منوعات

رجعت قبل معادي بيومين

الساعة دقت تمانية بالدقيقة. صوت العربيات بره بدأ يظهر، وواحد ورا التاني، بدأوا ضيوف كريم يوصلوا.
أبو نور وأمها دخلوا وهم بيضحكوا، مبهورين بنظافة البيت والترتيب. وراهم دخلوا أخواتها الوجوه المألوفة اللي كريم كان بيعتبرهم عيلته. الكل كان بيتوشوش ومتحمس للمفاجأة “الرومانسية” اللي كريم عاملها لنور بعد فترة الجفاء اللي الكل لاحظها عليهم. كريم كان واقف يستقبلهم بابتسامة هادية… هادية زيادة عن اللزوم. لابس قميص أسود متفصل عليه بالظبط، ملامحه مفيهاش أي تعبير يوجّهك هو بيفكر في إيه.

ـ “منورين يا جماعة، بجد وجودكم غالي عليا وعلي نور” قالها كريم وهو بيشاور لهم يقعدوا في الصالون المفتوح على السفرة. أبو نور طبطب على كتفه وقال بفخر: “يا ابني إنت طول عمرك أصيل، ونور تستاهل كل خير، ربنا يهدي سركم.”
كريم ابتسم ابتسامة باهتة وماردش. لحظة وصول “نور”
على الساعة تمانية وربع، صوت مفتاح الباب وهو بيلف في الكالون خلى الصالون كله يسكت فجأة.
دخلت نور. كانت شايلة في إيدها شنط براندات، وشعرها متظبط، ولابسة فستان شيك جدًا. أول ما فتحت الباب وعينها جت على الإضاءة الخافتة والكل واقف، اتخضت خطوة لورا.

وفجأة… الكل صرخ في نفس واحد: “سوربرااااايز!” نور اتسمرت في مكانها. عيونها بدأت تتحرك برعب بين أبوها، أمها، أخواتها… وأخيرًا، استقرت على كريم اللي كان واقف في نهاية الممر، ساند ضهره على الحيطة ومربع إيده. ـ “كريم؟!” صدمتها كانت حقيقية، مش بس من المفاجأة، لكن من وجوده هو شخصيًا في مصر! “مش إنت المفروض هترجع الأحد؟”
كريم قرب منها بخطوات بطيئة، أخد الشنط من إيدها وحطهم على الأرض، وباس راسها قدام الكل وقال بنبرة حنينة ومزيفة: “مقدرتش أستنى للأحد يا حبيبتي… الشغل خلص بدري، وقلت لازم أعملك المفاجأة دي وسط أهلِك اللي بتحبيهم.”

أم نور زغردت وخالاتها بدأوا يباركوا، ونور وسط كل ده كانت زي العروسة الحلاوة اللي بتتحرك بآلية. وشها بقى أصفر زي الليمونة، وعينها مش قادرة تثبت في عين كريم. كانت بتدور على أي مخرج، كأنها حاسة إن فيه حبل بيتدلى فوق رقبتها بالتدريج. العشاء الأخير.. والعلبة الغامضة
اتجمع الكل حوالين السفرة اللي كانت مليانة بأفخم الأكل. في النص بالظبط، كانت العلبة القطيفة السوداء، الملفوفة بشريط ستان فضي، بتخطف العين.

نور مأكلتش لقمة واحدة. كانت بتلعب بالشوكة في الطبق، وكل شوية تبص للعلبة وتبص لكريم.
أختها مريم لاحظت وتغمزها: ” إيه يا نور؟ عيونك هتطلع على الهدية! افتحيها بقى خلينا نشوف كريم جابلك إيه من السفرية دي!” أبو نور ضحك وقال: “استنوا لما نخلص أكل يا جماعة، أصول الضيافة برضه.”
هنا كريم حط الشوكة والسكــ,,ـــــينة من إيده ببطء، الصوت البسيط ده خلى السفرة كلها تسكت تلقائيًا.

ـ “لا يا عمي… مريم معاها حق” كريم قالها وهو بيقف على رجله، وبيمد إيده يمسك العلبة. “الهدية دي مش مجرد هدية.. دي تقدير لرحلة طويلة من التعب، والشغل ‘الزيادة’، والسهر اللي نور بتسهره علشاني وعلشان بيتنا.” كريم مشي بالعلبة ووقف ورا كرسي نور بالظبط. حط إيديه على كتافها. نور جسمها اتفض بالكامل، وحست ببرودة إيديه تخترق فستانها. ـ “نور تعبت معايا كتير… لدرجة إنها ليلة أول امبارح، الساعة واحدة بعد نص الليل، كانت نايمة هنا في سر,,ـــــيرنا من كتر التعب… صح يا نور؟”

نور بلعت ريقها بصعوبة، وصوتها طلع مخنوق: “كريم.. في إيه؟ مش وقته الكلام ده قدام الناس…”
أمها ضحكت: “يا بنتي سيبيه يعبر عن حبه، اتكسفي زي البنات الباقية!” كريم كمل وهو بيفك الشريط الفضي ببطء مرعب: “لازم أقول قدامكم كلكم.. عشان تشهدوا على غلاوتها. ليلة أول امبارح كلمتها، وقالتلي أنا نايمة في سر,,ـــــيري. وطبعًا نور عمرها ما تكدب… عشان كده الهدية دي بتثبت قد إيه هي صادقة ومخلصة.” الحقيقة العارية
كريم حط العلبة قدام نور على السفرة مباشرة.
ـ “افتحيها يا نور…”

نور إيدها كانت بترتعش لدرجة إنها مش عارفة ترفع غطا العلبة. أختها مريم مَدت إيدها بفضول ورفعت الغطا مكانها: “وريني كده…” وفجأة… الصوت انقطع في الصالة تمامًا.
مريم برقت عينيها ورجعت خطوة لورا وصوت نفسها مسموع. أبو نور نظارته نزلت على طرف مناخيره وهو بيبص جوه العلبة بذهول. جوه العلبة مكنش فيه عقد ألماظ، ولا غويشة دهب.
كان فيه ساعة رجالي دهب، بميناء أزرق غامق… وجنبها فلاش ميموري (USB)، وتحتهم ورقة مطبوعة من شركة اتصالات.

أم نور سألت باستغراب: “ساعة رجالي؟ إيه ده يا كريم؟ إنت غلطت في العلبة ولا إيه؟” كريم ابتسم، وبكل هدوء وصل الفلاش ميموري بشاشة التلفزيون الكبيرة اللي في الصالة وضغط على ريمــ,,ـــــوت الكنترول. ـ “دي مش غلطة يا طنط… دي ساعة رامي السيوفي، مدير نور في الشغل. الساعة دي نسيبها هنا في صالتنا ليلة أول امبارح… ليلة ما نور كانت بتقولي إنها نايمة في السر,,ـــــير.”

الشاشة اشتغلت فجأة. ظهرت صور واضحة جدًا ونقية (من كاميرات مراقبة صغيرة كريم كان زارعها في الصالة والممر من شهور من غير ما نور تعرف). الصور كانت بتعرض رامي ونور وهم داخلين البيت مع بعض في أوقات كريم مكنش موجود فيها، وتواريخ الأيام والساعات واضحة تحت في الشاشة.
والقشة اللي قطمت ضهر البعير… كان تسجيل صوتي للمكالمة اللي دارت بين كريم ونور ليلة أول امبارح، شغال في خلفية الفيديو بصوت عالي ونور بتقول: “أيوه طبعًا في البيت… هو أنا هكون فين دلوقتي؟” وفي نفس اللحظة الكاميرا عارضاها وهي في شقة تانية خالص، قاعدة مع رامي.

النهاية الباردة
نور وقفت فجأة، الكرسي اتقلب وراها. وشها بقى خالي من الدم، وبدأت تصرخ بهستيريا: “كريم!!! إنت بتعمل إيه؟ اقفل البتاع ده!! إنت مجنون؟! بابا متصدقوش.. ده فوتوشوب.. ده تركيب!” لكن باباها مكنش بيسمعها. أبو نور راجل صعيدي قديم، وشه اسودّ وعروق رقبته برزت. بص لبنته بنظرة كسرة ومذلة عمرها ما شافتها فيه. قام وقف، وإيده بترتعش، وقبل ما حد ينطق بكلمة، نزل بكف إيده على وش نور قلم سمع صداه في البيت كله.

نور وقعت على الأرض وهي بتعيط وتصرخ. أمها قعدت على الكرسي وهي بتلطم على وشها ومش مستوعبة الفضيحة. أخواتها نزلوا عيونهم في الأرض من الخزي. وسط كل الصريخ، والعياط، والدراما اللي بتهد عائلات… كريم كان الشخص الوحيد الهادي في الأوضة.

قرب من السفرة، مسك الساعة الدهب وحطها في جيبه. وبص لأبو نور وقال بمنتهى الأدب والاحترام:
ـ “عمي… أنا جمعتكم هنا عشان محدش فيكم يجي في يوم يلومني إني رميت بنتدكم في الشارع أو ظلــ,,ـــــمتها. ورقة طلاق نور هتوصلها على بيتكم الصبح. البيت ده بتاعي، وحاجتها كلها تلموها وتخرج معاكم دلوقتي… لأن الليلة دي، أنا اللي هنام في سر,,ـــــيري.. لوحدي.. ونظيف.” كريم سابهم ودخل أوضته وقفل الباب وراه بالراحة.
لأول مرة من شهور، كريم حس إنه قادر يتنفس. قعد على طرف السر,,ـــــير الفاضي، قلع جزمته، ونام بعمق وهو حاسس بانتصار بارد… لكنه مريح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى