عدّت الساعات ثقيلة على خديجة في الأوضة، كل دقيقة بتمر كأنها سنة. كانت قاعدة على طرف السرير، عينها مش بتفارق الباب، وأفكارها متخبطة بين صورتين: صورة سليم، خطيبها وابن عمها اللي راحت فرحته وفرحتها في لحظة، وصورة حازم، أخوه الكبير، بصوته الحاد ونظراته اللي بتوزن كل كلمة قبل ما تخرج من بوقه.
في الصعيد، الكلمة لما تخرج من راجل زي حازم بتكون أثقل من السيف. حازم مش بس أخو جوزها الراحل، حازم هو كبير العيلة الفعلي بعد أبوه، راجل كلمته مسموعة وهيبته تسبقه في أي مجلس. وزواجه منها ما كانش اختيار، كان قرار عيلة لحماية كرامة البيت ولمّ الشمل بعد الفاجعة اللي هزت البلد كلها يوم الفرح.
قربت الساعة تتعدى نص الليل، لما سمعت خطوات حازم الثقيلة وهي طالعة على السلم. قلبي خديجة بدأ يدق بسرعة، ودقاته كانت المطبخ الوحيد لخوفها. الباب اتفتح بهدوء، ودخل حازم. كان باين عليه التعب، ونظرة الإرهاق مخالطة صرامته المعتادة. قلع عبايته وعلقها، وأخد نفس عميق وهو بيبصلها وهي واقفة مش قادرة تتحرك من مكانها. حازم بنبرة هادية بس جادة: “لسه صاحية ليه لحد دلوك يا خديجة؟” خديجة ببلع ريق ومحاولة لتجميع كلامها: “مستنياك… أقصد، لو محتاج عشا أو أي حاجة.”
قرب حازم منها، وقعد على الكرسي الخشب القريب من السرير، وعينه مثبتة عليها بثبات خلي جسمها يتصلب: “أنا مش محتاج عشا يا خديجة… أنا محتاج نطمن على حالنا. القعدة دي والغموض ده مش هيوصلنا لبر.” خديجة بخوف نابع من اللي سمعته من حريم العيلة: “حازم… أنا عارفة إنك صبرت عليا كتير، وعارفة أصول الصعيد والأدوار اللي المفروض تتم… بس والله أنا…”
قاطعها حازم وهو بيرفع إيده ببهدوء عشان يسكتها: “إنتي فاكرة إني مش حاسس بيكي؟ فاكرة إن حازم هيبني بيته على جثة أخوه ومشاعر واحدة مغصوبة عليه؟ يا خديجة، أنا قبل ما أكون جوزك، أنا راجل بصون العرض وبفهم يعني إيه ألم. سليم كان أخويا الصغير، ووجعه في قلبي مش أقل من وجعك… بس الحياة مش بتقف.”
سكت لحظة، والنظرة الصارمة في عينه اتحولت لنبرة واقعية وثقيلة: “الناس برة الأوضة دي بتتكلم، وكلام الحريم والرجالة في البلد مابيرحمش. بس أنا مش هسمح لحد يتدخل بيني وبينك، ولا هقبل إن كرامتك أو كرامتي تتهان. الصبر اللي صبرته مش ضعف، ده احترام للوقت اللي محتاجاه عشان تفوقي من الصدمة.” خديجة دموعها نزلت من غير ما تحس، كلامه كان مختلف تماماً عن الصورة المرعبة اللي كانت في خيالها: “طب والمطلوب مني إيه يا حازم؟ أنا حاسة إني تايتة…”
قام حازم وقرب منها لحد ما بقى واقف قدامها مباشرة، نزل لمستواها وقال بنبرة هادية ومحددة: “المطلوب منك تفهمي إننا بقينا واقع في حياة بعض. لا أنا هعيش في جلباب سليم الله يرحمه، ولا إنتي هتعيشي دور الضحية طول عمرك. هنبدأ نتعامل على إننا زوج وزوجة قدام ربنا والناس، بالتدريج، من غير غصب ومن غير خوف. البيت ده محتاج ست، وأنا محتاج زوجة تصون بيتي وتكون سندي، زي ما أنا سندها.”
الكلام ينزل على قلب خديجة كأنه دش مية ساقعة فاقها من وهم الخوف. حازم ما كانش الوحش اللي صورته لها الحكايات، كان راجل صعيدي أصيل، مدرك لمسؤوليته وفاهم أصول الأصول. مرت الأيام والأسابيع، وكانت العلاقة بينهم بتتغير بتأنٍ وواقعية. خديجة بدأت تشوف في حازم صفات ثانية: حنيته المتدارية ورا هيبته، عدله في التعامل مع أهل البيت، وحمايته ليها من أي كلمة ممكن تضايقها من حريم العيلة. وفي نفس الوقت، حازم كان بيلحظ اهتمامها بيه، ترتيبها لأموره، ووقفتها جنبه في كبرياء وكرامة.
في ليلة من الليالي، وبعد مرور كام شهر، كانت البلد كلها هادية. دخل حازم الأوضة بعد يوم طويل من الشغل والمشاكل في المجلس. خديجة كانت مستنياه، جهزت له حاجته وقدمت له كباية الشاي اللي بيحبها. حازم بصلها وهو بياخد الكباية، وابتسامة خفيفة ظهرت على وشه لأول مرة بوضوح: “تعبتك معايا يا خديجة.” خديجة بأريحية وهدوء كانت افتقدتهم من زمان: “تعبك راحة يا حازم… البيت ده بيتك، وأنا هنا عشان راحتك.”
حازم حط الكباية على الطاولة، وقرب منها بثبات، بس المرة دي ما كانش فيه أي خوف في عينين خديجة. حازم بصدق: “أنا أظن إن الوجع أخد حقه، والوقت جه عشان البيت ده يتملي حكاية جديدة… حكايتنا إحنا يا خديجة.” خديجة هزت رأسها بهدوء، ومشيت خطواتها ناحيته بإرادتها، مش بخوف ولا بجبر، بس بإدراك إن الحياة لازم تتكمل، وإن حازم هو الأمان اللي ربنا عوضها بيه. وبكده انتهت حالة الخوف والتردد، ومشيت حياتهم على أصول الصعيد الحقيقية: احترام، شهامة، وبناء بيت متين قائم على التفاهم والرضا الواقعي، بعيداً عن أوهام الخوف وقسوة العادات الباطلة