الكتب انكتب، والزغاريد شقّت سقف جامع العزايزة. الحاجة نفيسة كانت قاعدة وفردة ضهرها، عينيها بتلف في المكان زي صقر بيطمن إن فريسته وقعت؛ وطليقة مصطفى، “شيرين”، كانت قاعدة في آخر صف، وشها جايب ألوان، بتمـ,ـوت في جلدها وهي شايفة الستات اللي كانوا بيسمعوا لشكوتها ومظـ,ـلوميتها، دلوقتي بيهنوا الحاجة نفيسة ويباركوا لعايدة.
مصطفى مضى على القسيمة وقلبه مقبوض، مش فرحة عريس، ده إحساس راجل حاسس إنه داخل على تمثيلية هو بطلها غصب عنه. بص لعم مرزوق، أبو عايدة، لقى الراجل دموعه نازلة على كم جلابيته البسيطة من الفرحة، بيسلم على كبارات البلد وهو مش مصدق إن بنته اليتيمة اللي كانت بتخدم في البيوت، بقت ست بيت من أكبر بيوت المنيا. أول ليلة في بيت الدهب البيت كان هادي، والزفة خلصت، والكل مشي. مصطفى قفل باب الشقة وراه، وبص لعايدة اللي كانت قاعدة على طرف الكنبة القطيفة بفستانها الأبيض البسيط اللي الحاجة نفيسة اشترتهولها جاهز. كانت منزلة راسها، وإيديها بتترعش.
مصطفى قلع عِمامته ورماها على الكرسي، وتنهد تنهيدة طويلة طلعت من ضلوعه: — “بصي يا عايدة.. أنا مش هظلمك، ولا هطالبك بحاجة مش من حقك. الشقة دي شقتك، وكل اللي فيها تحت أمرك. أنا هنام في الأوضة التانية، وخدّي وقتك خالص. أنا عارف إنك وافقتي عشان تهربي من مرار مرات أبوكي، وأنا مش هكون مرار جديد في عيشتك.” عايدة رفعت عينيها الواسعة اللي فيها لمعة دموع، وبصتله بنظرة هزت طوله. صوتها مكنش خـ,ـايف، كان مليان عتاب هادي:
— “أنا موفقتش عشان أهـ,ـرب يا أستاذ مصطفى.. أنا وافقت عشان عاوزاك أنت. وعيب في حقي وحقك تقول إنك واخدني ستر ولا شفقة. أنا مراتي ومسؤولة منك من اللحظة دي، ومكاني مش في أوضة تانية، مكاني تحت طوعك وفي خدمتك.” مصطفى اتفاجئ من قوة ردها، البنت الغلبانة اللي شافها في المندرة مكسوفة، طلعت عندها عزة نفس ولسان ينطق بالحق. سكت ومردش، بس جواه حاجة اتحركت.. لأول مرة يحس إن في حد باصص له هو، مش لفلوسه ولا لـ “عيبه”.
حرب النسـ,ـوان وكيد السـ,ـلايف مرت الأيام، وعايدة بدأت تظهر في البيت الكبير. الحاجة نفيسة كانت بتراقبها بعيون فاحصة. عايدة من الفجر تصحى، تنضف، تطبخ، وتعمل القهوة للحاجة نفيسة بالطريقة اللي بتحبها. مكنتش بتشتكي ولا بتطلب حاجة. لكن المحايلة مخلصتش. مرات أخوه محمود، “رأفت”، كانت ست غيورة، شايفة إن عايدة دخلت البيت وخدت اللقطة، وكانت دايماً تحاول تلقح بكلام يسم البدن. في يوم، العيلة كلها كانت متجمعة على الغدا، رأفت بصت لعايدة وقالت بضحكة صفرا:
— “والله يا عايدة نورتي البيت.. بس يا خسارة، البيت الكبير ده كان عاوز عيال تملى الحوش جري ولعب، يلا.. العوض في عيال محمود أخو جوزك، هما عيالك برضه!” السفط كله سكت، ومصطفى لقمته وقفت في زوره، وعروق وشها اتنفخت من الغضب. لسه هيتكلم ويقوم، لقى إيد عايدة النعامة بتتحط على إيده تحت الترابيزة بتهديه، وقالت بابتسامة هادية وثبات رهيب: — “البيت مليان بوجود الحاجة نفيسة وبحس الأستاذ مصطفى يا أم نيازي. والعيال رزق، لو ربنا أراد هيرزقنا، ولو مارادش، فمصطفى عندي بالدنيا وما فيها، مش محتاجة بعده زيادة من الدنيا.”
الحاجة نفيسة خبطت بكفها على الترابيزة وبصت لرأفت بنظرة تخرس بلد: — “قفلوا على السيرة دي! واللقمة اللي متتبلعش بالرضا، تقف في الزور. عايدة ست البنات، واللي يزعلها يزعلني.” من اللحظة دي، مصطفى حس إن جبل كان على كتافه وانزاح. البنت دي مش بس حامياه، دي بتدافع عن كرامته في غيابه وحضوره. السر القديم في ليلة من ليالي الشتا، مصطفى رجع من المحل متأخر، لقى عايدة قاعدة مستنياه، ومجهزة له العشا والشاي بالنعناع. قعدت جمبه، وكانت ماسكة كتاب قديم من كتب المدرسة بتاعتها.
مصطفى بص للجرنان اللي في إيده وقالها: — “أنتي كنتي شاطرة في المدرسة يا عايدة؟” عايدة ابتسمت وبصت في الأرض: — “كنت بطلع الأولى كل سنة.. بس لما أمي ماتت، ومرات أبويا دخلت البيت، قعدتني من الإعدادية عشان أخدم إخواتي.” مصطفى حس بنغزة في قلبه: — “طب واليومين اللي قفلتي على نفسك الأوضة فيهم زمان.. لما أنا اتجوزت الأولى.. كنتي بتعيطي على علامك؟” عايدة اتجمدت في مكانها، وشها جاب مية لون، وبصت له بصدمة:
— “أنت.. أنت عرفت منين؟” مصطفى ابتسم لأول مرة من قلبه، قرب منها وقال بصوت دافي: — “عم مرزوق أبوكي، قالي وهو بيمضي على القسيمة في الجامع.. قالي يا ولدي، عايدة صانتك في غيبتك من وهي عيلة، وكانت بتمـ,ـوت لما شافتك بتتجوز غيرها، حطها في عينيك. أنا ساعتها مكنتش مستوعب، بس دلوقتي فهمت.” عايدة دموعها نزلت، ومسكت في جلابيته: — “أنا بحبك من زمان يا مصطفى.. من قبل ما الدنيا تدوس عليك وتدوس عليا. أنا مش شمتانة في حد، بس أنا بشكر ربنا كل يوم إنك بقيت جوزي.”
في الليلة دي، اتولدت قصة حب حقيقية، قصة مكنتش على البال، مصطفى نسى فيها جرحه، وعايدة لقت فيها الأمان اللي انحرمت منه طول عمرها. المفاجأة المدوية والزلـ,ـزال مرت سنتين كاملين. عيشة مصطفى وعايدة بقت مضـ,ـرب الأمثال في البلد. المحل بتاع الدهب كبر، ومصطفى بقى وشه منور والضحكة مش بتفارق وشه. طليقته شيرين اتجوزت راجل تاني وطلعت برضه مخلفتش منه، والبلد كلها عرفت إن العيب مكنش من مصطفى لوحده، أو إن ربنا أراد يظهر الحق.
وفي يوم، عايدة صحت من النوم وشها أصفر وبتدوخ من أقل مجهود. الحاجة نفيسة شافتها وقالت بقلب الأم: — “البت دي لازم تروح لدكتور، شكلها عندها أنيميا من قلة الأكل.” مصطفى خد عايدة وسافروا القاهرة، بعيد عن عيون أهل البلد والدكاترة بتوع زمان. راحوا لأكبر استشاري نساء وتوليد وعقم. الدكتور طلب تحاليل جديدة لمصطفى وعايدة، وقالهم تيجوا بعد يومين. في مكتب الدكتور، الجو كان مشحون. مصطفى كان قاعد وضهره مفرود بس قلبه بيلعب، وعايدة ماسكة إيده بقوة.
الدكتور بص في الورق، وبعدين قلع نضارته وبص لمصطفى: — “أستاذ مصطفى.. التقرير القديم اللي معاك ده من كام سنة؟” مصطفى: “من حوالي 4 سنين يا دكتور.” الدكتور: “التقرير ده كان بيقول إن عندك انعدام شبه كامل.. بس التحاليل الجديدة بتقول حاجة تانية خالص. النسبة عندك اتحسنت جداً، يمكن بسبب هدوء نفسي، أو إن التشخيص الأولاني كان في وقت عندك فيه التهـ,ـاب حاد ومؤقت أثر على النتيجة، أو ببساطة.. معجزة من ربنا.”
مصطفى حبس نفسه: “يعني إيه يا دكتور؟” الدكتور ابتسم وقال لعايدة: “يعني مبروك يا مدام عايدة.. أنتي حامل في الأسبوع السادس.” العودة للمنيا بقلب جديد الكلمة نزلت زي الصاعقة. مصطفى وقف على رجليه، بص لعايدة اللي حطت إيديها على وشها وبقت تبكي بصوت عالي من الفرحة. مصطفى نزل على ركبه في الأرض وسجد لله شكر، دموعه بلت السجادة. رجعوا المنيا بالليل. مصطفى مكلمش حد في التليفون، أراد إن المفاجأة تكون قدام الكل. دخل البيت الكبير، لقى الحاجة نفيسة ومحمود ورأفت قاعدين.
مصطفى دخل ووشه يسبقه من الفرحة، وطى على إيد أمه باسها وقال بصوت هز البيت: — “يا أمي.. زغرطي. زغرطي وخلي الصوت يوصل لآخر بند في المنيا.. عايدة حامل!” الحاجة نفيسة وقفت، طولها اتفرد وزغرطت زغروتة هزت جدران البيت، محمود قام حضن أخوه وهو بيعيط، ورأفت قعدت على الكرسي مش قادرة تنطق كلمة. في اليوم ده، مصطفى دبـ,ـح عشر عجول ووزعهم على الغلابة في البلد كلها، وعم مرزوق بقى ماشي في السوق وراسه في السما. وعايدة؟ عايدة فضلت الوردة اللي نورت بيت الدهب، البنت اللي اشترت الراجل في كسرته، فربنا رفعها وخلاها ست بيت الكل بالحب والرضا.