منوعات

في جيبي ورقة ميه مليون جنيه

أخذتُ شنطتي المتهالكة، وقفتُ عند الباب ولحظة ما حطيت إيدي على الأكرة، التفتُّ ليهم ونظرتُ للوجوه اللي كانت في يوم من الأيام عيلتي وسندي: أمي وهي بتشرب شرباتها بفرحة، وإخواتي اللي بيتبادلوا النظرات بنصر، وراجح اللي عينه كانت بتشع غـ,ـرور وشمـ,ـتانة. تبسمتُ ابتسامة خفيفة، هادية وجديدة عليا تماماً.. ابتسامة حد خلاص مبقاش عنده حاجة يخسرها مع الناس دي. قلتُ بصوت ثابت: «نتقابل عند المأذون بعد بكرة.. وأتمنى محدش منكم ينسى اللحظة دي بالذات.»

خرجتُ وقفلتُ الباب ورايا. الأسفلت المكسر في الشارع كان مظلم، بس الشارع جوا قلبي كان منور بضوء أعشى من القوة. حطيت إيدي في جيبي، لمستُ الورقة الناعمة اللي قيمتها مية مليون جنيه، وضحكتُ بصوت أعلى من صمت الشارع. الفقر مسابش جرح في روحي، الظلم هو اللي ساب.. والنهارده الظلم قفل صفحته وأنا اللي هبدأ أكتب الكتاب من جديد. الفصل الأول: خطة في الظلام نزلتُ في فندق بسيط وهادي بعيد عن منطقتهم خالص. بدأتُ أرتب خطتي بعقل بارد زي التلج. المية مليون جنيه مش مجرد فلوس، دي سلطة وقوة لازم أتعامل معاها بحذر.

في اليوم التالي، أول حاجة عملتها كانت زيارة لمكتب محامي كبير جداً وشهير في وسط البلد، اسمه “الأستاذ مراد”. دخلتُ مكتبه بشنطة السفر المبهدلة ولبسي العادي، البواب في الأول استقل بيا، بس الأستاذ مراد كان راجل خبير وقرأ في عيني حاجة مختلفة. قعدتُ قدامه، طلعتُ ورقة اللوتاري وحطيتها على المكتب بكل هدوء. الرجل نزل نظارته، بَص في الورقة، وبصلي.. عيونه وسعت وشهق بصوت مسموع: «أنتي عارفة الورقة دي فيها إيه يا مدام؟»

رديتُ بثقة: «عارفة.. المية مليون دول ينزلوا في حسابي الرسمي بكل الإجراءات القانونية، ومن غير ما اسمي يظهر في أي وسيلة إعلام. وفي نفس الوقت.. عايزة أكبر قضية حضانة وتمكين وتركة تترفع في تاريخ المحاكم المصرية، بس في الوقت المناسب.» ابتسم الأستاذ مراد ابتسامة ذكية وقال: «أنتي مش بس غنية يا مدام فريدة.. أنتي دماغك يوزن بلد. سيبيلِي الإجراءات الرسمية للوتاري، وقضية الحضانة دي هتبصمي فيها بالعشرة إن ابنك يفضل في حضانتك القانونية، وخلينا نلعب اللعبة دي صح.»

الفصل الثاني: مشهد عند المأذون جاء يوم اللقاء عند المأذون. وصلتُ في الميعاد بالظبط. راجح كان قاعد ومستني، لابس أحسن بدلة عنده، وقاعد جنب أمه وأحمد وكريم اللي جوم يباركوا له ويتفرجوا على “كسرتي”. أول ما دخلتُ، راجح بَص لقصة شعري الجديدة ولبسي اللي رغم بساطته كان فيه شياكة هادية ووقار رغماً عنهم. المأذون بدأ يكتب الورق: «يا إبن الحلال.. مش هترجعوا؟» راجح رد بسرعة وبغرور: «لأ يا شيخنا، اكتب الطلاق، أنا راجل بتبني مستقبلي ومش فاضي للتعطيل.»

أمي قالت بصوت عالي: «اكتب يا شيخنا وخلصنا، خلي كل واحد يعرف قيمته ومقامه.» مسكتُ القلم، وقعتُ بإيد ثابتة وابتسامة على وشي. وفي اللحظة اللي المأذون قال فيها: «بارَك الله لكما وعوضكما خيراً.. كده الطلاق وقع رسمياً.» طلعتُ من شنطتي مظروف فيه عشرة آلاف جنيه، وحطيتها قدام راجح. بَص للمظروف باستغراب: «إيه ده؟» قلتُ ببرود: «دول العشرة آلاف جنيه نص التحويشة اللي كنت عايز تشاركني فيها.. حلال عليك. اعتباراً من اللحظة دي، أنت مالكش عندي مليم، وأنا ماليش عندك غير ابني.. وورق المحكمة هو اللي هيتكلم بيننا.»

راجح ضحك بقهقهة عالية: «محكمة؟ محكمة إيه يا مسكينة؟ أنتي معاكي فلوس تصرفي على محامين؟ أنتي هتأكلي ابنك منين أساساً؟» سبتهم ومشيت والضحكات الساخرة بتملا القاعة ورايا.. هما كانوا فاكرين إن دي النهاية، وماكنوش يعرفوا إن ده الديكور اللي أنا ببنيه عشان العرض الكبير. الفصل الثالث: العاصفة الهادئة مرت ثلاثة أشهر..

في فترة السكوت دي، الفلوس اتصرفت قانونياً ونزلت صافية في حسابي البنكي (82 مليون جنيه بعد الضرائب والرسوم). الأستاذ مراد اشتغل بمنتهى الدقة. أسستُ شركة استثمار عقاري وتطوير هندسي باسم مستعار، واشتريتُ أسهم في الشركة اللي بيشتغل فيها “راجح”، وبقيتُ أكبر مساهم فردي فيها من غير ما حد يعرف هويتي الحقيقية. أما بالنسبة لإخواتي وأمي.. الفلوس التعويض (الـ 2 مليون) طيرت برج من عقولهم. أحمد وكريم فتحوا مشاريع تجارية بدون دراسة جدوى وركبوا العربيات الزيرو، وراجح خطب بنت ابن عم مدير شركته عشان يتسلق على قفاها.

وفي يوم.. جاءت اللحظة المناسبة. أمي وإخواتي كانوا عاملين عزومة فاخرة في فيلا صغيرة أأجروها بمناسبة الخطوبة الجديدة لراجح وافتتاح شركة إخواتي. كل العيلة كانت معزومة، والكل بيتباهى بالفلوس والعز. وفجأة.. وقفت ثلاث عربيات مرسيدس سوداء مظللة قدام الفيلا. نزل منها محامين بشنط جلد سوداء، ومعاهم محضرين من المحكمة ورجال شرطة لتنفيذ أحكام قضائية! دخل الأستاذ مراد الفيلا، والناس كلها اتسمرت مكانها. قال بصوت جهوري: «الأستاذ راجح.. والأستاذ أحمد الشريف.. والأستاذ كريم الشريف.. والست هدى (أمي)؟»

أمي وقفت وهي بترتعش: «إيه ده؟ فيه إيه؟ أنتوا مين؟» الأستاذ مراد فتح المظروف وقال بلهجة حاسمة: «أولاً: الأستاذ راجح، صدر ضدك حكم قضائي نهائي بتسليم الطفل لأمه المدعوة (فريدة الشريف)، مع فرض نفقة متعة ومؤخر وصداق ومسكن بقيمة 3 مليون جنيه بناءً على التحريات الرسمية اللي أثبتت دخلك الحقيقي وأصولك، مع إيقافك عن العمل في شركتك لحين انتهاء التفتيش المالي بناءً على طلب المالك الجديد للشركة.»

«ثانياً: الأستاذ أحمد والأستاذ كريم، صدر أمر استدعاء عاجل من نيابة الأموال العامة بناءً على البلاغ المقدم من المالك الحقيقي لقطعة الأرض اللي اتصرف عنها التعويض؛ لاتكشاف أن الورث الأصلي لأبوكم كان فيه إعادة تقييم وتدقيق، وأنكم قمتوا بالتـ,ـزوير وحجب الشريكة الشرعية (فريدة) واستيـ,ـلاء على نصيبها بقوة القانون، ومطلوب رد المبلغ مضاعف مع الحـ,ـبس احتياطياً.» الصدمة كانت زي الصاعقة. راجح وشه بقى أصفر زي الورق: «مين اللي رفع القضايا دي كلها؟ مين المالك الجديد لشركتي؟ ومنين جابت فريدة الفلوس دي عشان تعمل كل ده؟!»

الفصل الرابع: كشف الحقيقة في اللحظة دي.. فتحتُ باب عربية مرسيدس ونزلت. كنتُ لابسة فستان أسود أنيق جداً، وعقد لؤلؤ طبيعي، وشعري متصفف ببساطة وملامحي فيها هدوء وشموخ مرعب. مشيتُ بخطوات واثقة وسط ذهول الجميع. الضيوف بدأوا يتهامسوا، وخطيبة راجح الجديدة وأهلها باصين في ذهول. أمي بؤها اتفتح ومش قادرة تنطق: «فـ.. فريدة؟!» قربتُ منهم ووقفتُ في النص، بصيت لراجح في عينيه وقلتُ بكل هدوء: «فاكر لما سألتني عند المأذون: أنتي معاكي فلوس تصرفي على محامين؟ وفاكر لما قلتلي أنتي فقرية وملكيش حيلة؟»

راجح بلع ريقه بصعوبة: «أنتي.. أنتي جبتي الفلوس دي منين؟ أنتي سـ,ـرقتي مين؟!» ابتسمتُ، وطلعتُ من شنطتي الجلد الفاخرة صورة طبق الأصل من تذكرة اللوتاري المكسوبة بـ 100 مليون جنيه، ومعاها الشهادة البنكية برصيدي. مسك راجح الورقة وإيده بترتعش، وقرأ الرقم.. عيونه كانت هتخرج من مكانها! أمي وقعت على الكرسي وهي بتلهث وبتمسك صدرها: «مية مليون؟! أنتي كان معاكي مية مليون جنيه ليلة ما جيتي البيت؟!» قلتُ بصوت شديت بيه انتباه الكل:

«أيوة.. ليلة ما جيت، كنت داخلة أقولكم إن أيام الفقر انتهت، كنت داخلة أوزع خيرها عليكم كلكم.. كنت فاكرة إن ليا عيلَة وزوج بيحبوني. بس قبل ما ننطق، أمي حرمتني من حق أبويا وقالتلي ملكيش مليم، وزوجي رمى ورق الطلاق في وشي عشان فاكرني عالة، وإخواتي ضحكوا عليا وقالوا اطلعي بالمعروف وبلاش نكد!» بصيت لأمي وقلتُ: «أنتي اللي اخترتي يا أمي.. بعتي بنتك عشان القرشين بتوع أولادك المفصلين، وادي أولادك رايحين للنيابة بسبك.»

وبصيت لراجح: «وأنت.. بعت عشرة سنين وركبت موجة الغرور لما شفت قرشين زيادة، واديك خسرت ابنك، وخسرت شغلانيتك، وراجع للصفر من تاني.. بل أفقر من الصفر.» أحمد وكريم جوم يجروا عليا، ومسكوا في إيدي وهم بيبكوا: «فريدة! أنتي أختنا الكبيرة! الحقينَا يا فريدة، الشركة هتتقفل وإحنا هنتحـ,ـبس! إحنا اتخدعنا.. أمنا هي اللي قالت لنا نعمل كده!» نفضتُ إيدي منهم ببرود: «الآن افتكرتوا إني أختكم؟ لما كنت بمشي على الأسفلت المكسر وبشتغل في الإجازات عشان أدفع مصاريف كليتي، كنتم بتتفرجوا عليا وبتاخدوا الدهب والفلوس. القانون هو اللي يحكم بيننا.»

راجح اترجى الأستاذ مراد وهجـ,ـم عليّ يحاول يلمس رجلِي: «فريدة! أنا جوزك وأبو ابنك! أنا اتسرعت.. أنا تحت رجلك، المأذون موجود ونرد بعض دلوقتي! أنا بحبك والله العظيم اتخدعت من الشيطان!» بصيتله بقرف ورفعتُ راسي لفوق: «أنت مش زعلان إنك طلقتني يا راجح.. أنت زعلان إنك طلقت المية مليون جنيه! وابني هيتربى في عز ونظافة، وهيطلع راجل بيعرف يعني إيه أصول، مش زي أبوه.» النهاية: العدالة الإلهية الشرطة أخدت أحمد وكريم للتحقيق في قضـ,ـايا التـ,ـزوير والاسـ,ـتيلاء، والشركة بتاعتهم أفلست في نفس الأسبوع وعربياتهم الاتنين اتركبت عليها حجز قضائي.

راجح اترفض من شغله بعد ما أثبت التفتيش المالي تجاوزات صريحة، وخطيبته الجديدة ووالدها فسخوا الخطوبة ورموا هدومه في الشارع لما عرفوا إنه مديون ومطلوب للنفقة. بقا بيمشي في نفس الشارع المكسر، يتدور على شغل بمرتب ضعيف مش مكفي مصاريف قضايا النفقة. أمي قعدت في بيتها القديم لوحدها، البيت اللي التعويض بتاعه اتسحب وبقى تحت التحفظ القضائي، تبص للحيطان وتفتكر الليلة اللي طردت فيها بنتها اللي كانت شايلالها طوق النجاة.

أما أنا.. أخدتُ ابني في حضني، وسافرنا ونقلنا حياتنا لفيلا جميلة بتطل على البحر. فتحتُ مؤسسة خيرية صغيرة لمساعدة النساء المطلقات والمظلومات عشان يبدأوا حياتهم من جديد. كل يوم الصبح، لما بمسك كاس القهوة وببص للبحر وابني بيلعب قدامي، بفتكر المية مليون جنيه، وبأكد لنفسي: الفلوس مغيرتنيش.. الفلوس بس كشفتلي الوجوه المزيفة، ورحمتني من إني أعيش عمري كله مخدوعة في ناس ما بيعرفوش يعني إيه إنسانية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى