منوعات

الساعة دقت اتنين بعد نص الليل

صوته كان طالع مخنوق، متوتر، مشتت، وفي خلفية الصوت صفارات المطار ودوشة ناس: “مريم! مريم ردّي عليا! إيه الجنان اللي بيحصل ده؟! في بكس شرطة واقف، والضباط ماسكين جوازاتنا وبيقولوا منع من السفر وأمر نيابة! أنتِ عملتي إيه يا مريم؟!” سكتّ ثواني، أخدت نفس هادي، ورديت بصوت أهدى من صمت الليل: “مسكين يا حسام.. عمرك ما فهمت حاجة، وعمرك ما هتفهم. الفاشلة بتمسّي عليك وبتقولك: مدريد بعيدة أوي عليك يا ابن الأصول.. والبوكس اللي مستنيك برة المطار، ده حجز في حتة تانية خالص.”

قفلت السكة في وشه، وبلكت الرقم. الساعة دقت تلاتة ونص الصبح.. وشمس يوم جديد كانت بتبدأ تتسلل بخيوط بيضا في السماء، معلنة إن الكابوس انتهى، وإن الصباح أخيراً جه. كملي القصة دي وخليها مشوقة وممتعة وطويلة. الأستاذ حازم المحامي مكدبش خبر؛ قبل ما عقرب الساعة يتحرك دقيقة واحدة، تليفوني نور تاني. المرة دي مكنش اتصال، كان فيديو مبعوت من رقم غريب. فتحته وأنا سانة ضهري على رخامة المطبخ، وبشرب بق مية ساقعة يبل ريقي اللي نشف من فرط الإثارة.

الفيديو كان متصور من بعيد، غالباً من موبايل واحد من أفراد الأمن اللي الأستاذ حازم مضبط معاهم الكلام. المشهد كان سينمائي بامتياز: حسام واقف في وسط صالة المطار، وشّه قالب ألوان، جاكيت البدلة السواريه اللي كان متشيك بيه ملوح على كتفه، والشنطة الكبيرة اللي تعب في حشوها مرمية على الأرض ومنفتحة نص قفلة. وجنبه نيرمين علام، الهانم اللي كانت لابسة نظارة شمس بالليل، النظارة كانت وقعت على الأرض ووشها خالي تماماً من أي مظهر للنداوة أو الشماتة؛ ملامحها كانت مرعوبة، وهي بتزعق في عسكري الجوازات وب تشوح بإيديها وتزعق: “أنتم مش عارفين أنا مين؟ دي حسابات شركاتنا!

إحنا مسافرين تبع بيزنس!” الضابط اللي واقف ببرود قـ,ـاتل أشار بإيده لاتنين أمناء شرطة. في ثانية واحدة، الكلبشات حديدها لمع تحت لور الصالة، واتقفلت على إيدين “السبع” وإيدين الهانم. الفيديو خلص هنا، بس المتعة الحقيقية كانت لسه بتبدأ في بيتي. الفصل الثاني: جرد الحساب الساعة بقت أربعة الفجر. الجو برة بدأ يقلب بـ ضباب خفيف، صمت التجمع الخامس في الوقت ده بيبقى مرعب، بس جوايا كان فيه مزيكا شغالة.

قعدت على مكتب حسام—اللي مبقاش مكتبه خلاص، لأن الشقة بالفيلا بالشركة بالنشاط كله مسجل باسم “شركة مريم الشناوي للاستثمار”، وهي الشركة الأم اللي هو كان فاكر نفسه شريك فيها بعقد أنا اللي مضيت عليه… قصدي، هو اللي مضى عليه ومخدش باله من البند رقم (٩) المكتوب بخط مجهري: “يحق للطرف الأول فسخ العقد بأثر رجعي في حال ثبوت اختلاس أو إضرار بمال الشركة دون الحاجة لإنذار”.

فتحت اللاب توب التاني، وبدأت أتابع الحسابات البنكية. حسام كان فاكر إنه عبقري لما حول ٤٥ مليون جنيه على حساب “شركة نيرمين للاستيراد والتصدير” في بنك برة مصر. اللي ميعرفوش، إن الحساب ده تم تجميده احترازياً بقرار قضائي مستعجل صادر من نيابة الأموال العامة الساعة واحدة الضهر إمبارح، بناءً على بلاغ التزوير والتحويلات المشبوهة اللي قدمناه. يعني الفلوس دخلت الحساب، بس متجمدة، ومستنية أمر الرد.

أما الشنطة اللي معاه؟ فتحت كاميرا المراقبة المخفية اللي كنت زرعاها في الدريسنج روم من أسبوعين. اتفرجت على الإعادة وهو بيحشي رزم الفلوس. كنت بضحك بصوت عالي في وسط الضلمة. الفلوس دي كانت “بونبونيوني”؛ رزم ورق كوتشينة مطبوع عليها وش ومضمومة بجلدة بنك حقيقية أنا اللي حطاها له عشان يبلع الطعم. والساعات الـ Rolex والـ Patek Philippe؟ شيلتهم من علبهم القطيفة وحطيت مكانهم نسخ “هاي كوبي” من العتبة بـ ٢٠٠ جنيه الساعة. الأصل كله متشال في خزنتي الخاصة.

الفصل الثالث: الانهيار التام على الساعة خمسة ونص الصبح، النور بدأ يشقشق. تليفوني رن تاني، بس المرة دي الرقم كان من “قسم شرطة النزهة”. رديت بنبرة صوت مكسورة، هادية، مفيهاش أي شـ,ـماتة عشان المكالمات دي ساعات بتتسجل: “ألو؟ أيوة يا فندم.. أنا مريم الشناوي.” “معاكي الرائد أحمد من قسم النزهة يا مدام مريم. عندنا هنا المدعو حسام (…) والمدعوة نيرمين (…) مقبوض عليهم بناءً على أمر ضبط وإحضار في القضية رقم (…) تزوير واستيلاء. المتهم طالب يتصل بيكي وبيقول إن الموضوع سوء تفاهم وعائلي.”

“سوء تفاهم؟” اتنهدت بتمثيل متقن، “يا فندم ده سـ,ـرق شقى عمري وهرب. أنا جاية حالاً ومعايا المحامي والأوراق الأصلية.” لبست هدومي بروقان. اخترت تايير أسود شيك جداً، وحطيت روج أحمر غامق، ولميت شعري لورا. مكنتش رايحة قسم شرطة، أنا كنت رايحة حفلة تخرجي من ١٢ سنة من السذاجة. ركبت عربيتي، وطول الطريق كنت مشغلة أغنية قديمة لأم كلثوم، وبصيت في المراية.. الست الخايبة، الفاشلة، اللي مكانتش بتفهم، ماتت مع كوباية البابونج الملوثة بالمنوم. اللي سايقة العربية دلوقتي هي مريم الشناوي، سيدة الأعمال اللي هتعلم السوق كله يعني إيه “لعب كبار”.

الفصل الرابع: المواجهة الأخيرة لما دخلت مكتب رئيس المباحث، الريحة كانت ريحة سجاير وشاي مغلّي. حسام كان قاعد على كرسي خشب، هدومه متبهدلة، ووشه أصفر زي الليمونة الدبلانة. ونيرمين كانت قاعدة في الزاوية، بتعيط بـ هيرتيريا، وماسكا كلينكس بتمسح بيه الكحل اللي ساح على وشها وبقا شكلها زي زومبي في فيلم رعب رخيص. أول ما حسام شافني، وقف وصرخ وهو بيحاول يقرب مني بس العسكري منعه: “مريم! حرام عليكي الشو ده! قولي لهم إن الفلوس دي فلوسنا، وإن الشنطة دي حاجتنا! العقود دي صحيحة يا مريم.. قولي لهم إنك أنتِ اللي مضيتي!”

قعدت على الكرسي اللي قدام الضابط بكل برود، وطلعت من شنطتي الـ Chanel دوسيه جلد وفلاشة، وحطيتهم على المكتب: “يا فندم، دي العقود الأصلية للشركة، وده تقرير خبير الخطوط المعتمد من وزارة العدل بيثبت إن التوقيعات اللي على عقود التنازل اللي مع الأستاذ حسام مزورة بالكامل، وتوقيعه هو ونيرمين واضحين في نقل الأصول لحساباتهم الشخصية. وادي فلاشة عليها تسجيلات كاميرات المراقبة وهو بيسـ,ـرق محتويات الفيلا بالليل وأنا نايمة بعد ما حط لي منوم في العصير.”

حسام عينيه كانت هتطلع من مكانها: “منوم إيه؟ أنتِ شربتي البابونج كله قدامي!” “لأ يا حبيبي..” ابتسمت له نص ابتسامة، “أنا بدلت الكوبايات. البابونج بتاعك هو اللي نزل في قصر الزرع.. وعمومًا، التحليل الجنائي للشنطة اللي معاك هيثبت إن الفلوس اللي فيها ورق كوتشينة، والساعات مضـ,ـروبة. يعني فوق التـ,ـزوير والاستـ,ـيلاء، أنت كمان خايب في السـ,ـرقة!” نيرمين صرخت بصوت مسرسع: “أنتِ دمرتينا! أنا خسرت شركتي وحساباتي اتقفلت! حسام.. اتصرف! مش أنت قلت لي إنها حمارة ومبتفهمش حاجة؟!”

حسام حط راسه بين إيديه وبدأ يعيط بدموع حقيقية، دموع الندم على الخسارة مش على الذنب. بص لي بنظرة انكسار وقال بصوت مبحوح: “١٢ سنة جواز يا مريم؟ بتهديهم في ثانية؟” وقفت، عدلت الجاكيت بتاعي، وبصيت له من فوق لتحت بـ قرف: “الـ ١٢ سنة أنت اللي هديتهم لما فكرت إن طيبتي وأصلي غباء. الفاشلة اللي كنت بتتريق عليها، هي اللي صممت لك الطعم اللي بلعته بمزاجك. طريق السلامة يا حسام.. أنت والهانم. النيابة ه تتكفل بالباقي.”

خرجت من القسم وشمس النهار كانت بقت في وسط السماء. الهوا كان نظيف وصافي. ركبت عربيتي، وطلعت على شركتي.. الشركة اللي كبرت بفلوسي وتعب وأب ويا، واليوم، لأول مرة، هدخلها وأنا الكل في الكل، ومن غير أي “حرامي” يشاركني اللقمة. ‫

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى