قلبي كان هيقف من الخبطة، ورجلي شالتني بالعافية ووقفت ورا باب الصالة وأنا كاتمة نفسي. الباب اتفتح بالراحة، والظل اللي دخل كان طويل وضخم… لفيت وشي وبصيت من ورا الحيطة، ولقيته هو: أخو جوزي! دخل الشقة وهو شايل أكياس من السوبر ماركت، ووشه باصص في الأرض وعلامات الهم قارفاه. خطى أول خطوة في الصالة، وفجأة… وقف!
الراجل تنّح في مكانه، نزل عينه على الأرض اللي بقت بتبرق، وبص حواليه بذهول. الصالون اللي كان سادد الشباك اتنقل، والشمس والمسك واللافندر مالين المكان، والوسع اللي بقى في الشقة يخض. فرك عينيه بـإيده كأنه بيفوق من الحلم، ونزل الأكياس على الترابيزة بالراحة وهو مش مصدق، ودخل بسرعة على أوضة النوم… أول ما شاف السرير المترتب، والهدوم اللي متطبقة، والريحة اللي تشرح القلب، حط إيده على راسه وسمعته بيتنهد تنهيدة طويلة أوي، وقال بصوت واطي: “يا رب.. هو أنا دخلت شقة حد تاني ولا إيه؟”
في اللحظة دي، مكنش ينفع أستخبى أكتر من كده، كحيت كحة خفيفة عشان ما يتخضش، وقلت بصوت كله أدب واحترام وأنا باصة في الأرض: — “حمداً لله على السلامة يا أبو فلان.. معلش يا خويا دخلت من غير إذنك.” الراجل اتنفض من خضته وبصلي وعينه واسعة من الصدمة: — “إنتي؟! .. أنغام؟! هو إيه اللي بيحصل هنا؟ وشقتي بقت عاملة كده إزاي؟” قلتله وأنا بسحب نفسي ناحية الباب وبحاول ألطف الجو:
— “والله يا خويا صعبت عليا وأنت بتكلم حماتي تحت.. قلت البيت واحد وإحنا أهل، ورحاب زمانها تعبانة مع والدتها، فقلت أطلع أعمل الواجب وأروق لك الدنيا عشان ترجع تلاقي حتة نظيفة تقعد فيها وتعرف ترتاح من شقاك.. الشقة شقتك، وعن إذنك بقا عشان ألحق أنزل.” الراجل من كتر الصدمة والفرحة مكنش عارف يقول إيه، تلتلم في الكلام وقال: — “أنا.. أنا مش عارف أقولك إيه يا أنغام.. الله يستر عرضك ويسعدك يا بنت الأصول، أنا كان بقالي شهور مش عارف أتنفس في الشقة دي.. كتر خيرك، أصيلة والله.”
نزلت السلم وقلبي بيدق زي الطبل، فرحانة إني عملت حاجة صح بس في نفس الوقت في نغزة خوف جوايا. أول ما دخلت شقة حماتي، لقتني وشي أحمر وبنهج، قالتلي بلهفة: “بشريني يا بنتي، خلصتي؟” قلتلها: “الحمد لله يا ماما، بس هو جه وأنا فوق وشاف كل حاجة”.. حماتي حطت إيدها على صدرها وقالت: “يا مري! ربنا يستر وميخربش الدنيا مع مراته لما تعرف!” ومرت يومين… والهدوء اللي قبل العاصفة كان مخيف.
أخو جوزي كان ينزل يقعد معانا، وشه منور، وبقى يتكلم براحة، وكل شوية يلمح لحماتي ويقول: “الواحد بقا بيعرف ينام ويرتاح، النفسية اتغيرت ١٨٠ درجة”.. وطبعاً الكلام ده كان بيوصل لـ “رحاب” في التليفون! حماتي من ورايا كانت بتكلمها وتقولها: “شفتي شقتك بقت جنة إزاي؟ شفتي النظام المريح؟”.. وطبعاً حماتي مكنتش قايلة لها إن أنا اللي عملت كده، كانت مفكراها مفاجأة من جوزها! في اليوم الثالث، العصر، سمعنا صوت دب رزع على السلم، وباب الشقة الرئيسي اتفتح بقوة… رحاب رجعت!
دخلت وهي شالة شنطتها، ووشها مقلوب وعينها بتطلع شرار. مصلتش على النبي حتى، بصتلي ونفخت، وبصت لحماتي وقالت: “أنا طالعة شقتي أشوف الهنا اللي بتتكلمي عليه يا حماتي”.. وطلعت تخبط برجليها على السلم. أنا وحماتي بصينا لبعض، وحسيت إن في مصيبة هتحصل. مفيش خمس دقائق، وسمعنا صوت صريخ وصوت حاجات بتتكسر فوق! صوت رحاب كان جايب آخر الشارع وهي بتصوت: “مين اللي عمل كده؟! مين اللي تجرأ ودخل غرفتي؟! مين اللي نقل سريري؟!”
جوزها كان لسه راجع من بره على الصوت، طلع جري، وأنا وحماتي طلعنا وراه. أول ما دخلنا الشقة، لقينا رحاب واقفة في وسط الصالة زي المجنونة، وشعرها منكوش، وماسكة فازة على الأرض مكسراها. أول ما شافت جوزها صرخت فيه: — “مين اللي دخل شقتي في غيابي يا ممدوح؟! مين اللي بوظ نظاري ودخل أوضة نومي يفتش في دولابي وملاياتي؟! إنت جبت مين هنا؟!” ممدوح اتعصب من منظرها وصوتها العالي قدامنا، وقال بزعيق:
— “جرى إيه يا هانم؟! بدل ما تشوفي النظافة والوسع وتقولي كتر خير اللي تعب، جاية تعملي لنا فضـ,ـيحة؟! دي الشقة كانت زريبة ومكنتش بعرف أتنفس فيها!” رحاب لفت وشها وبصتلي أنا بالذات، عينها كانت حمراء وعروق وشها بارزة، شاورت بصابعها في وشي وقالت بصوت يزلزل: — “هي!! صح؟ هي الحرباية دي اللي دخلت هنا! أنا عارفاها وعارفة عينها اللي هتكلك من يوم ما دخلت البيت ده! إنتي بأمارة إيه تدخلي شقتي؟! وبأي حق تلمسي سريري ودولابي يا خطافة الرجالة؟!”
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة.. “خطافة رجالة”؟! أنا اللي نيتي كانت لله! جوزي في اللحظة دي كان واصل على السلم وسمع الكلمة، دخل ووشه غضبان وجرني وراه وقال لممدوح بصوت رعد: — “لم لسان مراتها يا ممدوح بدل ما ألمهالك أنا! مراتي ستك وست بلدك، ومبتمدش إيدها على حاجة مش بتاعتها، دي طلعت تعمل فيكم خير عشان أخوك كان هيمـ,ـوت من القـ,ـرف في بيته!” ممدوح هنا جاب آخره من رحاب، وبص لها بنظرة عمري ما شوفتها في عينه قبل كده، نظرة حب اتقلب لـ كره واحتقار شديد. مشي ناحيتها وقالها بصوت هادي وبيرعش من الغضب:
— “بقا أنغام اللي شمرت ودخلت شالت قـ,ـرفك وزبـ,ـالتك عشان أرجع ألاقي حتة نظيفة، تسبّيها وتقولي عليها كده؟ دي ضفرها برقبتك! دي ست بيت بجد، مش زيك.. موراكيش غير التلزيق والدلع الفاضي، والأكل معفن في التلاجة والتراب مغطينا! أنا تعبت منك ومن قرفك.. وطالما النظافة والنظام بيعصبوكي والوساخة عاجباكي…” سكت ثانية، والكل كتم نفسه.. ورحاب برقت وعينها اتملت دموع من الخوف لأول مرة. ممدوح كمل وهو بيشاور على الباب: — “تبقي أنتي طالق يا رحاب! طالق بالتلاتة.. وخذي شنطتك وارجعي بيت أهلك، وريني بقا دلعك هناك هينظف وراكي إزاي!”
رحاب قعدت على الأرض تصرخ وتلـ,ـطم، وحماتي بدأت تصوت وتقول: “يا خـ,ـراب بيتك يا ممدوح! طلاق في بيت عيلتي!”.. وجوزي شدني من إيدي ونزلنا شقتنا وقفل الباب ورايا وهو بيقولي: “أهو ده آخر اللي يعمل خير في ناس متستاهلش.. من هنا ورايح، مالكيش دعوة بحد في البيت ده!” وقفت ورا الباب وأنا بسمع صوت عياط رحاب وهي نازلة بشنطتها من البيت.. وفي قلبي غصة؛ هل أنا فعلاً السبب في خـ,ـراب البيت ده؟ ولا البيت كان خـ,ـربان ومحتاج بس زقة؟
