق العزاء الفخم، كانت الأجواء مشحونة بكهرباء ساكنة. لم تكن نظرات العائلات والمتربصين معزّية، بل كانت نظرات صقور تحوم حول فريسة. وقف “يامن” بدشداشته السوداء، يتلقى التعازي بوقار وثبات يخفي خلفه قلباً مكسوراً على رحيل أبيه الروحي، بينما عيناه لا تفارقان “نادين” التي كانت تجلس بين سيدات العائلة كالأسيرة.
وفجأة، اقتحم الهدوء صوت خشن ومتهكم. إنه أخي أمها، “عاطف”، يتكئ على عصاه وبجواره ابنه “سامح”: – “عظم الله أجرك يا… يا يامن. بس أعتقد مالوش لزمة الوقفة دي كلها، نادين بنتنا وهنخدها معانا بيتنا من النهاردة، والتركة والأملاك في محامين هما اللي هيستلموا إدارتها بدل العك ده!” احتمت العيون بالنظرات الشاخصة. تقدم “يامن” بخطوات ثابته، ونظر في عين “عاطف” دون أن ترف له جفن: – “البقية في حياتك يا حاج عاطف. بس مظنونش إنك نسيت… نادين مراتي على سنة الله ورسوله، وأملاكها وإدارتها أمانة في رقبتي لحد ما هي تختار. وبيتها هو بيتي.”
صرخت “نادين” من بين الحضور وهي تقف فجأة، وصوتها يرتجف بالبكاء والغضب: – “بيت مين؟! أنت مصدق نفسك؟! أنت أخدت كل حاجة بالنصب واستغليت مرض بابا! أنا مش هعيش معاك لحظة واحدة!” ساد الذهول المكان. ابتسم “عاطف” بانتصار: – “سمعت بنفسك يا ابن الناس؟ البنت مش عايزاك، وهنرفع قضية بطلان عقد ونفسخ الجوازة الشؤم دي ونسترد حق أختنا الله يرحمها!” لم يهتز “يامن”، بل اقترب من “نادين” بهدوء شديد، ووقف بينها وبين خالها، وقال بصوت منخفض لكنه حاد كالسـ,ـكين:
– “حقك تفتكري اللي أنتِ عايزاه يا نادين… بس وصية أباكي الله يرحمه كانتضض وضوح الشمس. وإذا كنتِ شايفاني حرامي، فالحرامي ده هو الوحيد اللي واقف بينك وبين اللي عايزين يأكلوكي لحم ويرموا عظمك.” ثم التفت إلى خالها وقال بنبرة قاطعة: – “العزاء خلص يا حاج. ونادين هترجع بيتها… معايا.” في تلك الليلة، دخلت “نادين” القصر الذي طالما عاشت فيه مع والدها، لكنه الآن بدا غريباً وموحشاً. رمت حقيبتها على الأرض وتوجهت فوراً إلى “يامن” الذي كان يقف عند الشرفة ينظر إلى الفراغ.
– “أنت فاكر إنك بقيت سي السيد خلاص؟” قاطعت الصمت بنبرة حادة. “الجواز ده على الورق يا يامن! أنت هنا مجرد حارس على أملاكي لحد ما أتم واحد وعشرين سنة، وساعتها هرمي لك قرشين ثمن خدماتك وأخلص منك!” التفت إليها “يامن”. كانت عيناه تحملان حزناً عميقاً لم تلاحظه في زحمة غضبها. لم يرد بإهانة، ولم يصرخ، بل قال بصوت هادئ ومجهد: – “أنا مش محتاج فلوسك يا نادين… ولا محتاج أثبتلك أنا مين. مفتاح أوضتك أهو، والأوضة اللي جنبها أوضتي. الحدود بيننا معروفة ومش هتعداها… بس أوعي تفتكري إن السكوت ضعف. أنا هحميكي… حتى منك أنتِ شخصياً.”
تركها وذهب إلى غرفته، أغلقت هي بابها بالمفتاح، وجلست خلفه تبكي بحرقة على فراق والدها وعلى هذا السجن الجديد الذي وجدت نفسها فيه. مضت الأسابيع الأولى كالحرب الباردة. “نادين” تتجاهله تماماً، تتعمد الخروج والدخول دون إذنه، وترفض تناول أي طعام يطلبه لها. و”يامن” يراقب من بعيد، يسهر في مكتبه يتابع قضايا التركة التي بدأ خالها يرفعها واحدة تلو الأخرى للاستيلاء على الشركات، ويتحمل طـ,ـعنات وقسوة كلماتها كل صباح. وفي أحد الأيام، قررت “نادين” إظهار تمردها الكامل. خرجت مع إحدى صديقاتها إلى مطعم شهير دون أن تخبره، واتفقت مع محامي خالها سرّاً ليقابلها هناك ويشرح لها كيف تسترد أملاكها من “يامن”.
لكن ما لم تكن تعلمه، هو أن “سامح” ابن خالها كان يترصد لها. في طريق عودتها في وقت متأخر من الليل، تعطلت سيارتها في شارع شبه مهجور. نزل “سامح” من سيارة كانت تلاحقها، ومع اثنين من أصدقائه. – “أهلاً يا عروسة…” قال سامح بابتسامة خبيثة وهو يقترب منها. “فاكرة إن الغريب ده هيحميكي منا؟ توقيع واحد منك على أوراق التنازل دي وهنخليكي تخلصي منه ومن القرف ده كله.” ارتعبت “نادين” وتراجعت للخلف:
– “ابعد عني يا سامح! أنت تجننت؟ زقيتوني وقطعتوا عربيتي؟” أمسك زراعها بقوة: – “مش بمزاجك يا حلوة، هتوقعي يعني هتوقعي!” صرخت “نادين” وحاولت التملص منه، وفي اللحظة التي ظنت فيها أن كل شيء قد انتهى، أضاءت أنوار ساطعة الشارع بأكمله. توقفت سيارة سوداء بسرعة وصرير عالي للفرامل. نزل “يامن”. لم يكن الشخص الهادئ المبتسم الذي تعرفه. كان وجهه مشدوداً بغضب مرعب، وعيناه تشتعلان شراراً. – “سيب إيدها يا سامح…” قالها بنبرة جعلت الدـ,ـماء تتجمد في عروق “سامح”.
– “أنت إيه اللي جابك هنا؟ دي مشكلتنا العائلية مالكش دعوة!” صرخ سامح وهو يحاول إشهار مطواة صغيرة. في أجزاء من الثانية، تقدم “يامن” وسحب “نادين” خلف ظهره بكل حماية، وبحركة سريعة ومتقنة شلّ حركة “سامح” وأسقطه أرضاً، بينما فرّ صديقاه رعباً من هيئته. وقف “يامن” يلهث، ونظر إلى سامح الملقى على الأرض وقال: – “لو لمست شعرة منها تاني… مش هكتفي بالقانون. نادين خط أحمر.” ثم التفت إلى “نادين”، وفتح لها باب سيارته دون أن ينطق بكلمة واحدة.
طوال طريق العودة، كان الصمت يلف السيارة. لكن هذه المرة، لم يكن صمت غضب، بل صمت ذهول. كانت “نادين” تنظر إلى يد “يامن” التي تنزف خفيفاً جراء العراك، وإلى ملامحه القاسية التي بدأت تهدأ تدريجياً. ولأول مرة… شعرت بالخجل. عندما وصلوا إلى القصر، دخلت وراءه وقالت بصوت خافت ولأول مرة بدون نبرة التحدي: – “يامن… إيدك بتنـ,ـزف.” توقف “يامن” ونظر إلى يده كأنه لم يلاحظها، ثم ابتسم ابتسامة مجهدة وقال:
– “جـ,ـرح بسيط… متقلقيش. ادخلي أوضتك وارتاحي، بكرة هبعتلك عربية بسائق مخصوص عشان متتعرضيش للمواقف دي تاني.” تجمعت الدموع في عينيها وقالت: – “أنت ليه بتعمل كل ده؟ ليه بتحمل قسـ,ـوتي وبتحميني وأنا كل يوم بشتمك وباتهمك بالنصب؟ ليه ما سبتنيش ليهم وخلاص؟” اقترب “يامن” خطوة واحدة، ونظر في عينيها بعمق، ولأول مرة يترك قلبه يتكلم دون قناع الثبات: – “عشان أبوكي قبل ما يمـ,ـوت ما أودعنيش أملاك يا نادين… أبوكي أودعني روحه، وروحه هي أنتِ. ولأني…”
سكت فجأة، وكأنه تدارك نفسه، ثم تراجع خطوة للخلف وأكمل بنبرة هادئة: – “ولأني وعدته أكون راجل وأد الثقة. تصبحي على خير.” تركها واقفه في منتصف الصالة، يتردد صدى كلماته في أذنيها، بينما بدأ قلبها المتمرد يضـ,ـرب بدقات سريعة، مدركاً أن القلعة الحصينة التي بنيتها ضد هذا الرجل… بدأت أسوارها تتهاوى أولى حجارتها. (هل تبحث عن استكمال الأحداث وما سيحدث في المواجهة القادمة مع خالها، وكيف ستبدأ “نادين” بالتقرب منه؟)
