: الهدوء الذي يسبق العاصفة مرّ الأسبوع وكأنه دهر، لكنه بالنسبة لي كان أسبوع “التطهير”. في كل ليلة، كنت أنتظر حتى يغط طارق في نومه العميق، ويملأ شخيره الأناني غرفتنا، لأتسلل أنا إلى مكتب أبي. كنت أمسك بقلمه السيراميك، وأتأمل صورته هو وأمي، وأقول في نفسي: “حقكما سيعود، وبيت الغالي لن يلمسه نجس”.
الأستاذ رفعت، ذلك الثعلب العجوز الذي كان يرتدي نظارة طبية سميكة تفوح منها رائحة سجائر المارلبورو وقضايا التعويضات الكبرى، لم يكن مجرد محامٍ؛ كان جراحاً قانونياً. عندما التقيت به في مكتبه بوسط البلد في اليوم التالي، ونشرت أمامه مسودة العقد التي سـ,ـرقتها من البرنتر، ابتسم ابتسامة غامضة، وقال لي بصوت أجش: — “يا أسماء يا بنتي.. القانون لا يحمي المغفلين، لكنه يفتح ذراعيه للأذكياء. زوجكِ المحاسب ظن أنه ذكي لأنه يعلم أرقام البنوك، لكنه نسي أنني أستاذ القانون الذي علم أساتذته.”
وضع الخطة بدقة متناهية، خطة تعتمد على “الإيقاع بالصيد وهو يظن أنه الصياد”. طلب مني شيئاً واحداً: “التمثيل المتقن.. أريدكِ باكية، مستسلمة، منكسرة حتى اللحظة الأخيرة”. طوال الأسبوع، كنت أتحرك في المنزل كشبح مكسور. لم أضع كحلاً في عيني، وارتديت عباءة سوداء فضفاضة، وكنت إذا تحدث معي طارق، أجيبه بصوت منخفض مرتعش: “حاضر يا طارق.. اللي تشوفه”. طارق كان ينتشي برؤيتي هكذا؛ الجبـ,ـروت في عينيه زاد، وبدأ يتعامل في البيت وكأنه “الفتوة” الذي روّض شرسة. اتصل بأخته شيرين وقال لها في الهاتف وأنا أسمع: “جهزوا الحلاوة يا شيرين.. البطة استسلمت وهتمضي الجمعة، والبيت بقى ملكك برخص التراب”.
الفصل الثاني: طبخة الجمعة الأخيرة جاء يوم الجمعة المنتظر. كان الجو حاراً وخانقاً، لكن قلبي كان بارداً كالثلج. حضر “الوفد الكريم” مبكراً في تمام الواحدة ظهراً بعد صلاة الجمعة. الحاجة إجلال دخلت العمارة وهي تتفحص الجدران وكأنها أصبحت المالك الفعلي، وشيرين كانت تصطحب معها زوجها “ممدوح” الكسلان، الذي لا يعمل، وجاء ليضمن نصيبه من المولد. أنا، ومن وراء الأقنعة، كنت قد طبخت لهم “وليمة” تليق بالوداع. صواني الرقاق باللحمة المفرومة، والبط المحمر، والمحاشي التي تنبعث منها رائحة السمن البلدي. كانوا يأكلون بنهم، يتحدثون عن التعديلات التي سيجرونها على بيت أبي، وشيرين تقول وهي تمضغ الطعام:
— “أنا شايفة إننا نهد الحيطة اللي بين الصالون والحوش ونعملها زجاج سيكوريت.. والليمونة دي ملهاش لزمة، بتقطع النور وبالمناسبة بتجيب دبان، نقطعها أحسن!” كتمت غيظي، ونظرت إلى شجرة الليمون من الشباك، وقلت في سري: “بل رقابكم هي التي ستقطع اليوم من جذورها”. بعد الأكل، غسلت يدي ودخلت الصالون. طارق كان قد وضع الملف على الطاولة الخشبية الكبيرة، وبجانبه قلم حبر أزرق، وجلس وفرد ظهره كرئيس مجلس إدارة. — “يلا يا أسماء.. عشان نخلص الإجراءات، المحامي بتاعي زمانه على وصول ومعه الموثق عشان نخلص كل حاجة قانوني وبسرعة.” قال طارق بنبرة آمرة.
وقفت ودموعي (التي تدربت عليها) تنهمر: — “يا طارق، أنا هتمم البيع زي ما اتفقنا بأربعة مليون ونص، بس أنا ليا شرط واحد عشان قلبي يرتاح.. أنا مش عايزة فلوس كاش في إيدي، أنا عايزة الفلوس تتحول من حساب شيرين لحسابي أنا الشخصي، مش الحساب المشترك.. عشان أضمن إني أشتري شقة تانية باسمي.” طارق ضحك بسخـ,ـرية ونظر لأمه وقال: — “ماشي يا ستي.. مفيش مشكلة. شيرين هتمضي على شيك مقبول الدفع، وأنا هسحب الفلوس من حسابنا المشترك اللي فيه تحويشتنا وندخلها في حساب شيرين عشان تبان حركة بنكية شرعية للبيع.. يعني لفة بنكية بسيطة، إحنا بتوع حسابات ونفهم في ده.”
كنت أعلم طبعاً أن حسابنا المشترك يحتوي على 5 ملايين جنيه، وهي تحويشة عمري وعمره، وذهبي الذي بعته، وشقائي معه طوال 7 سنوات. كانوا يظنون أنهم سيأخذون الـ 4.5 مليون من حسابي المشترك ليعطوها لي في حسابي الخاص، وبذلك أكون قد بعت بيت أبي بـ “صفر” جنيه من جيوبهم! الفصل الثالث: دخول “الثعلب” ومفاجأة الماتش في تمام الساعة الرابعة، رن جرس الباب. طارق قام يفتح وهو يبتسم: “أهو المحامي والموثق شرفوا”.
لكن الصدمة الأولى بدأت عندما فتح الباب.. لم يكن المحامي الشاب الصغير الذي يتلاعب به طارق، بل كان الأستاذ “رفعت بيك” ومعه اثنان من المساعدين الأشداء، وفي يد كل منهما حقائب جلدية سوداء. دخل الأستاذ رفعت بهيبته، ونظر إلى الحضور وقال بصوت جهوري: — “السلام عليكم.. أنا المحامي الوكيل عن السيدة أسماء هشام.” طارق تراجع خطوة للخلف، وتغيرت ملامحه: — “محامي؟ محامي مين؟ وإيه اللي جابك هنا يا أستاذ؟ إحنا متفقين على محامي تاني يخلص الموضوع ودي بين العيلة!”
جلس الأستاذ رفعت على المقعد الرئيسي، ووضع ساقاً فوق أخرى بكل برود، وقال: — “الموضوع خرج من دائرة الود والعيلة يا أستاذ طارق.. من فضلكم، كل واحد يقعد عشان الكلام اللي جاي بفلوس، وبفلوس كتير أوي.” الحاجة إجلال وقفت وزعقت: — “جرى إيه يا أسماء؟ أنتي جايبة لنا راجل غريب يدخل بيتنا ويهددنا؟ أنتي مش هتمضي ولا إيه؟” نظرتُ إليها، ومسحت دموعي فجأة، وابتسمت ابتسامة باردة لم يروها على وجهي قط طوال سبع سنوات. جلست بجانب الأستاذ رفعت وقلت:
— “لا يا حماتي.. أنا مش هقعد أمضي.. أنا هقعد أتفرج.” الأستاذ رفعت أخرج من حقيبته الحزمة الأولى من الأوراق وقال بصوت هادئ ومزلزل: — “أولاً: بخصوص الحساب البنكي المشترك في بنك مصر.. هذا الحساب تم تجميده ووقف التعامل عليه بناءً على طلب رسمي وشكوى بوجود شبهة تبديد أموال قاصرة، وتم نقل كافة المبالغ التي ثبت بالدليل القاطع أنها تخص السيدة أسماء من إرث والدها ومن حصيلة بيع مصوغاتها الذهبية (بموجب فواتير الصاغة التي قدمناها) إلى حسابها الخاص.. الحساب المشترك الآن يا أستاذ طارق فيه بالضبط… 14 جنيه و50 قرش.. تقدر تسحبهم لو تحب.”
طارق جن جنونه، ووشه اصفر كاللّيمونة: — “أنتي بتقولي إيه؟ أنتي اتهبلتي؟ الفلوس دي شقايا وعمري ومكتبي!” الأستاذ رفعت قاطعه بضـ,ـربة بيده على الطاولة هزت الفناجين: — “اسمعني للاخر يا محاسب يا فاشل! مكتب المحاسبة بتاعك؟ ده البند التاني.. قدمنا للمحكمة الاقتصادية السجلات والتحويلات وفواتير بيع الذهب التي تثبت أن رأس مال المكتب بالكامل تم تمويله من أموال السيدة أسماء، ورفعنا دعوى بطلب فرض الحراسة القضائية على المكتب وإثبات الشراكة بالنصف بأثر رجعي مع طلب خبير لفحص دفاتر الأرباح اللي كنت بتخبيها عنها!”
الفصل الرابع: انهيار الأقنعة شيرين بدأت تصرخ: — “والبيت؟ بيت المعادي؟ العقد بتاعي فين؟” التفت إليها الأستاذ رفعت بابتسامة ساخرة: — “بيت المعادي يا مدام شيرين.. ده بقى المفاجأة الكبرى. موكلتي أسماء قامت صباح أمس بتسجيل البيت بالكامل كـ ‘وقف خيري’ لجمعية رعاية الأيتام، مع الاحتفاظ بحق المنفعة والإقامة لها طوال حياتها.. يعني البيت ده لا ينفع يتباع، ولا يتمضي عليه تنازل، ولا يتدخل في ورث، ولا شيرين ولا طارق ولا حتى المحكمة تقدر تأخد منه حجر واحد.. البيت ده محمي بقوة القانون الإلهي والقانون المدني!”
طارق هجم عليا وهو يصرخ كالوحش الجريح: — “أنتي طالق! طالق بالثلاثة يا أسماء! وورقة طلاقك هتوصلك.. ومش هتشوفي مني مليم واحد وهرميكي في الشارع!” لم أهتز، ولم تدمع عيني. وقف المساعدان الأشداء للأستاذ رفعت وحجبا طارق عني تماماً. أخرج الأستاذ رفعت الورقة الأخيرة وقال: — “كنا عارفين إنك هتقول كدة.. اتفضل، ده إعلان بدعوى طلاق للضرر أقامتها السيدة أسماء ضدك بسبب سوء المعاملة والإكـ,ـراه والتهـ,ـديد.. وبناءً على قانون الأحوال الشخصية، وبما إنك طلقتها غيابياً أو شفوياً الآن، فإحنا بنطالب بمؤخر الصداق المكتوب في العقد (200 ألف جنيه)، ونفقة متعة سنتين، ونفقة عدة.. والأهم من ده كله..”
أخرج الأستاذ رفعت ورقة صغيرة من جيبه وقال بخبث: — “ده محضر رسمي تم تحريره في قسم شرطة المعادي برقم 4521 إداري، ومثبت فيه شهادة اثنين من الجيران سمعوا صوت تهديدك لها بالمرمط في المحاكم ورميها للكلاب في الشارع.. المحضر ده مرفق بيه فلاشة عليها تسجيل صوتي كامل لجلستكم المباركة يوم الجمعة اللي فاتت وأنت بتقول لها: ‘ورجلك فوق رقبتك’.. ودي جريمة سب وقذف وتهديد يعاقب عليها القانون بالحبس.” الفصل الخامس: خروج الغالية من بيت الغالي
الصالون تحول إلى ساحة من الصراخ والعويل. الحاجة إجلال لطمت على خديها وهي تقول: “خـ,ـربتي بيت ابني يا فاجـ,ـرة! ضيعتي شقى عمرنا!” وشيرين زوجها أخذها من يدها وجرها للخارج وهو يشتمها ويقول: “أنتي وأهلك ضيعتونا.. أنا إيه اللي جابني معاكم!” أما طارق، فكان يجلس على الأرض مذهولاً، ينظر إلى الحوائط التي كان يظن أنه امتلكها، وإلى الأوراق التي تحولت إلى مشانق حول رقبته. لم يعد ذلك الرجل ذو العينين التي فيها جبروت؛ بدا قزماً، صغيراً، تافهاً.
وقفتُ بكل ثبات، نظرت إليهم جميعاً وقلت بصوت قوي هز أركان الصالة: — “البيت ده أبويا وأمي شقيوا فيه عشان يحموني من غدر الزمن.. وغدر الزمن كان أنت يا طارق. الست الأصيلة هي اللي تصون اللي صانها، مش اللي تبيع دم قلبها لواحد عايز يدبـ,ـحها. شلتكم في عيني لما كنتم محتاجين، ولما شبعتم اتمرتم.. اخرجوا برة بيتي.. برة بيت الغالي.. ورجليكم فوق رقبتكم!” خرجوا يجرون أذيال الخيبة والفضـ,ـائح أمام الجيران الذين تجمعوا على صوت صراخهم.
التفتُّ إلى الأستاذ رفعت وشكرته بحرارة، فابتسم وقال: “والدك كان رجلاً عظيماً يا أسماء، وأنتِ اليوم أثبتِ أنكِ ابنته حقاً”. بعد أن غادر الجميع، مشيت في ردهات البيت وحدي. دخلت المطبخ، ولمست حلل أمي، ثم ذهبت إلى مكتب أبي، وأمسكت بقلمه السيراميك وقبلته. خرجت إلى الحوش، ووقفت تحت شجرة الليمون، وتنفسيت بعمق لأول مرة منذ سبع سنوات.. الهواء كان نقياً، ورائحة الليمون كانت تفوح في الأرجاء، وكأن روح أبي وأمي تبتسم لي وتقول: “برافو يا أسماء.. صنتي الأمانة”.