الجزء الثاني والأخير قُفل باب الخشخشة الحديدية بصوت مزمجر رنّ في أذني. قعدت في ركن الحجز في قسم الشرطة، هدومي عليها بقع الشوربة، وريحة شياط الزيت لسه في مناخيري. كان في الحجز حريم تانين بيتاجروا في الممنوعات أو جايين في مشاجرات، بصولي بنظرات استغراب؛ عروسة بذهبها وفستانها الشيك، أيديها متكلبشة ومصدومة بس مابتعيطش. الساعة كانت 3 الفجر لما العسكري فتح الباب ونادى: “يا بنت.. تعالي للباشا وكيل النيابة.” دخلت الأوضة. كان وكيل النيابة شاب في التلاتينات، قدامه أوراق كتير وفنجان قهوة فاضي. بصلي بنظرة فاحصة وقالي:
“أنِتِ فاهمة أنِتِ متهمة بإيه يا عائشة؟ ده شروع في قـ,ـتل مع سبق الإصرار… جوزك في المستشفى في حالة حرج، وش وشفايف ورقبة متفحمين تقريباً، وأمه وأخته قاطعين بشرادتهم إنك رميتي عليه الزيت بحقد عشان خناقة على الأكل!” بصيتله بثبات مجهول المصدر وقلت: “أنا دفاعاً عن نفسي وعن شـ,ـرفي.. هو ضـ,ـربني بالقلم قدام أهل بيته ومسكني من شعري، وأخته هي اللي كبت الشوربة عليا عمداً، وهم بيعاملوني كأني خدامة من يوم ما دخلت البيت.”
وكيل النيابة هز رأسه بقلة حيلة: “الكلام ده محتاج إثبات يا عائشة. القانون مابيعترفش بالدموع ولا بالسوالف.. القانون بيعترف بالدليل. وأهل جوزك جايبين شهود – قرايبهم اللي كانوا قاعدين – وكلهم أجمعوا إنك الهجـ,ـومية وإن أحمد ما لمسكيش!” في اللحظة دي، افتكرت النقطة الحمرا… اللمبة الصغيرة اللي كانت بتنور وتطفي فوق الرف المداري في المطبخ. قلتله فجأة: “يا بيه.. في كاميرا مراقبة مخفية في المطبخ!” وكيل النيابة رفع حاجبيه واستغرب:
“كاميرا؟ المعاينة الأولية للمباحث ماذكرتش وجود كاميرات في المطبخ.” رديت بلهفة: “عشان هي مش كاميرا البيت الأساسية! دي كاميرا صغيرة جداً، شبه الدبوس، حطاها رانيا أخت أحمد فوق الرف عشان تراقب الشغالة القديمة اللي كانوا شاكين إنها بتسـ,ـرقهم! رانيا بنفسها قالتلي عليها أول ما دخلت البيت بتباهي وقالتلي: ‘البيت ده تحت عيني في كل شبر’.. الكاميرا دي متوصلة بأبلكيشن على تليفون رانيا الشخصي!” سكت وكيل النيابة لحظة، وبعدين مسك التليفون الأرضي وطلب مأمور الضبط:
“انزلوا فوراً مع المتهمة أو اعملوا تفتيش للفيلا.. هاتوا التليفون بتاع أخت المجني عليه، وافحصوا الزاوية العليا من الرف الشمال في المطبخ.” تاني يوم الصبح، كانت النيابة عبارة عن ساحة حرب. حماتي، “سهير هانم”، داخلة ومقومة الدنيا، لابة أفخم محامين في مصر، وبتحسب إن الموضوع منتهي وإن عائشة هتاخد 15 سنة سجن مشدد. أول ما شافتي في الكلبشات، صرخت: “المجـ,ـرمة جت اهيه! حرقت وش ابني الشاب الوسيم! حـ,ـرقت مستقبله!” المحامي بتاعها اتكلم بتكبر:
“يا سيادة المستشار، القضية مكتملة الأركان. شهادة 6 أفراد من العائلة، تقرير الطبيب الشرعي بحـ,ـروق من الدرجة الثانية والثالثة.. نطالب بأقصى عقوبة.” في اللحظة دي، دخل ضابط المباحث ومسجل وحدة الفلاشة (USB) في أيده. “سيادة وكيل النيابة.. الهارد ديسك والتسريج الرقمي من تليفون أخت المجني عليه وصل.” سهير هانم ورانيا وشهم جاب ألوان. رانيا جسمها بدأ يترعش، ولون بشرتها اتقلب أبيض زي الملاية. وكيل النيابة شغل الفيديو على اللاب توب، وطلب من الكل يتفرج.
الشاشة عرضت الكادر كاملاً وبأعلى دقة: المشهد الأول: رانيا وهي ماشية ورا عائشة في المطبخ، وبمنتهى العمد خبطت كتف عائشة بقوة عشان تقلب حلة الشوربة، وبعدها وقعت على الأرض وتمثل إنها المصابة. المشهد الثاني: صوت وصورة واضحين جداً.. أحمد وهو بيصرخ وبيهين عائشة، وبيمسكها من فستانها وبيضـ,ـربها قلم قوي جداً على وشها خلي رأسها تترمي لورا، وهو بيقول: “اعتذري يا جزمة يا بنت السباك!”. المشهد الثالث والأهم: رانيا واقفة ورا أحمد بتضحك وبتغمز لأمها بسعادة وشـ,ـماتة، في نفس اللحظة اللي أحمد رفع فيها أيده تالي عشان يضـ,ـربها القلم التاني!
الأهم من ده كله.. الصوت سجل كلام حماتها قبل الخـ,ـناقة بساعة وهي بتقول لرانيا في المطبخ: “ظبطي لها الكمين النهاردة يا رانيا.. خليها تتكسر قدام العيلة عشان تعرف إنها مجرد شحاتة دخلت بيتنا، وأحمد يطلقها ونخلص من العـ,ـار ده.” القاعة كلها سكتت. القوة والشمـ,ـاتة اللي كانت على وش حماتي والمحامين بتوعها اتبخرت في ثانية. وكيل النيابة قفل اللاب توب بصوت عالي، وبص للمحامي بتاعهم وقاله بصرامة: “أستاذ.. الشهود بتوعك متهَمين حالياً بشهادة الزور، وحماتها وأخته متهَمين بالتآمر والاعـ,ـتداء والتحريض، والمجني عليه – أحمد – متهَم بالاعتـ,ـداء الجسدي والسب والقـ,ـذف.”
المحامي بدأ يرتعش وحاول يلطّف الجو: “يا فندم.. دي الخلافات الزوجية بتحصل.. وممكن نتنازل عن البلاغ لو…” قاطعه وكيل النيابة بحدة: “أنا اللي مش هسيب البلاغ! المتهمة عائشة كانت في حالة دفاع شرعي عن النفس واستفزاز شديد متبوع بالاعتـ,ـداء الجسدي والتهديد الحاضر.” بعد أسبوعين من التحقيقات.. أحمد خرج من المستشفى، بس وشه بقى فيه تشوه دائم في الجانب الأيمن، خسر شغلانه في الشركة لأن وجه واجهته الإعلانية اتدمـ,ـرت، ونفسيته بقت في الأرض.
سهير هانم، اللي كانت فاكرة فلوسها هتحميها، اتعرضت لفـ,ـضائخ في المنطقة بعد ما القصة اتسربت للصحافة، وأقاربهم المقربين قاطعوهم بعد ما شافوا فيديو التآمر وشهادة الزـ,ـور. أما أنا.. وقفت قدام المحكمة وأنا لابسة هدومي العادية، مش الكلابشات. القاضي حكم ببرائتي من تهمة الشروع في قتـ,ـل مع تعديل الوصف لـ “دفاع عن النفس في حالة تلبس بالعدوان”، وحكمت المحكمة بتغريم أحمد وتثبيت دعوى الطلاق للضرر مع حصولي على كافة حقوقي الشرعية (المؤخر، المتعة، والشبكة).
يوم ما استلمت ورقة طلاقي، وقفت قدام باب المحكمة. أبويا كان واقف مستنيني بالحضـ,ـن، والضحكة على وشه. بصيت للسما وابتسمت.. القلم اللي اتضـ,ـربته كان وجعه شديد، والزيت كان ناره حامية، بس القرار اللي أخدته في ثانية.. كان هو الباب اللي خرجت منه من سجن ناس فاكرين الفلوس تشتري كرامة البني آدمين. رجعت شبرا، فتحت مشروعي الصغير لتعليم الطبخ، وكل ما أبص في المنظرة، أفتكر إن الكرامة مش للمناقشة… وإلي يبيعك بأرخص سعر، اعجنه بالزيت واطلع منه نضيف!
