حماتي اتصدمت من تصرفي، والجمود حلّ في الممر قدام شقتي. أخت جوزي، اللي كانت واقفة تبص بقلة حيلة وشماتة متدارية، اتراجعت خطوة لورا. عمرو كان واقف زي المذهول، شنطة الطلبات وقعت من إيده على الأرض، وبص لأمه بصة عمري ما شفتها في عينه قبل كده.. بصة صدمة وخيبة أمل.
“إيه اللي بيحصل هنا يا أمي؟” عمرو قالها بصوت هادي بس مرعب، الشرايين في رقبته كانت بارزة. “أنا لما امبارح قلت لك إننا خلاص دفعنا المقدم والفلوس في البنك مش لللمس، قعدتِ تعيطي وتقولي أختك بيتها بيتخرب وجوزها مديون، قلت لك عينيا لأختي أساعدها من طاقتي وشقاي الشهرية، إنما فلوس مدرسة ولادي حمر، خط أحمر! تقوموا تجيبوا ورقة تنازل وتضحكوا عليا وتستغلوا ثقتي؟” حماتي ما استسلمتش بسهولة، وشها اتغيّر من الصدمة للهجوم، وقالت بصوت عالي وهي بتبصلي بحدّة:
“إنت بتعلي صوتك على أمك عشان خاطر دينا؟ الفلوس دي فلوسك إنت! هي قاعدة في البيت لا بتشتغل ولا بتشقى، كل جنيه في البنك ده من عرقك إنت، وأختك أولى بيه من مدارس الفشخرة والمنظرة! ولاد أختك أيا كان، من دمك، إنما هي بكرة لو زعلت منك تأخد الفلوس وتطفش!” الكلمة كانت زي السكينة في قلبي. سبع سنين جواز، حرمت نفسي فيهم من أقل حقوقي، كنت بأوفر في أكلنا ولبسنا، وأعمل جمعيات وأشيل القرش على القرش، وفي الآخر يتقال عليا “قاعدة في البيت وبيتحسب عليا شقى سنين زوجي”!
بصيت لعمرو ودموعي خلاص مش قادرة أمنعها، بس كان صوتي ثابت: “سمعت يا عمرو؟ سمعت حماتي شايفاني إزاي؟ شايفاني غريبة وبأسرقك. نسيت إن الوديعة دي جزء منها كان ذهب أمي اللي بعته عشان أفك كربك لما اتزنقت في شغلك من ثلاث سنين؟ نسيت الجمعيات اللي كنت بأقبضها وأحطها في الحساب ده؟” عمرو بص لأمه وقفل جفونه بقوة، كأنه بيحاول يستوعب الكابوس. قرب من أمه وأخته، ومسك إيد أمه بالراحة بس بصرامة:
“يا أمي.. دينا مراتي وشريكة عمري. الذهب اللي بعته والفلوس اللي وفرتها هي اللي عملت بيت ومستقبل لولادي. أنا مش هأظلم ولادي عشان أصلح أغلاط غيري. أختي وزوجها لو محتاجين مساعدة، أنا هأقف جنبهم في حدود مقدرتي ومن مصروفي، لكن حلم ولادي ومستقبلهم مش هيمسه مخلوق.” حماتي شدّت إيدها منه بعنف وقالت بغل: “يبقى إنت مش ابني، ولا أعرفك! وهتفضل طول عمرك ماشي ورا كلام مراتك، بكرة تنفعك لما تترفى من عزوة أهلك!”
أخت جوزي مسكت إيد أمها وقالت وهي بتبصلي بحدّة: “يلا يا أمي، بكره يعرف إن الله حق لما يحتاجنا وما يلاقناش.” خرجوا وقفلوا الباب وراهم بهبدة هزت الشقة كلها. السكون اللي حلّ بعد خروجهم كان أتقل من المشادة نفسها. عمرو قعد على أقرب كرسي، حاطط راسه بين إيديه، وأنا وقفت في نص الصالة، حاسة بإن الطاقة اتسحبت مني تماماً. الأيام اللي جَت بعد الواقعة دي ما كانتش سهلة خالص. حماتي عملت مقاطعة كاملة لعمرو، وسلطت العيلة كلها عليه. كل ما حد يكلمه من قرايبه، يقولوله: “إنت بعت أمك وأختك عشان مدارس خاصة؟ إيه القسوة دي؟”
عمرو كان بيعدي بأيام سودة، الضغط النفسي كان باين على وشه، قلة النوم، والسكوت الطويل. وأنا كنت بين نارين: نار إني أضعف وأقوله خلاص خدهم واديهم الفلوس عشان تشتري رضا أمك وراحتك، ونار حلم ولادي اللي لو تنازلت عنه المرة دي، هيفضل بيتنا مباح لكل تدخل مستقبلي. قررت أكون قوية، بس بالذكاء والواقعية.. مش بالعند. قعدت مع عمرو في ليلة هادية، مسكت إيده وقلت له:
“عمرو، أنا مش عايزاك تخسر أمك ولا تزعلها. أنا عارفة إن رضاها جند من جنود ربنا عليك. إحنا هنوفر من مصاريفنا الشخصية الشهرية مبلغ ثابتمحترم نديه لأختك كل شهر يساعدها في أزمتها، لكن الوديعة ومصاريف المدرسة يفضلوا زي ما هما.. ده حق ولادك اللي شقينا عشان نأمنه.” عمرو بصلي بامتنان كبير، وقال: “إنتِ أصيلة يا دينا.. وأنا عارف إنك على حق.”
فعلاً، عمرو راح لأخته، وعرض عليها المساعدة الشهرية دي. في الأول رفضوها ببرود بتوجيه من حماتي، بس مع الوقت والضغط المالي الواقعي على زوج أخته، اضطروا يقبلوا المساعدة المادية الشهرية لأنهم كانوا فعلاً محتاجينها، ومش هينفع يرفضوا حل عملي بيتقدم لهم بدون شروط. مرت الأيام، وجه أول يوم في المدرسة الخاصة. لما شفت ولادي لابسين الزي الجديد، وفرحانين بالشنط، وماسكين إيدينا وأنا وعمرو بنوصلهم للمدرسة.. حسيت إن كل لحظة وجع، وكل حرف اتقال في حقنا، كان يرخص قصاد الفرحة دي.
القطع الشديد بيننا وبين حماتي ما استمرش للأبد.. العلاقات الواقعية في العائلات المصرية ما بتنتهيش بقطع كامل، بس شكلها بيتغير. بعد عدة شهور، وفي مناسَبة عيد ميلاد واحد من ولادي، حماتي زارتنا. كانت المعاملة هادية، وفيها حدود جافة ورسمية احتراماً لموقفنا، بس ما بقاش حد يقدر يتخطى حده أو يتدخل في قرارات بيتنا المالية تاني. تعلمت من التجربة دي إن الحفاظ على المستقبل بيحتاج شوية قسوة وشجاعة في الأول، وأن الحدود الصحية في العلاقات مش بتخرب البيت.. بالعكس، هي الوحيدة اللي بتحميه من الانهيار.