اتسمرت مكانـي، والد.م جمد في عروقي. الصالة كلها سكتت، والعيون كلها اتجهت لناحية بناتي.. كنت شايفه الذهول والكسرة في عيونهم، ونظرة العجز اللي كانت هتقتـ,ـلني. في اللحظة دي، حسيت إن فيه حاجة جوة قلبي اتغيرت للأبد. السكوت والاستسلام اللي كنت عايشة فيهم عشان “أشتري دماغي وأحافظ على بيتي” اتطحنوا تحت جزمة الغرور والاستحقاق اللي بيتصرف بيها. بصيت لبناتي، وقبل ما واحدة فيهم تتحرك أو تدمع، وقفت بطولي.. وقفت بضحكة هادية جداً، بس نظرة عيني كانت بتشـ,ـع نـ,ـار.
قربت من المائدة، وبصيت لزوجي بثبات، وقلت بنبرة صوت واضحة ومسمعة الصالة كلها: — “معلش يا أبو البنات.. بناتي جايين معزومين مع مامتهم في بيت جدهم، مش جايين أوردر شغالات لحساب حد. لو المدام محتاجة حاجة، المحلات والمطابخ مليانة، أو ممكن حبيبها اللي ما بيمشيش كلمتها يرجع المطبخ يجيب لها.. هو أدرى بطرق بيته!” الصالة اتكهربت! حماتي فتحت بقها مش مصدقة إن “الساكتة الصامتة” اتكلمت، وزوجته الجديدة وشها جاب ألوان، والابتسامة المغرورة اختفت من على وشها في ثانية.
أبوهم اتنفض وقال بصوت واطي ومغلول: — “أنتِ بتتكلمي معايا كده إزاي قدام الناس؟ احترمي وجودي!” رديت عليه بابتسامة أبرد من التلج: — “أنا محترمة وجودك يا بطل.. بس أنت اللي نسيت تحترم إن اللي قاعدين دول بناتك مش خدامين، وإنك قدام عيلتك بتهين كرامتهم عشان ترضي نمرة استعراضية! عن إذنكم يا جماعة.. عزومة جميلة ولطيفة، بس إحنا شبعنا.” مسكت إيد بناتي الاتنين، ومشيت وأنا مرفوعة الراس. البنات كانوا ماسكين في إيدي وبيترعشوا، بس أول ما خرجنا الشارع وبقينا لوحدنا، الكبيرة بصت لي بدموع وقالت:
— “ماما.. هو بابا مابقاش يحبنا؟” حضنتهم الاتنين في الشارع وقعدت على ركبي قدامهم وقلت لهم بصوت مليان قوة: — “بابا بيحب نفسه بس يا حبيبتي.. لكن أنتم عندكم أم مستعدة تهد الدنيا لو حد فكر يقلل من كرامتكم.. ومن النهاردة، مفيش دموع ولا كسـ,ـرة تاني.” بداية الحرب الهادية رجعت بيتي، ورصيت خطتي. عرفت إن حقي وحق بناتي المادي والنفسي أخدت منه “سلفة” بالسكوت، ولازم يرجع بالقانون والواقع. بعد ساعتين، الباب اتفتح بغضب. دخل وهو بيزعق وبيحذّر:
— “أنتِ اتجننتِ؟ إزاي تحرجيني وتكسفي مراتي قدام أمي وأخواتي؟ أنتِ فاكرة نفسك مين؟” كنت قاعدة بشرب فنجان قهوة بمنتهى الهدوء، بصيت له وقلت: — “أنا أم بناتك اللي كنت فاكرها جدار ميت مالوش حس. واقعد كده ورايق، عشان الكلام اللي جاي هو اللي هيحدد شكل الأيام الجاية.” طلع ورقة وقلم ورصيت قدامه الحقيقة: أولاً: المصروف اللي كان بيبعت بيه “الفتات” انتهى زمانه. المصروف هيتضاعف ثلاث أضعاف عشان يكفي تعليم البنات، تدريبهم، ولبسهم اللي يليق بيهم.. وإلا القضايا النفقة والعدل بين الزوجات هتكون في المحكمة صباح بكرة، وأنا معايا كل صور وشواهد الدهب والهدايا والاستعراض.
ثانياً: وقته معانا مش هيبقى يوم بائس بيجي فيه يقلب وشه؛ بيتي مابقاش فندق ولا مكان للراحة من نكد مراته الجديدة. ثالثاً: معاملته للبنات هتكون باحترام وقدر، أي تقليل منهم هيقابل برفض قاطع ومواجهة. حاول يصرخ ويقول “أنا هطـ,ـلقك!”.. رديت عليه بكل برود: “طلق.. طلق يا حبيبي وشوف القضايا والنفقة والمؤخر والشبكة هتطلع من جيبك إزاي، وشوف شكل منظرك قدام الناس لما يتقال طلق أم بناته عشان مراته الجديدة.” عرف إني مابقيتش يخوفني شيء، والست لما بتكتشف إنها مش محتاجة الراجل في حاجة، بتحول خفه لثقل عليه.
الانقلاب تمر الأيام، وبدأت أركز في شغلي أكتر وأطوره، وبدأت أهتم بنفسي وببناتي. أخدت البنات واشتركت لهم في رياضات جديدة، وغيرت من البيت ودخلت له الطاقة والنور. بقينا نخرج ونتبسط ونتصور وننزل صورنا في كل مكان وضحكتنا مسمعة. في المقابل؟ السحر بدأ ينقلب على الساحر! المرأة الجديدة اللي كانت متخيلة إنها كسبت “الرجل الخدوم الكريم”، بدأت متطلباتها تزيد بشكل جنوني. الذهب اللي جابه لها كان بالتقسيط، والاستعراض اللي عملته في العزومة كان مجرد “تمثيلية” عشان تضغط عليا. لما لقيتني انسحبت تماماً وما أبدتش أي غيرة، بدأت الطلبات الواقعية تضغط على جيبه.
بدأ يكتشف إن البيت التاني قايم على “هات” و”تدليل” وبس، مفيش مشاركة ولا سكن. وبدأ يحس بفرق البيت اللي كان فيه زوجة شايلة معاه وتعبانة عشان خاطره. في يوم، بعد أربع شهور، جالي البيت.. كان شكله مجهد، وشه مطفي، والضحكة اللي كانت في العزومة اختفت. قعد قدامي وقال بصوت منكسر: — “أنا تعبت يا شيماء.. البيت التاني جحيم، طلبات ما بتخلصش، وكل يوم خناق على الفلوس، ومفيش تقدير لأي حاجة بعملها.. أنا اشتقت لهدوء بيتي وهنايا معاكم.”
بصيت له بثبات، وابتسمت ابتسامة صغيرة وقمت وقفت وقلت له: — “البيت ده يا أبو البنات كان فيه هدوء عشان كان فيه ست مقدرة وصابرة وبتحافظ عليك.. بس أنت افتكرت الصبر ضعف، وافتكرت الطيب الهادي مالوش طلبات. الهدوء اللي تدور عليه استعبطت واشترت بيه استعراض بليلة واحدة.. والبيت ده مابقاش ملاذك الآمن اللي ترجع له لما تتعب من ألعابك.. ده بيت بناتي وبس.” سيبته واقف في الصالة مش عارف يتردد ولا يمشي، وعرفت في اللحظة دي إن الصدمة بتاعة العزومة مكانتش نهايتي.. كانت بداية حريتي وقوتي!
