منوعات

دي عق.يمه

طول الليل ما ذقتش طعم النوم. إيدي كانت بتترعش وكل ما أفتكر صوت البنت بتاعة المعمل وهي بتقولي: “في حاجة خطيرة جداً حصلت في ملف حضرتك”، جسمي كله ينمل. كنت قاعدة على طرف السرير، وبصيت لكريم وهو نايم جنب هادي ولا كأنه لسه كاسر خاطري قدام أهله كلهم ومخلي سلفتي ريهام تنهش في عرضي وكرامتي. ساعتها أدركت إن الوجع مش بس من ريهام، الوجع الأكبر من السكوت اللي سكته كريم.

أول ما الشمس طلعت، لبست وطرحتي على وشي ونزلت من غير ما أصحيه. كنت حاسة إن أقدامي هي اللي بتجرني للمعمل، ومشيت في الشوارع وأنا قلبي بيدق زي الطبول. وصلت المعمل، ودخلت لموظفة الاستقبال، قلت لها بصوت مخنوق ومجهد: أنا نور… كلمتوني إمبارح بالليل وقلتولي أجي ضروري. الموظفة أول ما سمعت اسمي، أعدلت في قعدتها ووشها اتغير، وقالتلي بسرعة: اتفضلي معايا يا مدام نور، مدير المعمل مستني حضرتك في مكتبه.

دخلت المكتب، كان فيه راجل كبير في السن، دكتور المعمل، باين عليه التوتر والقلق. قام وقف وقالي: اتفضلي يا مدام نور، اقعدي. أنا مش عارف أبدأ مع أختك إزاي، لكن الأمانة المهنية والأخلاقية بتفرض عليا أقولك الحقيقة، والخطأ اللي حصل هنا لازم يتصلح. قلتله وأنا جسمي كله بيلتف ورعشة في إيدي: حقيقة إيه يا دكتور؟ سلفتي ريهام جابتلي النتيجة الأسبوع اللي فات وقالت إن الدكتور كاتب إن فرص الحمل شبه معدومة وإن عندي عقم!

الدكتور هز رأسه بنفي شديد وقال: ريهام مش أختك ولا بتتمنالك الخير يا مدام نور… الأسبوع اللي فات، ريهام جت المعمل هنا قبل ما حضرتك تجيستلمي التحاليل بساعة، واستغلت إن الموظفة الجديدة كانت واقفة، ودخلت أدتها فلوس عشان تبدل التقرير بتاعك بتقرير تاني لواحدة تانية عندها مشاكل كبيرة في الرحم والعقم! اتسمرت في مكاني، النطق قطع مني، والدكتور كمل وهو بيطلع ملف من الدرج:

الموظفة ضميرها صحي إمبارح بالليل لما لقت ريهام بتتصل بيها تاني وتطلب منها تمسح الملف الأصلي خالص مقابل مبلغ أكبر! الموظفة خافت وجت اعترفتلي بكل حاجة… وادي تحاليلك الأصلية السليمة 100%، إنتِ ما فيكيش أي حاجة تمنع الحمل يا نور، تحاليلك ممتازة جداً! ساعتها الدموع نزلت من عيني زي المطر، بس ماكنتش دموع حزن… كانت مزيج من الفرحة والذهول والصدمة! ريهام… ريهام اللي كانت بتح.ضنني وتقولي “استحملي يا حبيبتي”، هي نفسها اللي زورت تحاليلي عشان تدمر حياتي وتخليني أبان عقيمة قدام العيلة كلها!

مسكت التقرير الأصلي في إيدي، ومسحت دموعي، وفي لحظة واحدة تتحول الضعف اللي جوايا لبركان من الغضب والقوة. أخدت التقرير الأصلي، ومعاه تسجيل بصوت الموظفة وهي بتعترف، وطلعت على بيت عيلة كريم. كانت الساعة تقريباً 12 الظهر، يوم الجمعة، والعيلة كلها متجمعة في بيت حماتي زي العادة. فتحت الباب ودخلت بقوة. الكل كان قاعد في الصالة: حماتي، وكريم، وأخوه أحمد جوز ريهام، وريهام نفسها كانت قاعدة حاطة رجل على رجل وبترشف الشاي بمنتهى الثقة.

أول ما حماتي شافتني، قالت بجمود: خير يا نور؟ راجعة زي الغريبة ليه كده؟ مش كنتِ زعلانة ورايحة بيت أهلك؟ ريهام ابتسمت بسخرية وقالت: معلش يا طنط، أصلها أكيد جاية تلم حاجتها… ربنا يعوض على كريم بغيرها بقى. كريم وقف وقال بنبرة ضايقة: نور… إيه اللي جابك دلوقتي؟ مش قلتلك نهدى شوية؟ قربت من نص الصالة، وبصيت لريهام في عينها بثبات يمتلك قوة جبال، وقلت بصوت عالي هز البيت كله:

أنا أهو… “العقيمة” اللي ربنا ما كتبلهاش الخلفة رجعت! بس رجعت عشان أكشف الشيطانة اللي عايشة وسطكم وبتاكل من خيركم وتدبر المصايب! أحمد أخو كريم وقف وقال باستغراب: في إيه يا نور؟ بتتكلمي عن مين كده؟ طلعت الملف الأصلي من شنطتي وراميته في وش ريهام على الترابيزة، وقلت: اسأل مرتك الشريفة المتربية! اسألها ليه راحت المعمل الأسبوع اللي فات وزوّرت تقرير تحاليلي؟ ليه دفعت رشوة لموظفة المعمل عشان تكتب إن عندي عقم وتدمر بيتي؟

ريهام وشها اصفر، والعرق بدأ ينزل من جبهتها، وقامت وقفت وهي بتصرخ وتتلعثم: إنتِ كدابة! إنتِ جنيتي ولا إيه؟ أنا مالي ومال تحاليلك؟ إنتِ عاوزة تبلي عليا وخلاص عشان تداري على خيبتك؟! حماتي زعقت: اتلمي يا نور! إنتِ هتتجمعي على سلتفك الشريفة اللي كانت بتجري معاكي في المستشفيات؟! في اللحظة دي، طلعت الموبايل وشغلت تسجيل الاعتراف بتاع الموظفة. صوت الموظفة كان واضح في الصالة كلها: “مدام ريهام جابتلي مبلغ وقالتلي بدلي ملف مدام نور بتقرير العقم دا… ولما رفضت هددتني وادتني فلوس أكتر… والنهاردة طلبت مني أمسح الملف الأصلي خالص عشان محدش يكتشف.”

الصمت نزل على الصالة زي الصاعقة. أحمد جوز ريهام بص لمراته بذهول، ورجله ما بقتش شايلاه. مسك التقرير الأصلي اللي كان مرمي، وقرأ كلام الدكتور وختم المعمل. أحمد قرب من ريهام وهو بيترعش من الغضب، ومسكها من دراعها بغل وقائل: إيه دا؟ اتكلمي!! الكلام دا صح؟! إنتِ تعملي كده في أخويا ومراته؟ ليه؟! ليه الغل والحقد دا كله؟! ريهام بدأت تعيط وتصرخ وهي بتقول: عشان كنت خايفة! خايفة لو هي خلفت، أمك تحبها أكتر مني ومن عيالي! خايفة تاخد الشقة الكبيرة! إنتوا طول عمركم شايفينها هي الرقيقة المتعلمة وأنا العادية! ماكنتش عاوزاها تخلف قبلي ولا تبقى أحسن مني!

حماتي حطت إيدها على قلبها وقعدت على الكنبة وهي مش مصدقة، وقالت بصوت مكسور: يا لهوي يا ريهام… كل دا يطلع منك إنتِ؟ يا خاينة يا بتاعة المصا.يب! دا أنا كنت بصدقك في كل كلمة عن نور! وفي وسط الذهول دا، أحمد ض.رب ريهام قلم هز الصالة كلها، وقالها بصوت قا.طع: إنتِ ملزومة تلمي حاجتك وعيالك وتروحي بيت أهلك… إنتِ طالق بالثلاثة يا ريهام! وماشوفش وشك في البيت دا تاني!

ريهام قعدت تصرخ وتترجاه، بس أحمد مسكها من إيدها ورمى شنطتها وطلعها بره البيت وقفل الباب في وشها. البيت كله كان في حالة ذهول وتوتر. كريم وقف قدامي وهو حاطط رأسه في الأرض، الدموع في عينه من الخزي والخجل. قرب مني ومسك إيدي وهو بيترعش وقال: نور… أنا آسف… أنا حمار إني سكت وإني صدقت… سامحيني يا نور، أنا بحبك واللّه وما كنتش عارف إنه ملعوب منها… بصيت لكريم في عينه، وشلت إيدي من إيده ببراعة وهدوء، وقلتله:

الوجع مش بس من ريهام يا كريم… الوجع إنك في الوقت اللي كنت محتاجة فيه سند، سبتني أتدبح قدام أهلك وسكت. اللي بيحب حد بيبديه على الدنيا كلها ويحميه حتى من خياله. إنت ما حمتنيش. حماتي قربت مني وهي بتبكي وبتمسك إيدي: حقك عليا يا بنتي… أنا ظلمتك، سامحيني يا نور يا حبيبتي، البيت دا بيتك. ابتسمت ابتسامة هادية وقلت: أنا مسامحة في حق نفسي يا طنط… بس أنا محتاجة وقت بعيد عن هنا عشان أرمم اللي اتكسر جوايا.

أخدت شنطتي وطلعت من البيت وأنا حاسة برأس مرفوعة وكرامتي ردتلي أمام الجميع. وبعد شهرين بس من الهدوء والاستجمام في بيت أهلي، وبعيداً عن الضغط والحقد… حسيت بتعب بسيط. رحنا المعمل تاني، وطلعت النتيجة الحقيقية والمرة دي كانت من غير أي تزوير… الدكتور ابتسم وقالي: “مبروك يا مدام نور… إنتِ حامل في الشهر الثاني!”

كانت أعظم لحظة في حياتي، لحظة ربنا ردلي فيها حقي وعوضني عن كل ليلة بكيت فيها مظلومة. أما كريم، ففضل يحاول ويكفر عن غلطته ويتغير تماماً عشان يرجع ثقتي فيه، وتعلم درس عمره ما هينساه: إن الطيب مش ضعيف، وأن حق المظلوم لازم يرجع ولو بعد حين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى