منوعات

يا امك ياا نا

رجعت نادية الشقة وهي حاسة إن رجليها مش شايلاها. ما عيطتش، بس العرق اللي على جبينها وشـ,ـفايفها المضمومة كانوا بيقولوا إن السكوت اللي جاي أصعب من أي زعيق. فتحت النور، مشيت ببطء للمطبخ، عملت كوباية شاي وسابتها تبرد على الترابيزة وهي باصة للنقطة البيضا اللي على حافة الشباك… نفس النقطة اللي حماتها أشارت عليها الصبح. ساعة كاملة مرت في صمت تامة، لحد ما سمعت صوت المفتال بيلف في الباب. دخل حسام. كان شكله متلخبط، عينيه بتهرب في كل زوايا الشقة إلا في عينيها. حط مفاتيحه على الجزامة بصوت عالي كأنه بيحاول يكسر السكوت الثقيل.

— «نادية… اللي حصل عند أمي ده ما ينفعش. إنتِ مشيتِ وسِبتِ الأكل على الترابيزة، وأمي قعدت تعيط وتشتكي من طريقتك.» نادية ما اتحركتش. رفعت رأسها ببطء وبصت له بنظرة هادية جداً… نظرة تخوف أكتر من أي صريخ. — «هي اللي قعدت تعيط؟» قالتها بنبرة خالية تماماً من المشاعر. «طب وإنت؟ عملت إيه لما قالتلي إني عايشة على قفا غيرك وإني مجرد واحدة بتعمل منيكير وما بعرفش أكون ست بيت؟ قعدت تاكل اللحمة بالبصل برضه؟»

حسام اتوتر، مشي خطوتين ناحيتها وهو بيمسح وشه بإيده: — «يا نادية افهمي! أمي كبرت، وطريقتها دبش، أنا عارف! بس دي أمي… ما أقدرش أكسفها قدامك أو أرفع صوتي عليها. إنتِ المفروض تكوني أعقل من كده وتعدي لها الكلام.» — «أعدي؟» نادية وقفت، وقفتها كانت فيها صلابة جديدة خالص عليه. «أنا عديت سنة كاملة يا حسام. عديت فتح السبيكر كل يوم الساعة سبعة الصبح، عديت افتشها في زبالتنا، عديت تريقة شغل ست ساعات وتسع ساعات في اليوم، عديت إنك واقف زي الألف مش عارف تقول كلمة واحدة تدافع بيها عن مراتك اللي شايالة نص مصاريف البيت ده!»

— «أنا مش مقصر معاكي في حاجة!» حسام نبرته بدأت تعلى دفاعاً عن نفسه. — «إنت مقصر في أهم حاجة… إنت مش مديني أمان ولا حماية في بيتي.» سكتت لحظة، وبعدين مشيت ناحية أوضة النوم. حسام مشي وراها وهو متوقع إنها هتقفل الباب وتعيط زي كل مرة. بس المرة دي كانت مختلفة. نادية فتحت الدولاب، وطلعت الشنطة الكبيرة. حسام اتصدم، خطواته وقفت مكانها: — «إنتِ بتعملي إيه؟» — «بلم هدومي زي ما قلتلك عند أمك. طالما البيت ده ملوش صاحب يدافع عن حرمته، يبقى أنا ماليش مكان فيه.»

— «نادية بلاش جنان! هتروحي فين في نص الليل؟ الناس تقول إيه؟!» بصت له وابتسمت ابتسامة مريرة: — «الناس؟ إنت برضه كل اللي هامك الناس وأمك؟ ما فكرتش مرة واحدة فيا أنا؟ هروح عند أختي. ومش هرجع يا حسام… غير لما تكون راجل في بيتك، ومش مجرد صدى صوت لأمك.» قفلت السحاب بتاع الشنطة بصوت حاد، شالتها على كتافها اللي وجعاها من شغل النهار كله، ومشيت ناحية الباب. حسام حاول يمسك إيدها، بس هي سحبت إيدها بحدة وقوة خلته يتراجع.

— «لو مشيتِ دلوقتي… كل حاجة بيننا هتتقفل!» هددها وهو بيحاول يسيطر على الموقف. بصت له عند العتبة وقالت: — «هي بالفعل اتقفلت من اللحظة اللي اخترت فيها تسكت وأنا بتهان قدامك.» قفعت الباب وراها. الصوت رن في الصالة الفاضية. مرت أسبوعين. في الأسبوعين دول، الشقة بقت عبارة عن صحراء. حسام كان بيرجع من الشغل يلاقي البيت ضلمة، مفيش ريحة أكل، مفيش صوت غسالة بتشتغل، ومفيش نادية اللي كانت رغم تعبها بتقعد جنبه تسمعه.

أمينة هانم كانت بتتصل كل يوم، بس المرة دي المكالمات اتغيرت. — «أحسن إنها مشيت يا حسام! سيبها تتربى شوية عند أختها، بكرة ترجع ورجلها فوق رقبتها لمّا تعرف إن محدش سائل فيها.» بس حسام ما كانش بيرد برتياح زي الأول. كان بيسمع كلام أمه وهو حاسس بضيق في صدره. الأكل الجاهز قرفه، البيت بقى مكركب، والأهم من ده كله… كلمة نادية كانت بتزن في ودنه طول الليل والنهار: “إنت مش مديني أمان ولا حماية في بيتي.”

في يوم بالليل، حسام كان قاعد في الصالة. الموبايل رن، كانت أمينة هانم. — «أيوة يا ماما…» — «بقولك إيه يا حبيبي، أنا جاية بكرة الصبح بدري عندك الشقة. هجيب شوية خضار ونضفلك البيت اللي البت دي سابته زي المزبلة، وأعملك أكل ينفعك.» حسام غمض عينيه. حاس بفيضان من المشاعر بيكتم نفسه. افتكر نادية وهي راجعة من شغلها صوابعها مخـ,ـدرة، وافتكر أمه وهي بتعدي صباعها على الشباك عشان تدور على تراب. افتكر سكوته وقاهرتها.

لأول مرة في حياته، حسام اتنفس بعمق وقال بصوت واضح وواطي بس حاسم: — «لأ يا ماما. ما تجميش.» السكوت على الناحية التانية كان زي الصدمة الكهربائية. — «إنت بتقول إيه يا حسام؟! أقولك أجي أنضفلك وأعملك أكل تقول الما تجيش؟!» — «أيوة يا ماما. ده بيتي أنا ونادية. ونادية مش موجودة عشان إحنا الغلطانين في حقها. إنتِ تدخلتِ في كل صغيرة وكبيرة في حياتنا، وأنا سيبتك تتدخلي لحد ما خربت بيتي. من هنا ورايح، الشقة دي مش هتدخليها ولا تتدخلي في أكلنا وشغلنا وحياتنا.»

— «إنت بتبيع أمك عشان واحدة…» — «أنا مش ببيعك يا أمي»، قاطعها حسام بصلابة ما كانتش عنده قبل كده. «أنا بابنِ بيتي اللي انكسر. إنتِ أمي وعلى راسي، أزورك وأخدمك بعيني، بس حياتي الخاصة ومراتي… خط أحمر. سلام يا ماما.» قفل المكالمة قبل ما تسمع منه أي اعتذار. أيده كانت بترتعش، بس حاس لإول مرة إنه بيتذوق طعم الحرية والمسؤولية بجد. تاني يوم الصبح، الساعة تسعة. نادية كانت واقفة في مركز التجميل، بتظبط أظافر لعميلة. وشها كان باهت من قلة النوم، بس عينيها كانت حادة ومصممة.

الباب اتفتح، وورود حمرا كبيرة دخلت الأتيليه، ووراها كان حسام. كل البنات والعميلات بصلوه باستغراب. حسام كان شكله مجهد، لابس قميصه ومش متظبط أوي زي العادة، بس عينيه كانت باصة لنادية بس. نادية وقفت شغلها، نزلت المبرد من إيدها، وبصت له بجمود: — «خير يا حسام؟ جايب ورد ليه؟» حسام قرب منها، ما هتمش بالناس اللي واقفه تتفرج. حط الورد على الترابيزة وقعد على الكرسي الصغير اللي قدامها. — «أنا كلمت أمي امبارح يا نادية.»

نادية رفعت حواجبها بشك: «وقالتلك إيه؟» — «قلتلها ما تتدخلش في حياتنا تاني. وقلتلها إن الشقة دي بيتك إنتِ، وما حدش له كلمة عليكِ في أكل، ولا شغل، ولا تنظيف. وقلت لها إن مراتي خط أحمر.» نادية سكتت، عينيه بدأت تلمع بدموع محبوسة، بس لسه قاسية: — «الكلام ساهل يا حسام.» حسام مسك إيدها – الإيد اللي كانت وجعاها من شغل النهار – وباسها قدام كل الناس في الصالون.

— «أنا عرفت قيمة السكوت اللي سكتُه. وعرفت إن الراجل مش بس اللي بيجيب فلوس، الراجل هو اللي بيحمي مراته حتى لو من أقرب الناس ليه. أنا اتغيرت يا نادية… ومش طالب منك ترجعي بكرة. تعالِ نتفق على قواعد جديدة لبيتنا، وأنا مستعد أثبتلك كل يوم إنك أهم حاجة في حياتي.» نادية بصت في عينيه. شافت فيهم الخوف الحقيقي من إنه يخسرها، وشافت اللمعة اللي كانت غايبة طول السنين اللي فاتت.

تنفيست عميقة خرجت منها، هزت رأسها ببطء وقالت: — «الورق الأبيض ما بيرجعش زي ما كان بسهولة يا حسام… بس أنا مستعدة أدينا فرصة نبدأ صفحة جديدة. بشرط… الموبايل ما يتفتحش سبيكر تاني أبداً.» حسام ضحك من قلبه، ضحكة صافية بقاله كتير ما ضحكهاش، وطّع موبايله من جيبه ورماد على الترابيزة: — «ولا سبيكر ولا من غير سبيكر… من هنا ورايح، المكالمات دي هتبقى باختيارك إنتِ وبس.»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى