الساعة دقت اتنين بعد نص الليل، خط نور رفيع جاي من أباجورة الصالة ضارب على السرير. أنا كنت نايمة على جنبي، عاملة نفسي في سابع نومة ومفتحة عيني شرطة صغيرة أراقب بيها “السبع” بتاعي وهو بيخطط ليلته زي الحرامية.
المشهد بدأ لما حسام كان واقف في الدريسنج روم، عمال يحشي رزم الفلوس في الشنطة وهو فاكرني غيبت عن الوعي وخلاص رحت في دنيا تانية بسبب المنوم. صوت سوستة الشنطة الكبيرة وهي بتتفرد في وسط ضلمة الأوضة كان طالع زي كلاكيت النهاية لفيلم هابط عشنا فيه اتناشر سنة جواز. قمصان براندات، جواز السفر، الساعات الغالية اللي جيبه متعودش عليها غير من خيري، العقود، وظروف الفلوس.. كان بيلم كل حاجة يقدر يشيلها ويهرب بيها. الحاجة الوحيدة اللي ملمهاش ومسابهاش وراه هي بجاحته، دي كانت مغرقاه من ساسه لراسه!
الغبي كان فاكر إن كام نقطة من المنوم اللي حطها في كوباية البابونج خلتني في سابع نومة، ومكنش يعرف إني قبلها بعشر دقائق بالظبط بدلت الكوبايات، ودلقت البابونج بتاعه في قصر ديل النخلة اللي في البلكونة وشربت كوبايتي سادة.
من عاكس إزاز الدولاب، لمحت حركته الغبية وهو بيتحرك ببطء وعلى طراطيف صوابعه، وفاكر نفسه ذكي ومحصلش. على مدار اتناشر سنة جواز، حسام كان دايماً شايفني الست الطيبة، الهادية، اللي مبتتكلمش ومبتفهمش في الدنيا غير “حاضر ونعم”؛ وبنت الأصول اللي بتعدي بمزاجها عشان المركب تمشي. بس في الكام شهر الأخيرين، لما الريحة طلعت ومبقاش يهمه يداري قرفه مني، لسان زفر طلعله وبقى الرايحة والجاية يقولي: “يا فاشلة” و”يا خـ,ـايبة”. الساعة بقت اتنين وربع. قرب من السرير بخطوات ميتة، وطى عليا وبصلي بمسكنة مصطنعة وقال بصوت واطي: — “مسكينة يا مريم.. عمرك ما فهمتي حاجة، وعمرك ما هتفهمي”.
في اللحظة دي، شميت ريحة برفانه الغالي—البرفان اللي مش أنا اللي شرياه بفلوسي، البرفان اللي لقيت فاتورته مستخبية في جيب بديل لجاكيت البدلة السواريه، ومعاها كارت مكتوب عليه بخط ملزق اسم واحدة تانية: نيرمين علام. متحركتش ولا رمش فيا اتهز. حسام خرج من الأوضة على طراطيف صوابعه، وبعدها بثواني سمعت قفلة باب الشقة وصوت موتور عربيتو الجيب وهي بتبعد وتختفي في شوارع التجمع الفاضية.
أول ما الصوت مات تماماً، فتحت عيني على وسعها. منزلتش دموعة واحدة؛ أنا شبعت عياط وقهوة سادة من خمس شهور لما قفشت رسايل نيرمين على تليفونه. مكنتش رسايل حب وغرام، لأ، دي كانت خطة وندالة: حسابات، شركات وهمية، إمضاءات متزورة، وتريقة عليا عين عينك. الهانم كانت كاتبة له: “مريم مش حاسة بحاجة، لازم نفضيها من كل حاجة قبل ما تطلب الطلاق، وعقبال ما تفوق من الصدمة، هنكون بقينا في مدريد”.
قمت مشيت للمطبخ بخطوات ثابتة، ودلقت شاي حسام اللي برد في الحوض. بصيت من الشباك؛ برة القاهرة كانت نايمة في وسط الجو الساقع، وجوة بيتي كان واسع ومهجور، بس لأول مرة من سنين مخفتش من الوحدة. الساعة بقت اتنين وأربعين دقيقة. شاشة التليفون نورت في إيدي، كانت صورة مبعوتة واتساب. حسام ونيرمين واقفين في صالة مطار القاهرة، حاضنين بعض، وهي هانم زمانها، مبتسمة ولابسة نظارة شمس بالليل تحت لور صالة المطار وفاردا ضحكتها. وتحت الصورة رسالة مكتوبة بـ غل وشماتة:
“مع السلامة يا فاشلة، مسبتلكيش مليم.. لما تصحي الصبح مش هتلاقي لا بيت ولا شركة ولا مليم واحد في البنك”. المشهد يتصاعد بحبس أنفاس، واللحظة المفصلية دي هي اللي بتحدد الفرق بين ضحية وامرأة بتدير اللعبة في الخفاء. تكملة القصة: مسكت التليفون وإيدي حتى متهزتش. بصيت للصورة كويس، لضحكة نيرمين المستفزة تحت إضاءة المطار، ولنظرتها اللي فاكرة إنها كسبت بيها كل حاجة. ابتسمت ابتسامة هادية جداً، ابتسامة حد عارف حاجة هم لسه هيتفاجئوا بيها كمان شوية.
رديت على الرسالة بكلمة واحدة بس: “طريق السلامة يا حسام.. توصلوا بالسلامة.” قفلت شاشة التليفون، ورحت على المكتب الصغير اللي في زاوية الأوضة. فتحت الدرج السري، وطلعت منه اللاب توب وفلاشة صغيرة، ومعاهم دوسيه أسود تقيل. حسام بذكائه المحدود كان فاكر إن الـ 12 سنة اللي فاتت كانوا مجرد “ست طيبة ومبتفهمش في الشغل”. نسى إن أبايا الله يرحمه هو اللي أسس الشركة، وإن كل القرارات المهمة والعقود الكبيرة أنا اللي كنت براجعها بنفسي قبل ما هو يوقعها. نسى إن “الفاشلة” دي هي اللي كانت المايسترو الحقيقي ورا كل جنيه عمله.
فتحت اللاب توب وشغلت الفلاشة. من خمس شهور، لما قريت أول رسالة بينه وبين نيرمين، مروحتش واجهته ولا صرخت. عملت حاجة أنفع بكثير: كلمت المحامي بتاعي، واستعنت بمهندس تقني شاطر، وبدأنا نلعب اللعبة على أصولها. كل حركة حسام عملها في الكام شهر اللي فاتوا كانت متراقبة. الفلوس اللي كان بيحولها لحسابات وهمية؟ الأوراق الأصلية بتاعتها معايا. إمضاءاتي المتزورة؟ البلاغ عنها متقدم للنائب العام من أسبوع، ومعاه تقرير أبحاث التزييف والتزوير.
أما الشنطة التقيلة اللي لم فيها الفلوس والساعات والعقود وعاش بيها دور الحرامي السريع… الفلوس دي كانت مجرد رزم ورق مطبوعة بدقة، والعقود اللي خدها كانت صور غير موثقة، والساعات؟ تقليد مفيش أرخص منه. الأصل كله في خزنة آمنة في البنك باسمي أنا بس. الساعة جابj تلاتة وتلت الصبح. تليفوني رن، كان المحامي الأستاذ حازم. “ألو.. أيوة يا أستاذ حازم؟” “صباح الخير يا مدام مريم. للأسف الأستاذ حسام والنيرمين وصلوا المطار، وبيدخلوا منطقة الجوازات دلوقتي.”
“مش للأسف ولا حاجة يا أستاذ حازم.. ده الوقت المضبوط. الضابط على بوابة الجوازات عنده القرار؟” “تماماً. أسباب المنع من السفر وأمر الضبط وإحضار في قضايا اسـ,ـتيلاء وتـ,ـزوير جاهزين، والشرطة بتبلغهم القرار حالياً على بوابات الخروج للمطارات.” قفلت الخط، ورجعت وقفت جنب الشباك. هواء التجمع الساقع كان بيدخل من الفتحة الصغار بتاعت البلكونة، بس لأول مرة أحس إن البيوت المقفولة في الضلمة دي مش يخوف، وإن البيت اللي هرب منه ده بيلفظ القـ,ـرف اللي كان فيه.
بعد ربع ساعة بالظبط، التليفون بدأ يرن.. الاسم على الشاشة: “حسام”. سبته يرن.. مرتين.. تلاتة.. أربعة.. وفي المرة الخامسة فتحت السبيكر وركنت التليفون على الترابيزة.
