(الجزء الثاني) زلزال خلف الكواليس المداولة ما كانتش مجرد وقت القاضي بيراجع فيه الورق، دي كانت أطول نصف ساعة في حياة كريم. في الممر برا القاعة، كانت الدنيا مقلوبة. الصحفيين اللي كانوا جايين يصوروا “انكسار الزوجة المستسلمة” بقوا بيجروا ورا كريم ومحامينه. الفلاشات كانت بتنور في وشه وهو مخضوض، مش عارف يداري وشه فين. يارا اختفت تماماً، تليفونها اتقفل، وكأنها فص ملح وداب؛ الست اللي كانت بتتنطط بحبه، أدركت في ثانية إن المركب بتغرق، وقررت تنط منها قبل ما تاخدها للقاع.
أنا كنت قاعدة على دكة خشب في نهاية الممر، حاضنة التوأم، يوسف وآدم. كانوا بيبصوا حواليهم ببراءة مش فاهمين الخناقة دي على إيه، بس حاسين بإن أملهم في الأمان راجع. قرب مني المحامي الكبير بتاع كريم، “عادل بيه”، راجل شعر راسه كله أبيض وثعلب في القانون. وقف قدامي، ونبرة السخرية اللي كانت على وشه جوا القاعة اختفت، وحل مكانها نبرة “بيزنس” هادية: — أستاذة أميرة… إحنا ممكن نحل الموضوع ده ودي برة القاعة. كريم مستعد يتنازل عن قضية الحضانة تماماً، ويديكي مؤخر الصداق والنفقة اللي تطلبيها، قصاد إننا نعمل تسوية في موضوع الشركة. بلاش نهد كل حاجة في لحظة غضب.
بصيت له وابتسمت بثقة: — لحظة غضب؟ أنا بقالي خمس سنين بترتبوا لللحظة دي يا عادل بيه. خمس سنين وكريم بيقنعني إني ولا حاجة، وإني عايشة بفضله وفضل فلوسه. دلوقتي لما القناع وقع، جايين تتكلموا عن الحل الودي؟ أنا مش هقبل بأقل من حقي الكامل. الشركة دي بتاعتي، وشقايا، وفلوس أبويا الله يرحمه. النطق بالحكم: سقوط العرش رن جرس المحكمة، والكل رجع مكانه. كريم دخل القاعة وهو بيكلم نفسه، هدومه المترتبة بقت متبهدلة، وعينيه حمرا من الصدمة والغل.
وقفنا قدام المنصة. القاضي عدل نظارته، وبدأ يقرا الحكم بصوت جهوري هز الحيطان: “حكمت المحكمة علنياً وبإجماع الآراء: أولاً، إبطال كافة العقود والتنازلات الخاصة بنقل أسهم شركة ‘كريم للخدمات اللوجستية والنقل’ واعتبارها كأن لم تكن، وإعادة قيد الشركة باسم المؤسس الأول ‘أميرة حسن الشافعي’ بكامل ممتلكاتها وأصولها.” القاغة اتهزت بالهمهمات. كريم صرخ بصوت مكتوم: “لأ! مش ممكن!”، بس القاضي كمل بدون ما يلتفت له: “ثانياً: إسقاط حق الحضانة عن الأب لعدم الأهلية النفسية والاجتماعية، وتثبيت الحضانة الكاملة للأم، مع إلزام المدعى عليه بدفع نفقة شهرية…”
كريم رجع لورا خطوتين، ومحامينه مسكوه قبل ما يقع. بصلي ونظراته كانت بتتحول من الصدمة لغل أسود. همس وهو بيجز على سنانه: — مش هسيبك يا أميرة… هحرق الأخضر واليابس ومش هتاخدي مني مليم واحد صاحي. اللعب في الخفاء: خطة كريم الأخيرة مر أسبوع على الحكم. استلمت الشركة رسمياً. الموظفين اللي كانوا بيبصولي زمان على إني “مدام كريم” اللي بتيجي تزور المكتب في المناسبات، بقوا بيبصولي بهيبة وخوف. بس كريم مكنش راجل سهل، كان زي الديب الجريح، والديب الجريح بيبقى أخطر وهو بينزف.
في يوم، وأنا قاعدة في مكتبه القديم—اللي بقى مكتبي دلوقتي—دخل عليّ “سامح”، المدير المالي للشركة، ووشه تحت تأثير صدمة مرعبة: — أستاذة أميرة… إحنا في كا.رثة. كريم مكنش بيضيع وقت الأسبوع اللي فات. وقفت بقلق: — في إيه يا سامح؟ انطق! سامح حط ملفات على المكتب وقال: — كريم استغل إنه لسه معاه الأكواد السرية لبعض الحسابات الفرعية في البنوك برة مصر، وقبل ما نغير التوقيعات البنكية بـ 24 ساعة، سحب سيولة ضخمة جداً من حسابات المشروعات القائمة. مش بس كده… ده مضى عقود توريد وهمية مع شركات مجهولة في السوق، وحط شروط جزائية بالملايين لو إحنا منفذناش!
سندت على المكتب وأنا حاسة بنبضات قلبي بتسارع: — يعني إيه؟ سامح بلع ريقه: — يعني هو سابلك الشركة عبارة عن هيكل فاضي مديون بالملايين. لو العقود دي اتنفذت بالشروط الجزائية، الشركة هتشهر إفلاسها خلال شهر واحد، وإنتي اللي هتتحملي المسؤولية الجنائية بصفتك المالك الفعلي دلوقتي! المواجهة في الشقة القديمة تليفوني رن في نفس اللحظة. كان كريم. رديت بصوت حاولت أخليه قوي: — عايز إيه يا كريم؟ سمعت ضحكته الخبيثة المستفزة المستمتعة:
— ها يا ميرو؟ عرفتي المفاجأة؟ أنا قولتلك مش هتنولي منها جنيه. أنا اللي عملت الاسم ده، وأنا اللي ههده. قدامك حل من اتنين: يا تنازليلي عن 51% من الأسهم وترجعيلي الإدارة، وأنا هحل العقود دي وأرجع السيولة… يا إما تشوفي نفسك في السجن بتهمة النصب والتعثر المالي. معاكي 48 ساعة تفكري. قفل السكة في وشي. الدنيا اسودت في عيني للحظات. هل فعلاً هخسر كل حاجة بعد ما كنت فاكرة إني كسبت؟ بصيت لصورة ولادي على مكتبه، وحسيت بنار جوايا. أنا مش الست الضعيفة بتاعة زمان.
كلمت محاميّ الخاص، وطلبت منه يجمعلي كل ملفات “يارا”. — يارا؟— سألني المحامي باستغراب. قلت له: — أيوا، يارا. كريم مبيشتغلش لوحده، ويارا كانت مديرة العلاقات العامة وكاتمة أسراره، ومستحيل تكون سابته ببساطة من غير ما تأمن نفسها. فتش ورا حساباتها، وورا العقود الوهمية دي… كريم غبي لما بيفرح، وأكيد ساب وراه خيط. المفاجأة المدوية بعد 24 ساعة من البحث والتحري، المحامي كلمني وصوته فيه نبرة انتصار: — أميرة هانم… إنتي مش هتحتاجي الـ 48 ساعة بتوع كريم. إحنا لقينا ثغرة تدمره تماماً.
يا ترى أميرة لقت إيه في ملفات يارا؟ وكيف هتقلب الطاولة على كريم للمرة الثانية وتنقذ شركتها من الإفلاس؟ تابع الجزء الثالث…