خرجت ندى من مبنى السجل المدني وهي مش شايفه قدامها. الإسفلت تحت جزمتها كان بيغلي من حرارة الشمس، بس هي كانت حاسة ببرودة في جسمها كله كأنها فاتحة باب ثلاجة في عز التلج. الأصوات حواليها في الشارع — كلكسات العربيات، بياعين الخضار، دوشة الميكروباصات — كلها أتحولت لزنين ملوش معنى. الكلمة كانت بتتردد في أذنها بصدى يرعب: “مزور.. أنتي أنسة.. هو أعزب”. طلبت ميكروباص بالعافية وركبت، وقعدت جنب الشباك ودماغها شغالة زي المفرمة.
أحمد؟ أحمد ابن الناس المحترمين اللي أبويا أمنه عليا قبل ما يمـ,ـوت؟ أحمد اللي بقالنا 8 سنين بنبني بيت مع بعض وشايلين الهم مناصفة؟ معقول كان عارف؟ ولا هو كمان أتنصب عليه زيي؟ أول ما وصلت البيت، فتحت الباب بإيد بتترعش. البيت كان ساكت، “جنى” و”ياسين” كانوا عند حماتها في الدور اللي تحت لغاية ما ترجع من السجل.
دخلت أوضة النوم جرت على الدولاب، فتحت الخزنة الصغار وقعدت تقلب في الأوراق، طلعت العقد الأصل.. الورقة البيضاء اللي مكتوب فيها اسمها واسمه بالخط العربي العريض، والختم الأحمر الكبير في الزاوية. مسكت العقد وبقت تبص للختم وتقول لنفسها: “ده بجد؟ ده اللي ضيع حياتي؟” سمعت صوت مفاتيح في الباب. أحمد رجع من الشغل بدري عشان يستلم منها الورق ويروح يقدم لجنى في المدرسة. دخل أحمد وهو بيصفر، شايل كيس فاكهة في إيده، وقال بصوت فرفوش:
– «يا أهل الدار! أدينا رجعنا بدري أهو عشان نخلص ورق العروسة الصغيرة.. عملتي إيه في السجل يا ندى؟ طلعتي القيد العائلي؟» ندى كانت واقفة في نص الصالة، ظهرها للممر، وماسكة الورقة في إيدها. سكتت. أحمد حط كيس الفاكهة على السفيرة وقرب منها بخطوات بطيئة لما لاحظ سكوتها وكتفها اللي بيترعش: – «ندى؟ فيه إيه يا حبيبتي؟ مالك واقفة كدة ليه؟ البنت فيها حاجة؟» ندى لفت له ببطء.. وشها كان أصفر زي الليمونة، وعيونها حمرا دم. رميت ورقة العقد في وشه وقالت بصوت مكسور ومخنوق:
– «العقد ده إيه يا أحمد؟» أحمد وطى جاب الورقة من الأرض وهو مستغرب وضحك بخفة: – «إيه السؤال الغريب ده؟ ده عقد جوازنا طبعاً! مالك يا ندى إيه اللي جرى؟» ندى صرخت فيه بصوت هز أركان الشقة، صرخة طلعت من أعمق نقطة في قلبها: – «ده مش عقد جواز! ده ورقة بوسطة! ده تزوير يا أحمد! أنا النهاردة في السجل المدني قدام الناس والضباط اتقال لي إني آنسة، وأنت أعزب! اتقال لي إني عايشة معاك في الحرام بقالي 8 سنين! اتكلم.. عملت فيا إيه؟! ده المأذون اللي أنت جبت لينا البيت!»
أحمد اتسمر في مكانه، ملامح وشه أتحولت من الاندهاش للصـ,ـدمة المرعـ,ـبة، ورقه العقد وقعت من إيده تاني على الأرض. – «أنتي.. أنتي بتقولي إيه؟ مسجلة إيه وآنسة إيه؟! أنتي اتجننتي يا ندى؟ إزاي الكلام ده؟! الشيخ فتحي مأذون المنطقة كلها!» – «الشيخ فتحي طلع نصاب! والختم ده مضروب ورقم التوثيق ده بتاع ناس تانية خالص في محافظة تانية! أنت كنت عارف يا أحمد؟! قولي الحقيقة وحياة أولادك.. أنت كنت عارف وضاحك عليا كل السنين دي؟!»
أحمد مسك راسه بإيديه الاتنين وقعد على أقرب كرسي وهو مش مصدق، بقى يكلم نفسه: – «عارف؟ عارف إيه يا مجنونة؟! أنا دفع أتحوشت عمري في الشقة دي! أنا أبوكي الله يرحمه كان واثق فيا! الشيخ فتحي ده جاره وحبيبه وهو اللي جابه بنفسه ليلة الفرح لما المأذون الأصلي أعتذر عشان حـ,ـادثة!» هنا ندى سكتت فجأة.. افتكرت ليلة الفرح!
فلاش باك لقبل 8 سنين: ليلة كتب الكتاب، المأذون الشرعي للناحية اتصل وقال إنه اتعطل في حـ,ـادثة طريق مش هيقدر يوصل، وأبوها الله يرحمه اتوتر جداً لأن المعازيم في القاعة. ساعتها دخل واحد من جيرانهم المقربين، اسمه “عم جابر”، وقالهم: “متقلقوش، الشيخ فتحي حبيبي ومأذون معتمد في الناحية المجاورة، هكلمه يجي فوراً بالدفتر ويخلصنا!” ندى بصت لأحمد وعيونها توسعت من الصدمة: – «عم جابر!.. عم جابر هو اللي جاب الشيخ فتحي!»
في نفس اللحظة، الباب خبط خبطات متتالية وقوية. أحمد فتح الباب وهو مش في وعيه، كانت أمه (حماة ندى) وطالعة ومعاها الولاد، ووراها “عم جابر” جارهن اللي ساكن في الدور الأول! أم أحمد دخلت وقالت بقلة صبر: – «إيه يا أحمد، الصوت طالع للشارع ليه؟ فيه إيه بينك وبين مرتك؟ الناس في الشارع بتسمع!» ندى خرجت من الصالة وواجهت “عم جابر” مباشرة، ونزلت صباعها في وشه: – «عم جابر! مين الشيخ فتحي اللي جيبتهولنا من 8 سنين؟ نزلت السجل المدني النهاردة وقالولي العقد مزـ,ـور ومفيش جواز مسجل اصلاً!»
عم جابر ملامحه اتغيرت بلحظة، ارتبك وبص للأرض وبدأ يعرق رغم إن التكييف كان شغال. أحمد قرب منه ومسكه من ياقة قميصه بقوة: – «انطق يا عم جابر! الراجل ده مين؟! أنا حياتي بتتخـ,ـرب وأولادي هيضيعوا!» عم جابر أتقطع نفسه وقال وهو بيترعش:
– «يا.. يا أحمد يا بني والله ما كان قصدي! أنا.. أنا كنت مزنوق في فلوس ساعتها، والشيخ فتحي ده مش مأذون، ده واحد صاحبي بيعمل عقود عرفي ومزـ,ـورة للناس اللي عاوزة تتجوز سر.. وهو دفع لي ألف جنيه عشان أدخله البيت عندكم ليلة الفرح لما المأذون الأصلي اتعطل، وقاللي “دول عرسان وكاتبين كتابهم، بس الورق ده صورية عشان يفرحوا أهاليهم ويعدوا الليلة”!» الكلمات نزلت على الصالة زي الصاعقة! أم أحمد لطمت على وشها: «يا لهوي يا فضيحتنا وسط الناس! يا لهوي على ولادكم!»
أما ندى.. فما قدرتش تستحمل أكتر من كدة، رجليها خانتها ووقعت على الأرض مغمى عليها وسط صريخ “جنى” وبكاء “ياسين”. مرت 48 ساعة كأنها كابوس طويييل. ندى فاقت في المستشفى، وبمجرد ما فتحت عينها رفضت ترجع مع أحمد البيت. راحت على بيت أهلها القديم اللي كانت قافلاه من يوم وفـ,ـاة أبوها. قفلت على نفسها الباب ورفضت تقابل أي حد. أحمد ما قعدش، الجرح والوجع عنده كان مضاعف: مراته شاكة فيه، ولاده ملهومش سند رسمي في الدولة، وشرفه وسمعته بقت على المحك.
أحمد أخد العقد المزور، وطلع على قسم الشرطة وقدم بلاغ رسمي ضد “عم جابر” وضد المدعو “فتحي”. خلال أسبوع، النيابة جابت “فتحي” و”عم جابر”. وبالمواجهة والتفتيش في شقة فتحي، لقوا شبكة تزوير كاملة وأختام مزيفة لمصالح حكومية كتير، واتكشف إن فيه اكتر من 15 عيلة في المنطقة عايشين نفس المأساة وهم مش عارفين! بس القضية الأكبر والأصعب مكانتش في حبس التاجر المزيف.. القضية كانت في: كيف يُنقذ هذا البيت؟ أحمد راح لدار الإفتاء ومعاه كل أوراق القضية وتحقيقات النيابة. قعد قدام الشيخ وشرح له كل حاجة وهو بيبكي:
– «يا مولانا.. أنا اتجوزتها بنية الشريعة، قدام ربنا وأبوها والناس، ودفعنا مهر، وقرأنا الفاتحة، وعملنا إشهار.. هل إحنا كنا عايشين في الحرام؟» الشيخ بص له برحمة وقال له كلام أثلج صدره: – «يا بني.. الزواج الشرعي أركانه: الإيجاب والقبول، والولي، والشاهدين، والمهَر، والإشهار. وكل ده تحقق في عقدكم بنية الصحة، وأنتم ضحية عملية نصب وتزوير. العقد صحيح “شرعاً” لشبهة العقد، وما بينكما ليس زناً، وأولادك منسوبون إليك شرعاً ولا غبار عليهم. ولكن القانون يحتاج توثيقاً لحفظ الحقوق.»
الكلام ده كان طوق النجاة لأحمد. أخد فتوى دار الإفتاء الرسمية المكتوبة، وطلع بيها على محامي أحوال شخصية كبير. المحامي قال له: – «قدامنا طريقين: رفعت قضية “إثبات زواج وإثبات نسب” بناء على الفتوى وتحقيقات النيابة. والقاضي هيحكم بتثبيت الزواج بتاريخه القديم (من 8 سنين) بناء على الإشهار والشهود، وبناء عليه هينزل الزواج في السيستم بأثرـ,ـ رجعي، واستخراج شهادات ميلاد رسمية للولاد.» بعد 3 شهور من الجلسات، والوقوف قدام القضاة، والمحاضر، والضغط النفسي الرهيب..
وقف أحمد وندى قدام قاضي الأسرة. ندى كانت واقفة بعيد، وشها باهت والتعب باين عليها، بس الشك اللي كان في قلبها ناحية أحمد أختفى بعد ما شافت حرقت قلبه وجريه في المحاكم والنيابات عشان يحميها ويحمي ولاده. القاضي ضـ,ـرب بالمطرقة على المكتب وقال بصوت جاد: “حكمت المحكمة بإثبات العلاقة الزوجية بين المدعي والمدعى عليها اعتباراً من تاريخ (..) وبإثبات نسب الطفلين جنى وياسين إلى أبيهما أحمد عبد الرؤوف السيد، وإلزام مصلحة الأحوال المدنية بتسجيل ذلك في الدفاتر الرسمية.”
في اللحظة دي، دموع ندى نزلت.. بس المرة دي كانت دموع ارتياح. أحمد بص لندى من بعيد، ومد إيده ليها. ندى قربت منه، ومسكت إيده بقوة لأول مرة من 3 شهور. بعد أسبوعين، كانت ندى واقفة تاني في نفس الطابور في السجل المدني.. نفس الحر، ونفس الزحمة. بس المرة دي وقفت قدام الشباك وهي مرفوعة الراس. الموظف أخد الأوراق والحكم القضائي، وكتب على الكيبورد.. وبعد دقيقتين، خرجت الطباعة: شهادة ميلاد كمبيوتر لـ “جنى أحمد عبد الرؤوف” مكتوب فيها اسم الأب والأم رسمياً.. وقيد عائلي سليم 100%.
مسكت ندى الأوراق، وخرجت للشمس.. أحمد كان مستنيها برة في العربية، ومعاه جنى وياسين بيلعبوا. ركبت جنبه، بصت للورق الرسمية ونزلت دمعة مسحتها بسرعة، وقالت له وهي بتبتسم: – «يلا يا أحمد.. لحقنا معاد التقديم في المدرسة!»