وقف مهران قصاد حورية، والهدوء السائد جوه الأوضة كان بيرن بطريقة ترعب، قصاد الهيصة والصوت اللي طالع من تحت في ساحة الدوار.. أصوات الطبول والضــ,,ـــــرب بالسلاح اللي مستنيين الشارة. مهران مد إيده ببطء، وطلع شال أبيض نظيف من جيبه.. حورية غمضت عينيها بوجع، وجسمها كله بيترعش، مستنية اللحظة اللي كرامتها هتتذبح فيها. بس المفاجأة إن مهران مشي خطوات ناحية التربيزة اللي جنب السر,,ـــــير، ومسك موس حلاقة صغير كان مجهزه.. وبسرعة، وقبل ما حورية تفهم هو بيعمل إيه، جرح صباعه جرح صغير ومسح الدم على الشال الأبيض!
حورية فتحت عينيها بمفاجأة وصدمة، وبصتله ومش مصدقة: “مهران.. إنت بتعمل إيه؟” مهران بص لها بعيون حادة وفيهم لمعة غريبة، وقال بصوت واطي ومردوم: “أني عارف إنك شريفة يا حورية.. وعارف إن أخوي ‘سليم’ ندل وخاين، وهرب عشان واكل حق الناس وعامل مصايب في البندر وخاف أواجهه! أني مش محتاج إثبات عشان أصدق بنت عمي اللي تربت على إيدي.. بس الصعيد مابيرحمش، ولو طلعت للشواشين والرجالة تحت من غير الشال ده، أبوكي كان هيمــ,,ـــــوت بجلطة، وإنتي كان أعمامك هي.وكي قبل ما الشمس تطلع!”
حورية كانت واقفة مشدوهة، الدموع اتجمدت في عينيها من كتر الصدمة.. مهران قرب من الشباك، ورمى الشال لأبوه وأبوها اللي واقفين تحت وسط الرجالة. أول ما الشال ينزل، ضــ,,ـــــرب النــ,,ـــــار اشتغل في الساحة، والزغاريد ملت المكان، وأبو حورية حط إيده على قلبه واتنفس بألم وارتياح، وردت فيه الروح وهو بيرفع راسه بين أهل البلد. مهران قفل الشباك ولف لحورية، وشه رجع صلب وجاد تاني وقال: “دلوك يا حورية.. القصة الحقيقية ابتدت.”
حورية بلعت ريقها وقالت بصوت متهدج: “يعني إيه؟ وإنت ليه عملت كده طالما عارف إن سليم أخوك ظالمني؟” مهران قرب منها وقعد على الكرسي الفخم في وسط الأوضة، وحط رجل على رجل وقال بثقة: “عملت كده عشان كرامة العيلة من كرامتك.. وعشان إنتي من النهاردة مرت ‘مهران العتماني’.. كبير البلد. ما عاش ولا كان اللي يمس شعرة منك ولا يتقال في حقك كلمة شينة وأني حي! بس الطلاق اللي طلبتيه ده انسيه خالص.. مش هينفع تطلقي.”
حورية صرخت فيه بتحدي وغضب: “كيف يعني؟ إنت اتفقت معايا إنك لما تتأكد من براءتي هتطلقني! إنت كده بتظلــ,,ـــــمني زي الباقيين!” مهران قام وقف ووقفت قصاده، وبص في عينيها مباشرة وقال بصوت هادي بس يخوف: “لو طلقتك بكرة، الناس هتقول مهران طلقها بعد ليلة الدخلة عشان فيها عيب وعايز يستر عليها! كلام الناس مش بيرحم يا حورية.. طلاقك دلوك معناه إعدامك بالبطيء. إنتي هتقعدي هنا.. في جناحي.. معززة مكرمة، حدش يقدر يكلمك بنص كلمة.. ولما أرجع حقك وأجيب أخوي سليم من قفاه تحت رجليكي ويقر بحقيقته جدام البلد كلها.. وقتها بس هسيبك تسبيني لو لسه عايزة يمشي!”
حورية بصتله بذهول، حسّت في كلامه بقوة وحماية هي كانت محتاجة لها، بس في نفس الوقت كبريائها كان بيحــ,,ـــــرقها من فكرة إنها محبوسة في جوازة صورية. مرت الأيام.. وحورية عايشة في جناح مهران. كانت فاكرة إن الحياة معاه هتبقى جحيم، بس اكتشفت وش تاني لمهران العتماني.. الراجل اللي البلد كلها بتترعب من كلمته، كان يدخل الأوضة يتعامل معاها بمنتهى الأدب والاحترام. ينام على الكنبة، ويسبلها السر,,ـــــير. يطلب أكلها مخصوص، ويهدد أي حد في البيت — حتى أمه اللي كانت بتكره حورية — إنه يقطع لسانه لو اتكلم معاها بنبرة مش كويسة.
وفي يوم من الأيام، حورية كانت واقفة في بلكونة الجناح، وسمعت صوت زعيق جامد في الدوار تحت.. بصت من الفتحة، لقت رجالة غريبة داخلين الدوار ومعاهم سلاح، ومهران واقف قصادهم لوحده بثبات كأنه جبل! كبير الرجالة دول قال بصوت عالي: “يا مهران يا عتماني.. أخوك ‘سليم’ نصب علينا وأخد ملايين وهرب، وأحنا مش ماشيين من هنا غير لما نآخد حقنا.. يا إما هنجيب عاليها واطيها!” مهران حط إيده ورا ظهره وماتهزش منه شعر، وقال بصوت زي الرعد:
“سليم هرب وكسر أصول العيلة.. بس أني مهران العتماني! اللي ليه حق عندي يجي ياخده بالحق والأصول، واللغة اللي بتتكلموا بيها دي.. ملهاش مكان في دواري!” وفجأة، واحد من الرجالة الغريبة طلع مسدسه ووجهه ناحية مهران! حورية من حبتها وخوفها غير الإرادي، صرخت بعلو صوتها من البلكونة: “مهرااااان! حاسب!” في اللحظة دي، مهران لمح الراجل، وبحركة سريعة جداً تفادى الرصاصة وحجم الراجل وضــ,,ـــــربه أرضاً، ورجالة مهران حاصروا المكان في ثواني وسيطروا على الوضع.
مهران رفع راسه للبلكونة وبص لحورية.. لقى عينيها مليانة خوف ورعب عليه.. لأول مرة يشوف في عينيها نظرة اهتمام ومش مجرد كره أو تحدي. بعد ما الفوضى هديت والرجالة مشيوا، مهران طلع الجناح بسرعة.. فتح الباب ولقى حورية واقفة ماسكة إيديها وبتترعش. قرب منها وسألها بصوت دافي لأول مرة: “إنتي خوفتي عليّ يا حورية؟” حورية دورت وشها الناحية التانية وحاولت تتصنع البرود: “أني خفت على نفسي.. لو جرالك حاجة مين كان هيحميني من أهلك ومن البلد؟”
ابتسم مهران ابتسامة صغيرة ساحرة، وقرب منها خطوة وقال: “أني جبت مكان ‘سليم’ يا حورية.. ورجالتي محاصرينه في القاهرة، وبكرة هيكون هنا.. وساعتها هعمل المجمع في الدوار، وأخليه يعترف بكل حاجة جدام أبوكي وأعمامك والبلد كلها.. وحقك هيرجعلك كامل مكمل.” حورية بصتله بذهول وقلبها دقاته زادت: “وبعدين؟” مهران سكت شوية، ونظرته بقت عميقة وفيها رجاء مكتوم، وقال بصوت واطي: “وبعدين.. هفي بعهدي معاكي.. والورقة اللي تربطنا هقطعها، وهتبقي حرة ترجعي بيتك.. ده لو كنتي لسه عايزة تمشي وتسبيني!”
ساد الصمت في الأوضة، وعيونهم اتلاقت في لحظة مشحونة بالمشاعر.. حورية حسّت إن قلبها اتغير من ناحيته، وإن الراجل اللي كانت فاكراه سجانها، بقى هو الأمان الوحيد ليها في الدينا.. بس هل كبريائها هيسمحلها تعترف بحبها ليه، ولا وصول سليم بكرة هيفجر مفاجآت تانية تقلب الأحداث كلها؟