سقطت العصاية الخشبية من يد الحاجة أمينة، واحتكت بالأرضية الرخامية بصوت مكتوم كان هو الصوت الوحيد الذي كسر صمت الغرفة القاتل. عينيها اتسعتا من الصدمة، ولجم لسانها تماماً… لم تكن ندى نائمة كما ظنت، ولم تكن حتى تحت الغطاء. كانت ندى تجلس في منتصف السرير، ترتدي ثوب زفافها الأبيض كاملاً—نفس الثوب الذي دخلت به البيت قبل ثلاثة أيام! وعلى السرير حولها، كانت تطرز بيديها قطعاً صغيرة من القماش الملون، وإلى جوارها صورة قديمة ومكسورة الإطار تجمع سامح بوالده الراحل، وبجوارها حقيبة سفر مفتوحة نصفها ممتلئ بملابس سامح!
لكن الصدمة الحقيقية لم تكن في الهيئة… الصدمة كانت في الشاب الذي يجلس على الكرسي المجهد في زاوية الغرفة، وهو يمسك برأسه بين يديه ويبكي بصمت. كان سامح! لم يذهب إلى عمله من الفجر كما ظنت، ولم يخرج من البيت أصلاً. التفتت ندى ببغض وهدوء مرعب نحو الباب، ونظرت إلى العصا الملقاة على الأرض، ثم رفعت عينيها بثبات ونظرت في عين الحاجة أمينة مباشرة. لم تكن هناك قطرة دموع واحدة في عيني ندى، بل كان هناك مزيج من الشموخ والانكسار الحاد.
وقفت ندى ببطء شديد، وفستانها الأبيض يجر خلفها، وقالت بصوت هادئ جداً لكنه كان أشد قسوة من كل صرخات أمينة: — “كنتي جاية تضربيني بالعصاية يا حاجة أمينة؟ جاية تتأكدي إن البيت ده له كبير؟” خطت ندى خطوة نحوها، بينما سامح لم يرفع رأسه من بين يديه، وكأنه مغشي عليه من الخجل أو العجز. تابعت ندى وهي تشير إلى الصورة والحقيبة:
— “ابنك اللي مانزلش الشغل النهارده… مش عشان أنا نايمة للظهر زي ما أنتي فاكرة… ابنك مانامش من ثلاثة أيام لأنه بيحاول يجمع شتات نفسه! ابنك مديون بمليون جنيه للناس اللي أخد منهم بضاعة عشان يجوزني في بيت العيلة وعشان يرضيكي ويبين قدام الأقارب إنه سيد العارفين!” شهقت الحاجة أمينة، وتراجعت خطوة للخلف وهي تضع يدها على صدرها: — “إيه… أنتِ بتقولي إيه؟ مديون؟ سامح؟!” رفعت ندى الصورة المكسورة ووضعتها في يد الحاجة أمينة المرتعشة:
— “أنا من أول يوم دخلت البيت ده، وأنا محبوسة في الأوضة دي بصلّح اللي ابنك كسره. القهوة اللي بتشوفيني بنزل أشربها؟ دي مش قهوة… دي الأعشاب اللي بديهاله عشان يقدر ينام ساعة واحدة من غير ما يجيله نوبة هلع! والنوم اللي فاكراه بجاحة؟ أنا وسامح بنفضل صاحيين للفجر بنلم حوايجنا وبنحسب الديون، وبنحاول نلاقي طريقة نبيع بيها دهبي من غير ما يحسسك إنه فشل في نظرك!” هنا، رفع سامح رأسه أخيراً… كانت عينيه حمراوين كالدماء، وصوته مخنوقاً بالدموع:
— “كفاية يا ندى… كفاية يا بنت الأصول…” التفت سامح لأمه وهو يحاول الوقوف، لكن قدميه لم تحملاه جيداً: — “أمي… أنا اللي رجيتها ما تخرجش ولا تتكلم. أنا اللي قلت لها ما تنزلش تحت عشان ما تشوفيش الخوف في عينيها. كنت فاكر إني هعرف أحلها من غير ما تشيلي الهم… كنت خايف أكسر قلبك وأقولك إننا هنضطر نبيع شقة العيلة أو نصيبنا فيها عشان أرجع الفلوس لأصحابها قبل ما أتحبس!”
ساد الصمت الغرفة كالجبل الثقيل. الحاجة أمينة شعرت وكأن الأرض تدور بها. العصاية على الأرض كانت تنظر إليها وكأنها شاهد على جهلها وتسرعها، على الظلم الذي حشيت به رأسها لمجرد أن العروس لم تنزل لخدمتها في الفجر. تراجعت أمينة ونظرت لندى—التي كانت تظنها “بنت الشحاتين”—لتجدها تضع يدها في يد سامح، تحميه وتسانده، وتستحمل إهانتها وصمتها كل هذه الأيام فقط كي لا تكسر كبرياء زوجها أمام أمه. اقتربت الحاجة أمينة بخطوات ثقيلة جداً، وانحنت بصعوبة لتلتقط العصا من الأرض. لم ترفعها لتضرب، بل وضعتها جانباً وركعت تقريباً عند قدمي ابنها وزوجته.
دمعة واحدة سقطت من عين أمينة وهي تقول بصوت متقطع: — “أنا اللي كنت معماية يا بني… أنا اللي افتكرت إن الكبرياء بالخدمة والتأديب، ونسيت إن البيت البيتدعم بالمودة والستر… حقك عليا يا ندى يا بنتي…” نظرت ندى إليها، ولأول مرة انكسر ثباتها وسقطت دموعها، وانحنت لترفع الحماة من على الأرض… كانت هذه اللحظة ليست نهاية القصة، بل البداية الحقيقية؛ البداية التي فهم فيها الجميع أن بيوت العيلة لا تنهدم بقلة الخدمة، بل تنهدم بغياب الظن الحسن والسترة.
