غاب النور في عينيّ وأنا أسمع جملة مصطفى: “كتب الكتاب هيحصل.. هتتجوزي مصطفى”. كان البيت ينبض بالصمت الثقيل، وكأن الجميع اتفقوا على ذبحي بسكين المداراة و”كلام الناس”. مضت الأيام الأولى في تلك الشقة العلوية الغريبة كأنها كابوس ممتد. لم أكن أرى مصطفى إلا صدفة؛ كان يعود متأخراً، يترك الطعام الذي أعدّه دون أن يمسه إلا قليلاً، وينام في الغرفة المجاورة. كان يهرب مني.. أو ربما كنتُ أنا الهاربة منه. شرخ في جدار الصمت
في ليلة شديدة البرودة، وبعد مرور شهر كامل، كانت الرياح تضرب النوافذ بشدة. أضاءت شاشة هاتفي برقم غريب.. تجمّدت الدموع في عينيّ وأنا أقرأ الرسالة: “حنان.. أنا عارف إنك زعلانة، بس أنا مظلوم. مصطفى هو اللي خطط لكل ده عشان ياخدك مني. تقابليني؟” اتسعت حدقتا عيني. أحمد؟ يسعى للعودة بعد كل ما فعله؟ سقط الهاتف من يدي على الأرض ليدوي صوته في الصالون المظلم. فجأة، أُضيء النور، وكان مصطفى واقفاً عند الباب، يرتدي معطفه وملامحه يكسوها الإرهاق الشديد.
نَظَر إلى الهاتف الملقى على الأرض، ثم نظر في عينيّ بجمود لم أعهده منه: مصطفى: “أحمد بعتلك، صح؟” صُدمت. كيف عرف؟ ترددتُ قليلاً ثم رفعت رأسي وقُلت بصوت يرتجف: حنان: “أنت.. أنت كنت عارف إنه هيكلمني؟ مصطفى، هو أحمد هرب فعلاً ولا في حاجة تانية أنا مش فاهمَاها؟” اقترب بخطوات هادئة، وجلس على أطراف الأريكة مقابل حركة يدي المضطربة. أخرج من جيبه أوراقاً مطوية ووضعها على الطاولة بيننا. مصطفى: “أنا متجوزتكيش عشان خايف من كلام الناس يا حنان.. ولا عشان أصلح غلطة أخويا. أنا اتجوزتك عشان أنقذك منه.”
الحقيقة الغائبة شعرتُ برأسي يدور. فتحتُ الأوراق ببديهية متوترة. كانت إيصالات أمانة، وعقود بيع وهمية للشركة التي كان أحمد ينوي تأسيسها، وباسمِ من؟ باسم أبي! نظر إليّ مصطفى بعينين يملؤهما الحزن والأسى وقال:
مصطفى: “أحمد متهربش مع واحدة عشان بيحبها بس.. أحمد كان غرقان في ديون وشيكات بدون رصيد، وكان ناوي يهرب بفلوس الشراكة اللي أخدها من أباكي يوم كتب الكتاب. الليلة دي، أنا اكتشفت إنه كتب الورق ده واستغل توقيع والدك. لما واجهته، حاول يهرب.. وأنا دفعته يسافر وينفذ هروبه ده بعيد، وسددت جزء كبير من الديون دي من تحويشة عمري عشان أبوكي متترفعش عليه قضايا ويدخل السجن في نفس ليلة فرحك.”
تساقطت الدموع من عيني كالمطر، لكن هذه المرة لم تكن دموع خيانة الحبيب.. بل كانت دموع الصدمة من الاستغلال، والذهول من الشخص الذي يجلس أمامي. حنان بصوت متقطع: “يعني.. أنت شلت كل الهم ده، وخليت الناس تقول عليك اتجوزت خطيبة أخوك.. عشان تنقذ بيتنا؟” مصطفى (وابتسامة مريرة على وجهه): “كنت عايزك تكرهيني أنا وأخويا، ولا إنك تكتشفي إن الشخص اللي حبيتيه كان حاطط أباكي في طريق السجن. أنا مكرهتش أحمد.. بس كان لازم أحميكي.”
بداية جديدة على جمر الماضي مرت اللحظات كأنها سنوات. كشفت الأيام عن وجه مصطفى الحقيقي؛ الرجل الذي يتألم في صمت، يداري شهامته خلف جدار من الجفاف والتجاهل كي لا يفرض نفسه عليّ. في اليوم التالي، مسحتُ رقم أحمد من هاتفي وحظرته للأبد. أدركتُ حينها أن الحب ليس مجرد كلمات براقة ووعود زادها الهواء، بل هو موقفٌ وشهامة ورجلٌ يسندك حين ينهار كل شيء حولك. دخلتُ المطبخ لأول مرة برغبة حقيقية، أعددتُ العشاء، وانتظرته عند الباب كما لم أفعل من قبل. وعندما فتح الباب ورآني واقِفة بابتسامة دافئة وفستان بسيط أصفر اللون، تجمد في مكانه.
حنان: “تأخرت ليه؟ الأكل هيبرد.. ولا ناسي إن حنان بتجوع بسرعة؟” ابتسم مصطفى، ولأول مرة أرى عينيه تلمعان ببريق لم أره من قبل.. بريق أمل ببدء فصل جديد، قصة لم تُكتب عناداً في القدر، بل كُتبت برغبة قلبين وجدا طريقهما وسط الركام. كيف تحب أن نواصل الأحداث القادمة في القصة؟ مواجهة حاسمة مع أحمد عند عودته المفاجئة تطور العلاقة الرومانسية وبدء حياة جديدة