حماتي كانت كل شهر تاخد كرتونة التموين بتاعتي بحجة إن بيتها مليان ضيوف… ولما روحت أطلب منها كيس رز آخر الشهر، قالتلي: «اتعلمي تدبري بيتك». من أول يوم جواز، حماتي احتفظت بكارت التموين بتاع جوزي. كل أول شهر كانت تتصل بيا: —التموين وصل، ابعتي جوزك ياخده. وبعدها بساعتين، جوزي يرجع بكيس سكر وزجاجة زيت. أسأله: —أمال باقي التموين فين؟ يقول: —ماما عندها ضيوف كتير، وإخواتي بييجوا بعيالهم… سيبيها تستفيد. كنت بسكت.
رغم إن مرتب جوزي كان بيخلص في الإيجار والأقساط، وأنا كنت بحسب كل جنيه عشان أقدر أوفر أكل البيت. فضل الوضع كده سنتين. حماتي تاخد الرز والمكرونة والزيت والسكر، وأنا آخر الشهر أستلف من أمي عشان أعمل لجوزي أكل. لحد شهر جوزي تعب فيه وقعد من الشغل. الفلوس خلصت. فتحت المطبخ ملقتش غير نص كيس مكرونة. فاتصلت بحماتي. —ممكن آخد كيس رز من التموين بتاعنا؟ سكتت لحظة، وبعدها قالت: —خلص.
استغربت. —خلص إزاي؟ ده إحنا لسه يوم 20. ضحكت وقالت: —أصل البيت مليان ضيوف. قلتلها: —طب أنا معنديش أكل لجوزي. ردت بمنتهى البرود: —اتعلمي تدبري بيتك… الست الشاطرة مبتستناش حماتها تأكلها. وقفلت. يومها بعت خاتم صغير كان فاضل من دهبي، واشتريت أكل. لكن تاني يوم، وأنا راجعة من الصيدلية، شوفت عربية نقل واقفة قدام بيت حماتي. والراجل بينزل كراتين زيت وسكر ورز. دخلت وراه. لقيت الصالة مليانة كراتين. سألتها: —إيه ده؟
اتوترت. لكن بنتها ضحكت وقالت: —ماما بتبيع التموين للجيران من زمان… إنتِ متعرفيش؟ حسيت الدم نشف في عروقي. يعني أنا كنت بستلف وأبيع دهبي… وهي بتبيع أكل بيتي وتاخد فلوسه؟ بصيت لجوزي. لكنه فاجأني وقال: —خلاص عرفتي… متعمليش مشكلة. ساعتها فهمت إن جوزي كان عارف. رجعت بيتي من غير كلمة. وتاني يوم، روحت مكتب التموين، وبعده البنك، وبعده مكان تالت جوزي عمره ما تخيل إني أعرف عنوانه. وبالليل، حماتي اتصلت بيا وهي بتصرخ:
—إنتِ عملتي إيه؟! قلتلها: —بتعلم أدبر بيتي. لكن قبل ما تقفل، سمعت جوزي بيصرخ جنبها: —إزاي عرفت بالحساب ده؟! سكتُّ. لأن كرتونة التموين ما كانتش الحاجة الوحيدة اللي حماتي بتاخدها من ورايا كل شهر. وفي الصبح، لما فتحت كشف الحساب اللي خبّوه عني سنتين… اكتشفت إنهم ما كانوش بيسرقوا أكل بيتي بس. … اكتشفت إنهم ما كانوش بيسرقوا أكل بيتي بس، بل كانوا بيسرقوا عمري، وشقايا، ويدفّعوني ثمن حياتي من دم قلبي، وأنا عمياء بحسن نيتي!
مسكت كشف الحساب اللي طبعه البنك إمبارح بالليل، وإيدي كانت بتترعش.. مش من الخوف، لكن من قسوة الحقيقة اللي ظهرت أخيرًا تحت نور ربنا. الشركات اللي كنت بشتغل فيها أونلاين بالليل وأنا عيني مقفولة من التعب عشان أوفر جنيه على جنيه، الدهب اللي بعته حتة ورا حتة وأنا بعيط وبقول “مهم فداء جوزي”، الأكل اللي كنت بتكسف أطلبه من أمي فكنت بأكل عيش حاف وأسيب لجوزي النبايت عشان يغذي صحته للغلُب والشقا.. كل ده كان مسرحية رخيصة، ومخرجها كان أقرب الناس ليا.
كشف الحساب كان فيه مفاجأة تُطير العقل: جوزي ما كانش بياخد مرتبه القليل اللي بيصرف منه بالعافية زي ما فهماني. جوزي كان عنده حسابين في البنك؛ حساب ظاهر بيحولي منه مصروف البيت الميت، وحساب سرّي مشترك مع أمه وأخته.. الحساب ده كان ينزل فيه شهريًا مكافآت وبونص ومبالغ ضخمة من شغله التاني اللي كان بيهرب له تحت مسمى “الورديات الإضافية اللي ما بتجيبش فلوس”.
مش بس كده! الحساب كان فيه تحويلات منتظمة بمبالغ كبيرة بياخدها من فلوس الجمعيات اللي كنت أنا بدخلها باسمي وبدفع أقساطها من شغلي الخاص، وكان بياخدها بحجة إننا بنسدد ديون الشقة.. وفي الحقيقة، الفلوس كانت بتروح مباشرة لدفتر توفير باسم أخته الصغيرة عشان يجهزها ويشتري لها شقة ملك! أما المكان التالت اللي روحتله الصبح وعمره ما تخيل إني أعرف عنوانه؟ كان الشقة التانية اللي اشتراها باسم أمه في العمارة اللي جنبنا.. الشقة اللي كانت حماتي بتملاها بكراتين التموين والسلع التموينية اللي بتجمعها من التموين بتاعي ومن جيران تانيين، وبتبيعها بالقطاعي للناس وللمطاعم الصغيرة وتعمل منها تجارة مقفولة لحسابها!
وقفت في نص الصالة، الشقة كانت فاضية والسكوت فيها ياعزف عزف جنائزي. ساعتها سمعت صوت مفتاح جوزي بيدور في الباب بسرعة وجنون. دخل وهو وشّه أصفر زي الليمونة، وعيونه بتطلع شرار وحقد، ووراه أمه ماشية بتتطوح وبتولول. زعق بصوت هز جدران البيت: — إنتِ اتجننتي؟! إزاي تروحي للبنك وتوقفي السحب؟! وإزاي تروحي لمكتب التموين وتعملي بلاغ في أمي بالتجارة في السوق السودا؟! أنتِ فاكرة نفسك مين عشان تقفلي الحساب وتفصلي كارتك عننا؟!
حماتي قربت مني بوشها المحروق من الغضب وقالت بصوت مليان زعيق: — يا قادرة! يا مفترية! جاية بعد سنتين أكل وشرب في بيتي وعزّي تروحي تبلغي عني وتقطعي عيشنا؟ بقى أنا أتحقق معايا في التموين بسببك إنتِ؟! بصيت ليهم الاتنين بهدوء مرعب.. الهدوء اللي بيسبق العاصفة. ابتسمت ابتسامة صديدية وجمعت كل قوتي وقربت منهم قلت لحماتي بمنتهى الثبات: — عزّك؟ أكل وشرب في بيتك؟ إنتِ نسيتي إن كيس الرز اللي طلبته منك من عشر أيام قلتِلي عليه خلص؟ نسيتي لما قلتِلي: «اتعلمي تدبري بيتك»؟ أهو أنا اتعلمت التدبير صح.. تدبير الأصول والفلوس وحقي اللي اتسرق!
وبصيت لجوزي اللي كان بيحاول يبلع ريقه لما شاف كشف الحساب والملف الأزرق اللي في إيدي: — وأنت.. يا أستاذ.. يا بتاع الورديات الإضافية والأقساط والمكافآت الموهومة.. فاكر إني هفضل عبيطة وبستلف من أمي عشان أوكّلك، وأنت بتبني مستقبل أختك وبتقّن شغل أمك بفلوس قهرتي ودهبي؟ جوزي اتهز، وصوته بدأ يوطى ويترعش وهو بيحاول يلحق المسرحية قبل ما تتهد: — يا بنت الناس افهمي.. الفلوس دي كانت شقايا، وأمي كانت بتشيلها لي، وأختي كان لازم نسترها.. إنتِ مراتي وعرضي، ليه بتفضحينا في المكاتب والبنك؟
رديت عليه وصوتي بيقطع السكوت زي المشرط: — اللي يسرق لقمة مراته من بقها وهو شايفها بتبيع دهبها وبتاكل عيش حاف، ما يعرفش يعني إيه عرض ولا أصول. فتحت الملف الأزرق وطلعت منه ورق رسمي وختم النسر: — دي إنذارات رسمية على يد محضر. الأولاني محضر باسترداد كامل الدهب المكتوب في القائمة الموثقة، والتاني بلاغ رسمي بالاستيلاء على أموالي في الجمعيات بدون وجه حق ومعايا التحويلات والأوراق.. والتالت؟ التالت إخطار برفع دعوى خلع ونفقة، وبلاغ للضرائب بالدخل الحقيقي بتاعك اللي كنت مخبيه!
حماتي صرخت: — يخرب بيتك! هتخربي بيت ابنك وتضيعي مستقبله؟! بصيت لها وقلت بمنتهى البرود: — البيت ده متخرب من أول يوم دخلت فيه وأنتِ فاكراه تكية لتجارتك، وابنك فاكرني خدامة بتدفع ثمن إقامتها. كرتونة التموين كانت أول الخيط، لكن الخيط كره كبير قوي وهتتدحرج فوق دماغكم أنتم الاتنين. سبتهم واقفين يتخانقوا مع بعض؛ هو بيلومها إنها طمعت في كرتونة التموين وفضحتهم أمام الجيران، وهي بتزعق له إنه ما عرفش يربط لساني ولا يسيطر عليا.
دخلت أوضتي، لميت كل هدومي، وحاجتي، والشهادات والأوراق المهمة في شنطة كبيرة. خرجت من باب الشقة من غير ما ألتفت ورايا ولا بكلمة واحدة زيادت. وأنا نازلة على السلم، سمعت صوت حماتي وهي بتصرخ للجيران إن التموين جه وياخدوا حاجتهم، بس المرة دي.. المرة دي المفتشين بتوع التموين كانوا واقفين تحت العمارة ومعاهم قوة من الشرطة بيفحصوا الكراتين اللي في الشقة التانية!
مشيت في الشارع وأنا حاسة إن الهوا بيدخل صدري لأول مرة من سنتين. الدهب والفلوس هيرجعوا بالقانون، لكن الأهم من الفلوس.. إن كرامتي وعقلي رجعوا لي، وعرفت إن الست لما تفوق، ما فيش ألاعيب في الدنيا تقدر تكسرها تاني.

