لم أتحمل تلك اللحظة التي سُلبت فيها سلطتي في بيتي وأصبحتُ الغريبة! تسلقت الدموع عيني، لكنني قررت في تلك الليلة ألا أبكي، بل أن أفكك هذه اللعبة التي تُحاك ضدي بخبث. مرت أيام وأنا ألتزم الصمت التام، أراقب بنظرات ثاقبة. مؤمن كان قد سلم مصروف البيت بالكامل لنادين، وهي بدورها بدأت تتصرف وكأنها الملكة المتوجة. تطلب وتأمر، وتجلس على الأريكة تعطي الأوامر بينما مؤمن يبتسم لها بابتسامة لم أردها منه منذ سنوات.
وفي يوم، بينما كان مؤمن في عمله ونادين في المطبخ تستعرض نفوذها الجديد، جاءتني الفكرة التي ستغير كل شيء. تذكرت كلامها في البداية عن طليقها: “ده كان بيخـ,ـونني وبيضـ,ـربني وبخيل معايا”. لسبب ما، لم أعد أصدق روايتها الكاملة، فشيء في تحولها المفاجئ وثقتها الزائدة كان يثير الشك. قررت أخيرًا أن أتصل بطليقها بنفسي من وراء الجميع. حصلت على رقمه بصعوبة من هاتف قديم لأمي، واتصلت به برقم مجهول. حين ردّ، بلغت نبرته الهدوء والرزانة، وبدأت أسأله عن سبب الطـ,ـلاق الحقيقي. كانت المفاجأة كالبرق!
قال لي بنبرة حسرة: «يا مروة… اختك هي اللي دمرت البيت. كانت دايماً طماعة، تحب تمتلك اللي مش بتاعها، وخلتني أبيع اللي حيلتي عشان أرضيها، ولما فلوسي خلصت، بدأت تخلق المشاكل وتدعّي عليا الخـ,ـيانة والضـ,ـرب عشان تطلع هي الضحية قدام أهلها وتحس بدعمهم!». سقطت الكلمات عليّ كالصدمة، لكن الجزء الأهم كان حين أضاف: «على فكرة… هي كانت طول الوقت بتقارن بيني وبين جوزك مؤمن، وكانت بتقول لي بالنص: (شايف مؤمن مريح أختي إزاي؟ يا ريتني كنت اتجوزت واحد زي مؤمن)».
هنا اكتملت الصورة! نادين لم تكن مجرد أخت مكسـ,ـورة، بل كانت تدبر للوصول إلى مؤمن من اليوم الأول، واستغلت عطفه ومحاولته للشهامة حتى أوقعته في شبكتها. رجعت للمنزل، وحبكت الخطة بذكاء. في المساء، أثناء جلوسنا جميعاً في الصالة، وضعت هاتفي على الطاولة وسجلت المكالمة التي دارت بيني وبين طليقها صوتاً وصورة دون أن يدري أحد، ثم افتعلت حديثاً عادياً مع نادين أمام مؤمن. قلت لها بهدوء: «يا نادين، أنا اتصلت بطليقك النهاردة عشان أصالحكوا على بعض ونساعدك ترجعي بيتك المكسور».
تغير وجه نادين في ثانية إلى الرعب، وقامت مفـ,ـزوعة: «أنتِ تجرأتي وتكلميه؟! أنتِ عايزة ترجعيني للظلم والخيانة؟!» بدأ مؤمن يتدخل بغضب كالعادة: «إيه اللي بتعمليه ده يا مروة؟! أنتِ معندكيش رحمة؟!» ابتسمت ببرود، وقمت بتشغيل تسجيل الصوت الذي أخذته من طليقها عبر مكبر الصوت! تردد صوت طليقها وهو يروي التفاصيل بالأسماء، وكيف كانت تتحدث عن مؤمن بالذات وتشيد به لكي تثير غيرته، وكيف ادعت الخـ,ـيانة للهروب من مسؤوليتها. هبط الصمت كالجبل في الغرفة. تحول وجه نادين إلى الصفار، وعيناها تدوران في المحل بحثاً عن مخرج، بينما التفت مؤمن إليها بنظرات ذهول وصدمة لم أراها في حياتي.
قال مؤمن بصوت مرتعش: «الكلام ده صح يا نادين؟ أنتِ كنتِ بتمثلي عليا؟!» بدأت نادين تتلعثم وتحاول تمثيل البكاء مجدداً: «ده كذاب.. أنت بتصدق الكذاب ده وبتمشي ورا أختك؟!» لكن هذه المرة، قاطعتها بلهجة صارمة لم تعهدها مني من قبل: «التمثيلية انتهت يا نادين. التسجيل مش بس كلامه، ده في رسائل ومحادثات منه أثبتت لي إنك جاية هنا بهدف معين… تأخذي بيتي ومكانتي!». التفتت لمؤمن وقلت له بثبات: «وده بيتك يا مؤمن، ومصروفك اللي سلمتهولها وتقديراً للـ (جوهرة) اللي عندك… اتفضل اختار، يا بيتك وزوجتك اللي صانتك، يا التمثيلية اللي عشتها الأيام اللي فاتت».
أدرك مؤمن في تلك اللحظة حجم الفخ الذي وقع فيه، وكيف تم استغلال شهامته ونخـ,ـوته لضـ,ـرب بيته وزوجته. وقف من مكانه، ونظر لنادين بقلة حيلة وغضب مكتوم، وقال بصوت حاسم: «شنطتك تتلم دلوقتي يا نادين.. وعربيتي مستنياكي تحت توصلك بيت والدتك». خرّت نادين باكية، لكن هذه المرة لم يطبطب عليها أحد، ولم تجد العاطفة التي غذت بها كبرياءها. خرجت من البيت مطأطأة الرأس، ليعود الهدوء إلى بيتي، بعد أن تعلمتُ درسًا لن أنساه أبداً: أن الحب والشهامة لا يجب أن يجعلا الإنسان أعمى عما يحاك حوله!