منوعات

اتجوزت جوزي عن حب

عندما يدور الزمان دخلت أوضتي وقفلت الباب بشويش، ومسكت الموبايل. الابتسامة الهادية اللي كانت على وشي اختفت، وحل محلها نظرة تركيز حادة كأني قائد عسكري بيرتب لضـ,ـربة القاضية. أول خطوة في خطتي كانت “السحب المالي المفاجئ”. في صباح اليوم التالي، صحيت قبلهم كالعادة، بس المرة دي مكنش فيه فطار جاهز في المطبخ، ولا عصاير، ولا فاكهة. نزلت البنك وسحبت كل الفلوس اللي في حسابي المشترك مع سعيد، وغيرت الباسورد بتاع الفيزا اللي كان بيسحب منها لمصاريف البيت. مش بس كده، كلمت المحامي بتاعي ومحامي العيلة اللي كان والدي الله يرحمه محفظه كل عقود الشقة.

الشقة دي أصلاً؟ بإسمي أنا! أبويا هو اللي اشتراها لي وكشتبها باسمي عشان يضمن مستقبلي لما أصرت أتجوز سعيد اللي مكنش حيلته اللقمة، وسعيد كان فاكر إن السنين نَسِتني الحقيقة دي لإن العقد كان مستخبي في خزنة والدي. رجع سعيد الضهر شايل أكياس خفيفة، ولما دخل المطبخ يجهز الفطار العجيب لـ “عروسة الهنا”، طالع مالقاش أي حاجة من الخضار واللحوم اللي كنت بشتريها بالشيء الفلاني. طلعلي الصالة وهو بيبرطم وشكله شايط:

ـ فوزية! إيه المهزلة دي؟ فين الأكل؟ وفين العصاير بتاعة البنت؟ هي دي الأصول اللي اتعلمتيها؟ بصيتله بقمة البرود وأنا بتفرج على ضوافري: ـ معلش يا سعيد.. الميزانية خلصت، ومرتبي الشهر ده قررت أربطه في شهادة استثمار خاصة بيا.. أصل كبرت وخرفت زي ما بتقول، ولازم أؤمن مستقبلي. من هنا ورايح أنت الراجل.. أنت اللي تتكفل ببيتك وعروستك، وعليك بقى مصاريف الأكل والشرب والكهرباء والمية.. والشقة! سعيد وشه اتخطف، والدـ,ـم هـ,ـرب من عروقه:

ـ يعني إيه؟ أنتِ بتهزري؟ وأنا هجيب منين لكل ده؟ ـ من شقاك يا عريس! مش أنت راجل البيت وبتقول “ده بيتي ودي مراتي”? أهو ده بيتك وريهم رجولتك بقى. بداية الانهيـ,ـار الضـ,ـربة الأولى كانت قاضية. سعيد مرتبه الضعيف مكنش يكفي حتى تلت مصاريف البيت مع دلع مراته الجديدة وطلباتها اللي مابتخلصش (دليفري، مكياج، هدوم خروج، وفسح). مرت الأيام، والبيت بدأ يتحول لساحة حرب.. بس المرة دي بين سعيد وعروستك الفرفوشة!

العروسة اللي كانت جاية فاكرة نفسها سكنت في قصر وهتتدلع، اكتشفت إن العز اللي كانت شايفاه كان من جيب “فوزية”. بدأت الزعيق والمشاكل تعلى بين أوضتهم كل يوم بالليل: ـ يعني إيه مفيش فلوس للفاكهة؟ هو أنا جاية أتجوزك عشان أتاكل فول وطعمية؟ هي الشقة دي مفيش فيها غير الفقر ده؟ وهو يرد بصوت مخـ,ـنوق ومكـ,ـسور: ـ وطي صوتك يا هانم! قولتلك الظروف مزيرة معايا الشهر ده، اصبري عليا!

كنت بقعد في الصالة أشرب الشاي بالنعناع وأسمع خـ,ـناقاتهم وكأنها مقطوعة موسيقية راقية. العروسة بدأت تتغير معاملتها معاه ١٨٠ درجة؛ مبقاش فيه دلع ولا جري في الصالة، بقى فيه بوز شبرين، وشـ,ـتائم مكتومة، وطلبات أوردرات بتترفض. اللحظة الحاسمة: كشف المستور بعد أسبوعين من الجفاف المالي، جه اليوم الموعود. سعيد دخل الشقة شكله مهدود، دقنه طالعة، وعينيه فيها سواد من كتر التفكير والديون اللي بدأ يستلفها عشان يغطي طلباتها. لقاني قاعدة في الصالة، والعروسة طالعة من الأوضة بوش غاضب ولابسة عشان تروح لأهلها.

وفجأة.. خبط باب الشقة! فتحت الباب، كان واقف المحامي بتاعي ومعه راجلين من الشرطة ومحضر رسمي. سعيد اتخض وجري على الباب: ـ خير يا استاذ؟ فيه إيه؟ مين دول؟ المحامي بكل ثقة رفع الورق وقال بصوت عالي سمّع العمارة كلها: ـ ده إعلان إنذار بالطـ,ـرد للساكن سعيد… وللمدعوّة مراته، بتهمة الغـ,ـصب والتعـ,ـدي على ملكية غير مخصصة لهم. سعيد اتسمر مكان: ـ ملكية إيه وطرد إيه؟ دي شقتي! ضحكت بصوت عالي وطلعت عقد الملكية الأصلي المسجل في الشهر العقاري وبصيت له ولقطت عين العروسة اللي كانت واقفة مصدومة:

ـ شقتك مين يا سعيد؟ الشقة دي باسمي أنا من قبل ما أعرفك بأسابيع! أبويا الله يرحمه هو اللي شاريها، وأنا اللي كنت سايباك عايش فيها من باب الستر.. بس واضح إن الستر مش لايق عليك. العروسة برقت عينها وصصرخت فيه: ـ إيه؟؟ الشقة مش شقتك؟ أنت ضحكت عليا ويا بابا وقولت إنك صاحب الشقة والعز ده كله؟ سعيد وشه بقى أصفر ومبقاش عارف يرقع لإيه ولا إيه، وبدأ يتلعثم:

ـ يا فوزية.. يا بنت الحلال.. عيب الكلام ده، بينا عشره! رديت عليه بكل قسوة وعيني في عينه: ـ العشرة دي أنت دهستها برجلك تحت السجادة لما قعدت تدلع مراتك قدامي وتفتكر إنك كسرتني! أنت مكنتش راجل معايا، ولا صنت النعمة. النهاية التي يستحقونها العروسة لمّت شنطة هدومها في خمس دقايق، وقبل ما تطلع من الباب ضـ,ـربته بكلام كسر باقي غروره: ـ أنت راجل مزيـ,ـف ومخـ,ـدوع! أنا راجعة لأهلي وهرفع عليك قضايا طلاق وضرر ونفقة، وهخليك تلف حوالين نفسك!

مشيت وسابته، وسعيد بقى واقف في نص الصالة، مكسور، مفلس، والشقة اللي كان بيفرد جسمه فيها طلعت مش بتاعته. قدمت على الطـ,ـلاق للضرر، وأخدت كل حقوقي القانونية منه بالقانون، وطـ,ـردته من الشقة بإنذار المحكمة. بعد شهرين.. عرفت من المعارف إن سعيد عايش في أوضة مكركبة ملحق فوق سطح عمارة قديمة، نص مرتبه رايح ديون ونفقات لقضايا مراته التانية، والتانية رفعت عليه قضية خـ,ـلع بعد ما اكتشفت إنه معندوش أي حاجة يملكها.

أما أنا؟ غيرت عفش الشقة كله، دهنت الحيطان بألوان مبهجة، ورجعت لحياتي وشغلي وأنا مرفوعة الرأس، وقوية.. علمتهم إن السكوت مش ضعف، لكنه أوقات بيكون الاستراحة اللي سبقتها العاصفة!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى