التفتُّ لورا وبصيت لتامر.. وكانت الصدمة! تامر ما طلعش الموبايل المرة دي، ولا اتظاهر بإنه مبيسمعش، ولا حتى اتحرك خطوة لورا. بالعكس، لقيته بيمشي بخطوات هادية جداً، يوصل لحد عندي، يحط إيده في جيبه ويوجه كلامه للبنت اللي على الكاشير بابتسامة متزنة: “فيزا، اتفضلي يا فندم.” سحب كارت الفيزا الماسي بتاعه، وحطه على الماكينة. “بييييب”.. الصوت ده نزل على قلبي زي الصـ,ـاعقة! البنت غلفت الفستان في شنطة ورقية فخمة وادتهاله، مسك الشنطة بإيد، والإيد التانية مسك بيها إيدي بدفء وقال بحنية: “مبروك عليكي يا روحي، طالعة فيه زي القمر.”
أنا في اللحظة دي رجليا مكنتش شايلاني! مشيت جنبه وأنا حاسة بدموع مكتومة في عيني، وشي بيحمر ويصفر من الخجل. 7200 جنيه! المبلغ ده مش قليل أبداً، وتامر مهندس على قد حاله وبيجهز شقتنا قرش صاغ بقرش صاغ. إزاي يدفع رقم زي ده للعبة سخيفة اتفقت عليها أنا وأمي عشان نختبر “معدنه”؟! المفاجأة غير المتوقعة
ركبنا العربية، وساد صمت رهيب.. صمت أتقل من الجبال. تامر شغل التكييف، وحط شنطة الفستان في الكرسي اللي ورا، وبدأ يسوق بهدوء. كنت منتظرة إنه يفتخر بنفسه، أو يقولي “شفتي بقى؟”، أو حتى يلمح للسعر.. بس كان ساكت تماماً، وباصص للطريق بنظرات غامضة مش عارفة أفك شفرتها. فجأة، بدال ما يتجه لناحية بيتنا، حود العربية ودخل على مكان على النيل، ركن قدام كافيه هادي جداً إضاءته خافتة. نيرمين (بتوتر وبصوت مرعوش): “تامر.. إحنا هنا ليه؟ الوقت تأخر وماما زمانها مستنية…”
تامر (لف جسمه لي وبص في عيني بتركيز): “ماما مستنية تعرف نتيجة ‘الاختبار’ صح يا نيرمين؟” كلمته نزلت عليا كشفتني تماماً! اتسمرت مكاني وحسيت إن الهوا طار من صدري. نيرمين: “اخـ.. اختبار؟! تامر أنت بتقول إيه؟!” ابتسم بمرارة، وسند ظهره على الكرسي وأخد نفس عميق، ونبرة صوته الهادية اللي بحبها تحولت لنبرة مليانة عتاب يوجع اكتر من أي زعيق:
تامر: “نيرمين.. أنا مش مغفل. يوم السوبر ماركت، لما أُمتِك طلبت منك لحمة وفراخ ورز، أنا وقفت بعيد ورديت على الموبايل بقصد. عارفة ليه؟ لأن دي طلبات بيتكم الشخصية! أنا راجل أهلي مربيني على الأصول.. دخولي بينك وبين والدتك في مصاريف البيت العادية وأنا لسه خطيبك كان هيبقى قلة ذوق وفرض سيطرة، وممكن والدتك تتحرج أو تحس إني بتدخل في اللي ماليش فيه، أو بتعالي بفلوسي. عشان كده انسحبت بذكاء وعملت نفسي مشغول عشان تاخدي راحتك وتدفعي من فلوس بيتكم.”
سكت لثانية، وعينيه ألمعت بدمعة مكتومة، وكمل: تامر: “لكن النهارده.. لما جيت معاكي المول، شفت عيونك وأنتِ بتبصي للفستان، وشفت نظرة التردد اللي كانت بينك وبين موبايلك طول الطريق. أنا عارف إن الفستان بـ 7 آلاف، وعارف إن الرقم ده هيأخرني شهر في تشطيب سيراميك المطبخ.. بس قلت فداكي، طالما نيرمين نفسها في حاجة وفرحانة بيها، أنا أسد وأشيل، لأنك بكرة هتبقي مراتي وحبيبتي، وده واجب عليا تجاهك أنتِ مش تجاه طلبات البيت! بس المحزن في الموضوع يا نيرمين.. إنك حطيتيني في ‘مصيدة’، وسمحتي للشك يدخل بيننا لمجرد إنك ما سألتينيش بصراحة عن وجهة نظري يوم السوبر ماركت!”
العودة والاعتراف أنا في اللحظة دي إنهارت في البكاء. الإحساس بالذنب كان بياكل قلبي. اتأكدت إن تامر مش بس راجل ومش بخيل، ده راجل بفكر وكرامة وذوق نادراً ما يتوجدوا اليومين دول. مسكت إيده وأنا بعـ,ـيط: “تامر.. أنا آسفة، والله العظيم أنا بحبك، بس الكلام.. وماما.. والوساوس…” حط إيده على إيدي وقال بنبل: “أنا مش زعلان منك، أنا زعلان عليكي.. لأنك لو ما وثقتيش فيا من دلوقتي، حياتنا بكرة هتبقى كلها اختبارات وشكوك. الفستان ده هتاخديه، ومش هترجعيه.. وده كارت إثبات إني بشتريكي بأي ثمن، بس أتمنى تكوني اشتريتيني أنتِ كمان.”
وصلني البيت، ونزلت وأنا شايلة الفستان وحاسة إني شايلة جبل فوق كتفي. المواجهة مع الأم أول ما دخلت من باب الشقة، لقيت أمي قاعدة في الصالة، نظارات القراءة على وشها، ومستنياني بلهفة وجنبها كوباية الشاي: الأم (بلهفة ونبرة انتصار): “هااا! عمل إيه؟ دفع ولا زي كل مرة عمل من بنها وشال إيده؟!” رميت شنطة الفستان على الكنبة، وقعدت قصادها وأنا بمسح دموعي. نيرمين: “دفع يا ماما.. دفع 7200 جنيه بالتمام والكمال من غير ما يرَمِش رمشة واحدة.”
أمي عينيها وسعت وأيديها اتجمدت وهي ماسكة الكوباية: “إيه؟! دفع 7 آلاف جنيه في فستان؟! يا لوي.. ده طلع مريش بقى ولا إيه؟!” نيرمين (بنبرة حاسمة وصريحة): “لا يا ماما.. مش مريش. تامر خصم المبلغ ده من فلوس سيراميك مطبخنا اللي بنبنيه سوى! تامر دفع عشان بيحبني، وتامر فهم الخطة من أولها لآخرها يا ماما.. وقالي كلمتين يوزنوا جبال!” حكيت لأمي كل كلمة قالها تامر في الكافيه؛ عن الأصول، وعن الفرق بين طلبات البيت ومصاريف الخطيبة، وعن إحساسه بالإهانة إنه اتحط في اختبار.
أمي سكتت خالص.. النظرة اللي في عينها تحولت من الفضول والتحدي للخجل والكسوف. حطت كوباية الشاي على الطاولة بهدوء، وأخدت نفس عميق. الأم (بصوت واطي ونبرة ندم حقيقية): “يا بنتي.. أنا كنت خايفة عليكي، الزمن ده يخوف والحرص واجب.. بس أنا أخطأت في حق الراجل ده. تامر طلع ابن أصول بجد، وعنده حياء ورجولة نادرة.. الراجل اللي يحترم بيت أهل مراته وما يفرضش نفسه عليهم، وفي نفس الوقت ما يستخسرش في مراته حاجة.. ده يشال على الراس.”
نقطة التحول قامت أمي، فتحت دولابها، وطلعت ظرف فيه مبلغ الفستان بالكامل، وادتهوني وهي بتقولي: الأم: “الظرف ده هتاخديه بكرة، وهتقابلي تامر.. هتقوليله إن أمي بتقولك أنت كبرت في نظرها جداً، والفلوس دي ترجع لمكانها في تشطيب شقتكم، والفستان ده هعتبره هديتي ليكي في خطوبة بنت خالتك.” ثاني يوم، تقابلت مع تامر. أول ما شاف الظرف وسمع كلام أمي، ابتسامته الصافية رجعت لوشه تاني، ونظرة العتاب اختفت. حسيت إن الأزمة دي، رغم قسـ,ـوتها، كانت الساس اللي اتبنت عليه ثقتنا في بعض.
تعلمت درس عمري: الراجل الحقيقي ما بتتكسرش هيبته بالاختبارات، والعلاقات النجاحة بتتبني على الصراحة والاحترام، مش على الخـ,ـدع والمصايد!