منوعات

حماتي دخلت مطبخي

فتحتُ الصورة التي أرسلها صاحب المخزن. يدي كانت ترتجف، ليس خوفًا، بل من فرط الأدرينالين الذي تدفق في عروقي فجأة. الظرف كان مغلقًا بختم شمعي أحمر قديم لشركة محاماة شهيرة، ومكتوب عليه بخط يد والده -رحمه الله- الذي كنت أميزه جيدًا: «إقرار ملكية وإبراء ذمة – يُفتح فقط في حالة النزاع على محتويات المنزل، أو غدر غير متوقع.» جلسْتُ على مقعد في كافيه قريب، وأنفاسي تتلاحق. رسائل زوجي «طاهر» لم تتوقف:

«أرجوكي يا نادين متفتحيش الظرف، أنا جاي لك في الطريق، هفهمك كل حاجة، أمي لو عرفت بيتنا هيتخرب!» لم أرد عليه. اتصلت بصاحب المخزن، وقلت له بنبرة حاسمة: «عم محمد، افتح الظرف.. واقرأ لي اللي مكتوب في أول سطرين.» مرت ثوانٍ من الصمت كأنها دهر، ثم جاءني صوته من الطرف الآخر، مذهولاً، يقرأ بتلعثم: — «يا مدام.. المكتوب هنا.. إن الشقة دي، والعمارة كلها اللي أنتوا ساكنين فيها.. مش ملك لحماتك ولا لزوجك.. دي مكتوبة باسمك أنتِ! تنازل رسمي وموثق من حماكي الله يرحمه قبل وفاته بشهرين.. ومكتوب إنهم بيمضوا على عقد إيجار صوري بس!»

تسمرت في مكاني. العمارة بأكملها؟ العمارة التي كانت حماتي تتصرف فيها وكأنها “ملكة زمانها”، وتتحكم في الشقق، وتطرد وتؤجر، وتمنح شقة الدور الثالث لابنتها العروسة بدون وجه حق.. العمارة التي طالما عايرتني بأنني مجرد “ضيفة” فيها.. كانت ملكي! تذكرت على الفور ملامح حماي قبل وفاته. كان رجلًا صالحًا، وكان يرى كيف أضحي بمرتبي ومكافآتي لأبني هذا البيت، بينما ابنه طاهر مستهتر، وأمه تحرك جشعه. كان يقول لي دائمًا: «أنتِ وتد البيت ده يا نادين، وحقك مش هيضيع.» لم أكن أفهم أنه أمّن مستقبلي بهذه الطريقة المرعبة.

المواجهة الكبرى عدت إلى الشقة. الشقة التي أصبحت الآن شبه فارغة بعد أن نقلت نصف أثاثي وفواتيري. جلست على المقعد الوحيد المتبقي في الصالة، وضعت الظرف -الذي مررت على المخزن لأخذه بنفسي- فوق ركبتي. بعد عشر دقائق، انفتح الباب بعنف. دخل طاهر، وجهه شاحب كالأموات، يتصبب عرقًا. خلفه مباشرة.. كانت الطامة الكبرى. حماتي! دخلت حماتي وعيناها تلمعان بالغل، تصرخ وهي تنظر حولها للشقة الفارغة: — «إيه قلة القيمة دي؟ بقى بتنزلي حاجتك في السر يا خطافة الرَّجالة؟ عشان حتة عجان وقلاية تعملي فض.يحة وتفضي البيت؟»

لكن طاهر صرخ فيها فجأة بصوت مر.عوب لم أعهده فيه من قبل: — «اسكتي يا أمي! ارجوعي ورا واسكتي خالص دلوقتي!» نظرتْ إليه حماتي بذهول: «أنت بتعلي صوتك عليا عشانها؟» وقفتُ بكل هدوء، وأمسكت بالظرف في يدي، وقلت بنبرة باردة كالثلج: — «سيبها تتكلم يا طاهر.. أصلها متعرفش اللي أنت وأبوك الله يرحمه كنتوا مخبينه عنها طول السنين دي.» حماتي قطبت حاجبيها، ونظرت للظرف، وفجأة تحول وجهها لونه إلى الأصفر، بدا وكأنها تذكرت شيئاً. قالت بصوت متقطع:

— «الورقة.. هي كانت تحت السفرة؟ المحامي الكلب ضحك عليا وقاللي ملهاش وجود!» ضحكتُ باستهزاء: «آه.. المحامي قالك ملهاش وجود لأن حمايا الله يرحمه كان عارف إنك هتقلبي الدنيا وتدوري عليها في مكتبه، فقرر يخبيها في أكتر مكان مستحيل تشكّي فيه.. تحت السفرة اللي أنا اشتريتها بفلوس شقايا.» الحقيقة العارية فتحتُ الظرف وأخرجت الأوراق الرسمية، وبدأت أقرأ بصوت جهوري:

«أنا الموقع أدناه، أقر بأن العقار رقم 12 (العمارة بأكملها) هو ملك خالص لزوجة ابني، السيدة نادين، نظير ما قدمته من أموال ومساعدات في بناء وتجهيز هذا العقار، وبموجب هذا التنازل النهائي، لا يحق لزوجتي أو لأولادي التصرف في أي شقة أو ريع للعمارة، ويُعتبر عقد الإيجار المبرم بيني وبين ابني طاهر باطلاً ولغواً بمجرد وفاتي..» حماتي صرخت وكأن مسًا أصابها: « كدب! ده تزوير! جوزي يعمل فيا أنا وبنتي كدة؟ يكتب العمارة لغريبة؟»

التفتُّ إليها، واقتربت منها خطوة بخطوة، وقلت وعيناي تطلقان شرارًا: — «مش غريبة.. أنا اللي كنت بدفع، وأنتوا بتتمنظروا بفلوسي. حمايا عمل كدة لأنه كان عارف إنك هتيجي في يوم وتطرديني من بيتي عشان تدّي حاجتي لبنتك. كان عارف إن ابنه ضعيف الشخصية ومش راجل في بيته، وهيوافقك على أي ظلم.» نظرتُ إلى طاهر، الذي كان يجلس على الأرض واضعاً رأسه بين يديه يبكي بنحيب. — «أنت كنت عارف يا طاهر؟» سألته.

رفع رأسه وعيناه حمراوان: «أبويا قالي قبل ما يمو.ت بليلة واحدة.. قالي العمارة دي حماية لنادين، لو صانتك وصنتها، عيشوا فيها سوا، ولو غدرت بيها أو أمك طمعت، الورقة دي هتطلع وتاخد منكم كل حاجة. أنا كنت خايف من اليوم ده يا نادين.. كنت بحاول أرضي أمي عشان متدعبس وراكِ وتعرف السر، لما خدت الأجهزة كنت فاكر الموضوع هيعدي.. مكنتش أعرف إنك هتشيلي السفرة والسر هينكشف!» قلْب الطاولة النهائي نظرت إليهما بحسم. شعرت بقوة لم أشعر بها طوال سنوات زواجي السبع. كل تضحية، كل ساعة سهر في العمل، كل قرش كتمت غيظي ودفعته، عاد لي في هذه اللحظة أضعافًا مضاعفة.

أمسكت بهاتفي، وضغطت على زر الاتصال، ووضعت المحادثة على مكبر الصوت. — «أيوة يا فندم، أنا المدام نادين صاحبة العمارة.. لو سمحت بلّغ المستأجرين في الشقة رقم 3 (شقة أخت زوجي وعريسها) إن قدامهم بالضبط 48 ساعة لإخلاء الشقة، لأنها متباعة من الصبح، والعمارة كلها هتدخل شركة إدارة أملاك تابعة ليا.» حماتي سقطت على المقعد وهي تلطم خديها: «بيتي.. بيت بنتي وجهازها.. هتشردي البت قبل فرحها؟» قلت لها بجفاء وقسوة تليق بما فعلته بي:

— «يا حبيبتي.. بنتك لسه عروسة جديدة، ومش محتاجة المنظرة دي في عمارة مش بتاعتكم.. مش أنتِ اللي قولتيلي الكلمتين دول الصبح؟» التفتُّ إلى طاهر وقلت له بكلمات قاطعة كالسك.ين: — «شنطة هدومك تاخدها وتطلع برا مع والدتك. الشقة دي هتتقفل. وقضية الطلاق هتوصلك للمحكمة الصبح.. وبدل ما كنت بتفكر إزاي تجيب لمرأتك أجهزة غير اللي أمك سر.قتها.. فكر إزاي هتدفع لي إيجار السنين اللي عشتها في ملكي من غير وجه حق.»

خرجتُ من الشقة، وتركت خلفي صراخ حماتي التي انهار عالمها المزيف في لحظة، وبكاء زوجي الذي أدرك متأخرًا جدًا أن غدره كلفه كل شيء. أغلقتُ الباب وورائي سبع سنوات من الصبر.. وبدأتُ، من هذه اللحظة، حياتي الحقيقية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى