ضحك زين من قلبه، ضحكة صافية عمري ما سمعتها منه قبل كدة، وقال وهو بيعدل تيشيرته وبيرجع شعره لورا بثقة رجعتله فجأة: “شاي بلبن؟ ده أنا هجيبلك لبن العصفور نفسه يا سارة. بس على فكرة.. شنطة الخضار دي لسه لايقة عليكي برضه.” ضـ,ـربته بخفة في كتفه وأنا بضحك، وخرجت من شقته وقلبي بيرقص. لأول مرة من يوم ما جدو مـ,ـات أحس إن الهوا اللي داخله صافي، وإن الدنيا مش ضلمة كحل زي ما كنت فاكرة.
الخطة البديلة.. والحـ,ـرب الباردة مرت الأيام، والموضوع مبقاش مجرد وصية، بقى حقيقة بنرتبلها. بس طبعاً، كبريائي كبنت في “آداب إعلام” مكنش يسمحلي إني أستسلم بسهولة وأبين لزين إنني خلاص وقعت في حبه. قررت أعيشه شوية في دور “الزوج المعذب” عشان يعوضني عن سنين الاستفزاز. يوم قراية الفاتحة والشبكة، كنا قاعدين في الصالون عندنا. زين لابس بدلة شيك جداً، كان شكله غريب عليا من غير التيشيرت الأسود والـ “كوتشي”. مامتة طنط إلهام كانت طايرة بيا، وماما كانت بتبكي من الفرحة وتقول: “سامي الله يرحمه كان حاسس.. كان عارف مين اللي هيصونك.”
زين لمحني وأنا ببصله، راح غمزلي بعينه من ورا مامت ومامته، ووشوشني وهو بيلبسني الدبلة: “مبروك يا فندم.. خطوة أولى نحو امتلاك الزمالك والحساب البنكي.” رديت عليه بهمس وغيظ: “أنا وافقت بس عشان الشقة تطل على النيل، متعيش الرول قوي.” ضحك وقالي: “بكرة نشوف مين اللي هيعيش الدور.” صدمة ليلة الفرح اتفقنا إن الفرح يكون بسيط، وعملناه في قاعة مفتوحة على النيل في الزمالك، قريبة من الشقة اللي جدو ورثهالي. كنت طالعة زي الأميرات بفستاني الأبيض، وزين كان باصصلي ونظراته مفيهاش أي برود، كان فيها لمعة حب حقيقية خلتني أتحرك مكسوفة ومخطوفة.
خلص الفرح، ووصلنا شقة الزمالك. أول ما الباب اتقفل علينا، الفستان كان تقيل وخنقتني العمارة الجديدة والسكوت. لفيت لزين عشان أقوله إننا محتاجين نحط نقط على الحروف، لقيت ملامحه اتغيرت وبقى جدي جداً. مسك إيدي، ودخل بيا الصالون، وقعدني. وطلع من جيبه “ظرف مقفول”. “إيه ده يا زين؟” سألته مستغربة. قال بصوت هادي: “دي ورقة طـ,ـلاقنا يا سارة.. وممضية وجاهزة.” الدنيا اسودت في عيني تاني. طلاق؟ لسه في أول ليلة؟
كمل كلامه وهو بيبص في عيني بصدق: “الورقة دي معاكي من دلوقتي. أنا عملت كل ده عشان أنفذ وصية جدك، وعشان تاخدي حقك الشرعي والميراث اللي هو من حقك. الشقة والحساب بقوا باسمك رسمي من النهاردة بعد ما قيدنا الجواز. أنا مش عاوزك تحسي للحظة إنك مجبرة تعيشي مع واحد متبقيش طيقاه عشان فلوس أو وصية. لو عاوزة نمشي دلوقتي حالا عند المأذون وننهي كل حاجة، أنا جاهز. ولو عاوزة تدينا فرصة.. فرصة تكتشفي فيها زين اللي بجد، مش الواد الرخم بتاع زمان.. فالقرار ليكي.”
وقفت وبصيت للورقة، وبعدين بصيت لوشه اللي كان باين عليه إنه بيمـ,ـوت من جوا وهو بيقول الكلام ده خوفاً من إنه يخسرني. مسكت الورقة.. وقطعتا مية حتة ورميتها في الهوا. وقلتله وأنا بربع إيدي: “أنا مبحبش أهرب من معاركي يا باشمهندس. وأنت بقالك سنين بتستفزني، فمش هسيبك تمشي بالسهولة دي من غير ما أردلك القلم قلمين.” ملامحه اتفكت فجأة، وعيونه لمعت بفرحة طفولية، وقالي: “يعني هتقعدي؟” “هقعد.. بس بشرط، الأوضة الكبيرة ليا، وأنت هتنام في اللييفنج لحد ما أشوف أسلوبك هيتعدل ولا لأ.”
حياة جديدة.. ومفاجآت في “الدولاب” بدأت حياتنا في الزمالك. زين كان بيصحى بدري جداً يروح شركته الهندسية، ويسيبلي الفطار جاهز على التربيزة، وجنبه ورقة صغيرة مكتوب فيها “صباح نور عيني أنتِ” بنفس الجملة اللي جدو كان بيقولهالي.. كان بيحاول يعوضني عن غياب جدو بكل الطرق. في يوم، وأنا بروق البيت وفتحت الدولاب بتاعه عشان أرتب قمصانه، لقيت صندوق خشبي مقفول وقيم في قاع الدولاب. الفضول الإعلامي اللي جوايا صحي. فتحته..
ولقيت جواه “كنز”. لقيت تذاكر سينما قديمة جداً من أيام ما كنا في إعدادي، تذاكر لحفلات ساقية الصاوي اللي كنت بروحها مع صحابي وكان دايماً بيصدف إني ألاقيه هناك بالصدفة وأقول “يادي الرخامة!”.. اتاري مكنتش صدفة! كان بيقطع تذكرة ويقعد ورايا عشان يراقبني ويطمن عليا. ولقيت كمان أجندة صغيرة، كاتب فيها بالتاريخ والأيام: 14 مارس 2018: سارة عيطت النهاردة عشان سقطت في مادة المونتاج.. كان نفسي أروح أخدها في حـ,ـضني وأقولها فداكي الكون، بس اضطريت أرخم عليها وأقولها (يا فاشلة) عشان تطلع غيظها فيا وماتقعدش تعيط لوحدها.
22 نوفمبر 2021: سارة كانت زي القمر النهاردة وهي رايحة الجامعة بالفستان الأزرق. يارب اجمعي بيها بالحلال. كنت بقرأ والكلام بيتحفر في قلبي. أنا كنت غبية أوي كده؟ إزاي مشفتش كل الحب ده؟ المواجهة الأخيرة رجعت بليل، كنت قاعدة في البلكونة اللي بتطل على النيل، والدنيا كانت بتشتي برضه.. نفس الأجواء اللي بدأت تقربنا. زين دخل، لقاني قاعدة وسرحانة، جاب كوبايتين قهوة سادة وقعد جنبي. قالي: “مالك يا سارة؟ سرحانة في إيه؟”
بصيتله وطولت النظر في ملامحه، الرجولة والشهامة اللي مغطيها بضحكة باردة. طلعت الأجندة القديمة وحطيتها قدامه. وشه احمر جداً وبقى زي الأطفال اللي اتفشخوا بيسـ,ـرقوا حاجة حلوة. حاول يقوم، مسكت إيده وقعدته: “استنى هنا.. أنت طلعت بتراقبني بقالك كام سنة؟”
زين سكت شوية، وبعدين أخد نفس طويل وقال بصوت دافي: “من يوم ما وعيت على الدنيا يا سارة. من أول يوم شفتك فيه بضفايرك وتوكك الحمرا. أنا عمري ما عرفت أحب غيرك، ومكنتش بعرف ألفت انتباهك غير لما أرخم عليكي.. كنت بحس إن غيظك مني ده الرابط الوحيد اللي بيننا. لما جدك تعب، حكيتله.. قلتله أنا بتمـ,ـوت فيها بس هي مش طيقاني. جدك قالي البنت دي محتاجة راجل يستحمل جنانها ويكون ضهرها.. وهو اختارني عشان كده.”
دموعي نزلت، بس المرة دي كانت دموع راحة وأمان. قربت منه، وحطيت راسي على كتفه لأول مرة، وقلتله: “على فكرة.. القهوة السادة في المطر طلعت فعلاً ليها طعم تاني معاك يا زين.” لف دراعه حواليا وضمني ليه جامد وكأن السنين كلها اللي فاتت كانت بتهون في اللحظة دي، وقالي وهو بيضحك بصوته كله: “طب الحمد لله.. يعني خلاص (عش العصافير) بقى ملكي رسمي؟” ضحكت وقلتله: “ملكي ومعاك للأبد يا باشمهندس.”
وعرفت وقتها إن وصية جدو مكنتش عشان الميراث، وصية جدو كانت أكبر “هدية” سابها لقلبي قبل ما يمشي.. سابلي الأمان في صورة “ابن الجيران”.
