منوعات

اتجوزات ابن اكبر عيلة في البلد

مرت الساعات الأولى بعد خروج سيف وريم من القصر وكأنها حلم ثقيل. كانت السيارة الأجرة التي استقلاها تتحرك ببطء في شوارع المدينة الهادئة، بينما كان سيف يمسك بيد ريم التي لم تتوقف عن الارتجاف، وعيناه معلقتان بوجه ابنه الصغير “ياسين” الذي غط في نوم عميق، وكأنه لا يدري أن كلمات أمه قبل قليل قد هزت أركان أكبر عائلات الصعيد والقاهرة معًا.

وصلوا إلى الشقة الصغيرة الواقعة على أطراف المدينة. لم تكن الشقة فخمة، لكنها كانت تنبض بالدفء الذي افتقده سيف طوال حياته في قصر المنياوي. جلس سيف على الأريكة البسيطة، ودفن وجهه بين كفيه، ليس ندمًا على ما فعل، بل استيعابًا لحجم القادم. وضعت ريم طفلها في فراشه، ثم اقتربت من سيف وجلست بجانبه. وضعت يدها على كتفه وقالت بصوت خافت: “أنا آسفة يا سيف.. أنا عارفة إني حطيتك في موقف صعب، بس مكنش ينفع أفضل في الضلمة أكتر من كدة. مكنش ينفع ابني يكبر وهو بيسمع إن أبوه هيخطب واحدة تانية.”

رفع سيف رأسه، ونظر في عينيها وقال بلهجة حاسمة:
“متتأسفيش يا ريم. أنتِ عملتي الصح اللي أنا مكنتش شجاع كفاية إني أعمله من سنة. أنا مش زعلان على الفلوس ولا على القصر.. أنا كل همي دلوقتي إن أبويا مش هيسكت، الحاج عبد الجبار المنياوي مبيقبلش الهزيمة، واللعبة معاه من النهاردة هتبقى واعرة قوي.” الانتقام الصامت
لم يكذب حدس سيف. في صباح اليوم التالي، استيقظ على صوت رسائل بنكية متتالية على هاتفه المحمول.

الرسالة الأولى: تم إيقاف وتجميد كافة حساباتك البنكية. الرسالة الثانية: تم سحب صلاحياتك كعضو منتدب في مجموعة شركات المنياوي للمقاولات والاستثمار. الرسالة الثالثة: كانت اتصالًا من محامي العائلة، الأستاذ رفعت. رد سيف على الهاتف بجفاء: “أهلاً يا متر.. أكيد كلمتني عشان تبشرني بقوانين الحاج الجديدة؟”
تنهد المحامي عبر الهاتف وقال بنبرة أسف: “يا سيف يا ابني، أنا حذرتك زمان. الحاج عبد الجبار أمر بسحب الشقة اللي أنت قاعد فيها دي كمان، لأن العقار مسجل باسم الشركة. قدامكم 48 ساعة لإخلائها.. والحاج بيقولك: ‘خلّي كرامتك ومراتك ينفعوك’.”

أغلق سيف الخط، وشعر بنار الغضب تشتعل في صدره. والده لا يريد فقط عقابه، بل يريد تركيعه وإجباره على العودة زاحفاً لطلب السماح، والتخلي عن ريم وابنه. نظر سيف إلى ريم التي كانت تقف خلفه وقد سمعت كل شيء. ابتسمت له بثبات وقالت: “البيت اللي يسيعنا كتير يا سيف.. أمي عندها بيتها القديم في الحارة، بيت بسيط بس ملكنا، ومحدش يقدر يطردنا منه. هنقل حاجتنا هناك النهاردة.”

من القصر إلى الحارة
انتقل “ابن أكابر البلد” ليعيش في حي شعبي بسيط. كانت صدمة لأهل الحارة عندما رأوا سيف المنياوي، الرجل الذي كانت صوره تملأ المجلات الاقتصادية، وهو يحمل حقائب ملابسه بنفسه ويدخل بيتاً متواضعاً طلاؤه متقشر. لكن سيف لم يلتفت لكلام الناس. كان التحدي الأكبر أمامه هو إيجاد عمل. بدأ يرسل سيرته الذاتية إلى شركات المقاولات المنافسة لعائلة المنياوي. وبفضل خبرته العبقرية وإدارته السابقة لشركات والده، تهافتت عليه العروض بسرعة.

اختار سيف شركة “الراوي للمقاولات”، وهي المنافس التقليدي واللدود لوالده. استقبله صاحب الشركة، الحاج جلال الراوي، بترحاب شديد وقال له: “أنا عارف اللي حصل بينك وبين أبوك يا سيف. الحاج عبد الجبار راجل ناشف، وإمكانياتك وخبرتك خسارة تضيع. أنا هسلمك قطاع التطوير العقاري كله في شركتي، ووريني هتعمل إيه.” بدأ سيف يعمل ليل نهار، بدافع من إثبات الذات وحماية عائلته الصغيرة. وفي غضون أشهر قليلة، نجح سيف في الفوز بمناقصة حكومية ضخمة لبناء مجمع سكني جديد، وهي المناقصة التي كان الحاج عبد الجبار يثق تمام الثقة أن شركته ستفوز بها.

اللقاء غير المتوقع
جن جنون الحاج عبد الجبار عندما علم أن ابنه هو من خط.ف الصفقة من أمامه. وفي إحدى الأمسيات، وبينما كان سيف يخرج من مقر شركة الراوي، وجد سيارة سوداء ضخمة تقف أمامه، وفتح الباب الخلفي ليظهر وجه والده الصارم. “اطلع يا سيف.. عايزك في كلمتين،” قالها الحاج عبد الجبار بنبرة جافة.
ركب سيف السيارة وجلس بجانب والده بصمت. سارت السيارة ببطء قبل أن يبدأ الحاج عبد الجبار الحديث:
“لعبت لعبة ذكية يا سيف.. واشتغلت مع الراوي علشان تلوّي دراعي. بس افتكر إنك من دمي، ومستعد لسه أسامحك.. بشرط واحد.”

نظر إليه سيف بعيون صلبة: “إيه هو الشرط يا حاج؟”
“تطلق البنت دي، وتكتب الواد باسمك وهات العيل يعيش في القصر نربيه كمنياوي أصيل، وتتجوز بنت شريكي زي ما كنا متفقين، وترجع لمكانك وشركاتك.. وإلا، أنا لسه مبدأتش حرب معاك يا سيف، والصفقة اللي فرحان بيها دي، هخليها تكون سبب إفلاس شركة الراوي وإفلاسك معاهم.” ضحك سيف بسخرية، ونظر إلى والده بأسى وقال:

“أنت لسه مش فاهم يا أبا.. أنت فاكر إن كل حاجة في الدنيا بتتباع وتتشرى بالفلوس. أنا مش هبيع مراتي، ومش هحرم ابني من أمه. والصفقة دي؟ أنا كسبتها بشغلي وعرقي، مش باسم المنياوي. الحرب اللي بتهددني بيها أنا جاهز ليها.. بس افتكر، أنا اللي اتعلمت منك إزاي أكسب، والنهاردة أنا هكسب.. بس بشرفي.” فتح سيف باب السيارة ونزل منها بثقة، تاركاً والده يغلي من الغضب خلف زجاج السيارة الداكن.

مفاجأة تقلب الموازين
مرت أسابيع، وبينما كان سيف غارقاً في أوراق المشروع الجديد، دخلت ريم إلى المكتب وهي تحمل ظرفاً مغلقاً، وكان وجهها يحمل علامات الدهشة والذهول. “سيف.. الظرف ده جه لبيت أمي النهاردة باسمي.. من محامي مجهول،” قالت ريم وهي تسلمه الظرف.
فتح سيف الظرف بفضول، وبدأ يقرأ الأوراق. فجأة، اتسعت عيناه وجلس على مقعده مصدوماً. كانت الأوراق عبارة عن عقود ملكية قديمة وحجج أراضٍ زراعية شاسعة في الصعيد، مسجلة باسم جد ريم لوالدتها!

اتضح من الأوراق أن جد ريم كان من كبار ملاك الأراضي القدامى، وأن الحاج عبد الجبار المنياوي قبل ثلاثين عاماً استولى على جزء كبير من هذه الأراضي بطرق غير قانونية مستغلاً نفوذه وجهل عائلة ريم البسيطة بحقوقهم بعد وفاة جدهم. الأوراق المرسلة كانت النسخ الأصلية التي تثبت تزوير العقود التي تحت يد عائلة المنياوي! المفاجأة الأكبر كانت رسالة ملحقة من شخص مجهول كتب فيها: (أنا ضميري صحي يا سيف بيه.. أبوك ظلم ناس كتير، والأرض دي حق مراته وابنه.. استخدمها وصحح الغلط).

المواجهة الأخيرة: سقوط العرش
لم ينتظر سيف. توجه فوراً ومعه ريم والمحامي إلى قصر المنياوي، حيث كانت العائلة مجتمعة في جلسة عمل عادية. دخل سيف القصر دون استئذان، وخطواته تقود ريم بجانبه. انتفض الحاج عبد الجبار من مقعده بغضب: “أنت إزاي تتجرأ وتدخل هنا تاني؟!” وضع سيف ملف الأوراق على الطاولة الكبيرة أمام والده وأعمامه، وقال بنبرة هادئة مرعبة:
“أنا مجيتش هنا أطلب حاجة يا حاج عبد الجبار.. أنا جيت أرجع الحق لأصحابه. الأوراق دي بتثبت إن ثلث ثروة وشركات المنياوي قايمة على أرض وممتلكات جد مراتي ريم.. الأرض اللي أنت زورت عقودها من تلاتين سنة.”

شحب وجه الحاج عبد الجبار، واهتزت يده وهو يمسك بالأوراق ويقرأها. عرف فوراً أن الأوراق أصلية، وأن إظهارها للقضاء يعني نهاية إمبراطورية المنياوي وسجنه فضلاً عن الفضيحة. نظر سيف إلى والده وقال: “أنا مش هسجن أبويا.. ومش ههد البيت اللي كبرت فيه. أنا هعرض عليك صفقة: التنازل عن نصيب ريم الشرعي في الأرض مقابل إنك ترفع إيدك عني وعن شغلي، وتعتذر لمراتي قدام العيلة كلها، وتعترف بحفيدك ياسين علنًا.”

ساد الصمت أرجاء القصر. كان أعمام سيف ينظرون إلى الحاج عبد الجبار بترقب وخوف على مصالحهم. لأول مرة في حياته، شعر كبير عائلة المنياوي بالانكسار أمام ابنه.. وبأن جبروته قد تحطم على صخرة الحق. نظر الحاج عبد الجبار إلى الأرض طويلًا، ثم رفع رأسه ونظر إلى ريم. قال بصوت منخفض ومتحشرج: “أنا آسف يا بنتي.. حقك وحق ابنك عليا. والواد.. الواد ياسين، من بكره هيتكتب له نصيبه في العيلة كحفيد المنياوي الأكبر.”

شمس جديدة
بعد مرور سنة..
في نفس الفيلا الكبيرة، أقيمت عزومة عائلية أخرى، لكن الأجواء كانت مختلفة تماماً. لم تكن هناك سيارات لرجال أعمال يبحثون عن المصالح، بل كانت ليلة عائلية حقيقية. كانت ريم تقف في صالون الفيلا، ترتدي فستاناً أنيقاً وبسيطاً، وتضحك مع أم سيف التي أصبحت تحبها كابنتها بعد أن عرفت طهر قلبها. أما الصغير ياسين، فكان يجلس على حجر جده الحاج عبد الجبار، الذي كان يلاعبه ويداعبه بعينين مليئتين بالحب والندم على ما مضى.

وقف سيف عند شرفة الفيلا ينظر إلى عائلته، فاقتربت منه ريم ووضعت يدها في يده.
ونظر إليها وقال: “فاكرة الليلة اللي وقفتي فيها قدام الباب ده وقلتي جملة قلبت البيت؟”
ابتسمت ريم وقالت: “كنت خايفة قوي يا سيف.. بس كنت عارفة إن الحق أقوى من أي قصر.” طبع سيف قبلة على جبينها وقال: “والحق هو اللي جمعنا والكرامة هي اللي عيشتنا مرفوعين الراس.. للابد.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى