وسعت عيني في الضلمة، وقلبي كان بيدق زي الطبول.. صوت باب الشقة وهو بيتقفل بتسحب كان رزع في دماغي! فضل جسمي يتنفض من الصدمة والغل. “يعني أنا أسامح وأكبر دماغي، وهو ينزلها سِرّي في نص الليل؟!” قومة واحدة من السر,,ـــــير، لبست شبشبي وطرحتي على دماغي من غير ما أفكر، وفتحت الباب وراه بالراحة وشارعة في أثره. نزل السلم خطوة بخطوة عشان ما يعملش صوت، وأنا نازلة وراه وزي العفريتة، بداري خطوتي في ضلمة مدخل العمارة. شفته واقف قدام باب شقتها في الدور الأرضي، خبط خبطتين خفاف خالص.. الباب اتفتح في ثانية! وكأنها كانت واقفة وراه ومستنياه..
أول ما فتحت، شفتها لابسة قميص نوم بيتي خفيف وشعرها مفرود، وبتتمسكن وتقوله بصوت واطي ومكسور: “حقك عليا يا أحمد.. والله ما كنت هعدمك في الوقت ده، بس المحبس بتاع الحمام مكسور والمية مبهدلة الدنيا ومش عارفة أتصرف وأنا لوحدي بالعيال!” دخل الشقة وقفل الباب وراه! في اللحظة دي، العقل طار مني.. الدم غلى في عروقي وبقيت حاسة إن قلبي هيقف من القهر. وقفت قدام الباب ثواني، أفكاري تودي وتجيب: “أخبط وأعمل فضيحة في العمارة وألم الناس عليهم؟ ولا أدخل أطب عليهم؟ بس الباب مقفول بالترباس!”
فجأة افتكرت إن شقتها لها شباك مناحي لمنور العمارة من ورا، وباب السطح والمنور مفتوحين. لفيت بسرعة من ورا العمارة، ودخلت المنور في الضلمة، ووقفت تحت شباك الحمام والمطبخ عشان أسمع صوتهم. سمعت صوت المية وهي شغال، وصوت أحمد جوزي وهو بيقول بسخط: “يا بنت الحلال، المحبس مالهوش دعوة بالوقت ده! مراتي كانت هتقوم الدنيا ومتقعدهاش بسبب رنتك.. أنا جيت ألحق المية اللي أغرقت الدنيا دي وبس، عشان خاطر أخويا مش أكتر، إنما كده كتير!”
ردت عليه بصوت فيه مياصة وتدليل يفرس: “جرى إيه يا أحمد؟ هي مراتك ممشياك على العجين ما تلخبطوش ولا إيه؟ وبعدين أنا مين ليا غيرك في العمارة دي؟ أخوك مسافر وسايبني لأقرب الناس ليه.. ولا أنت خايف منها؟” قربت أكتر من الشباك، وسمعته بيزعق بس بصوت واطي: “أنا ما بخافش من حد! بس مراتي ليها حق تضايق، تصرفاتك وشغلك ده مش تمام، وأنا حذرتك قبل كده! المحبس أهو اتصلح والمية اتفتحت، أنا طالع شقتي وما ترنيش عليا تاني في وقت زي ده فاهمة؟”
في اللحظة دي، وأنا واقفة في المنور، رجلي خبطت في جردل قديم عمل صوت عالي! سمعت صوتها بيصرخ: “مين اللي بره ده؟!” وأحمد قال بسرعة: “مين في المنور؟!” ما استنيتش! جريت بسرعة الصاروخ من المنور، طلعت السلم جاري، ودخلت الشقة، وقعدت على السر,,ـــــير وربعت إيدي، وجسمي كله بيتفاض من أثارة الموقف والغضب. بعد دقيقتين بالظبط، الباب اتفتح.. أحمد دخل وهو بيتنفس بسرعة ومربوك، بيبص على السر,,ـــــير يشوفني نايمة ولا صاحية.. لقاني قاعدة في الضلمة، ومفتحة عيني وببص له بنظرات زي النــ,,ـــــار!
اتسمر مكانه، واللون هرب من وشه.. “أنتِ.. أنتِ صاحية؟” قمت وقفت بثبات، وقربت منه خطوة بخطوة، وقلت له بصوت واطي بس يرعب: “كنت فين يا شهريار؟ بتصلح سباكة الهانم في نص الليل؟ ولا رايح تقيم واجب الأخوة بالقميص الخفيف؟” بلع ريقه وصدمته كانت كبيرة: “أنتِ.. أنتِ جيتي ورايا؟” صرخت فيه بكل قهر السنين: “أيوه جيت ورايا وسمعت كل كلمة! سمعت تدليعها ليك، وسمعت كلامها عليك وإنك خايف مني! وسمعتك وأنت بتقولها ‘أنا حذرتك قبل كده’! يعني أنت عارف إنها بتتنعوج عليك وساكت ومعدي؟!”
أحمد بدأ يترعش ويحاول يبرر: “والله العظيم المية كانت مبهدلة شقتها و…” قاطعة بصوت هز أركان البيت: “بس! ولا كلمة! المحبس يتصلح الصبح، أو تجيب سباك! إنما تروح لها الساعة 2 بالليل وهي بلبس البيت؟ دي مش شهامة.. دي قلة أدب ورخص! وأنت ساعدتها على ده بسكوتك ومبرراتك الفاضية!” سحبت شنطة هدومي من فوق الدولاب، ورزعتها على السر,,ـــــير وبدأت ألم هدومي وأنا بعيط من القهر: “أنا رايحة بيت أبويا.. وتلفون أخوك المسافر يترن عليه حالاً، وتقوله ييجي يلم مراته، يا إما الورقة بتاعتي توصلني بيت أهلي، واشبع بها وبخدمتها!”
أحمد اتجنن وأول ما شاف الشنطة مسك إيدي: “والله ما تخرجي من البيت في نص الليل! أنتِ فاهمة غلط!” زقيت إيده بقوة وقبل ما أفتح باب الشقة، لقيت جرس الباب بيرن بصوت هستيري ومتواصل!! بصينا لبعض باستغراب ورعب.. مين اللي هيرن الجرس الساعة 2:30 بالليل بالطريقة دي؟! أحمد قرب من الباب وفتحه ببطء.. ولقينا الفاجعة الكبرى واقفة على الباب! (يتبع…) لتكملة الأحداث الجزء الثالث ومعرفة مين اللي على الباب الجزء الثالث من القصة واكشف سر الشخصية التي تقف على الباب وكيف ستنتهي المواجهة.
أول ما أحمد فتح الباب ببطء وإيده بتمــ,,ـــــوت من الرعشة، كانت الصدمة اللي جمدت الدم في عروقنا إحنا الاتنين.. اللي كان واقف على الباب مش حد غريب.. ده كان “محمود”! أخو أحمد وجوز سلفتي اللي المفروض إنه مسافر بره البلد ومغرب! واقف على الباب بشنطة سفره، ووشه زي قطعة الفحم، وعيونه بتطلع شرار! يبدو إنه جِه من السفر فجأة عشان يعملها مفاجأة، وأول ما وصل تحت العمارة وطلع، سمع صوت زعيقي وخناقنا اللي كان واصل لآخر السلم!
محمود بص لأحمد بنظرة حادة زي السكــ,,ـــــين، وقال بصوت مكتوم يخوف: “في إيه يا أحمد؟ صوتكم واصل لآخر الشارع بالليل كده ليه؟ ومراتك شايلة شنطتها ورايحة فين؟ وأنت كنت فين نازل وطالع على السلم في نص الليل؟!” أحمد اتسمر مكانه واللسان اتعقد في بقه.. ما عرفش ينطق بحرف! هنا أنا ما سكتش.. خلاص، القهر كان وصل لآخره، والتطنيش مش هيفيد. قربت من الباب وبصيت لمحمود وقلت له بكل ثبات وقسوة:
“حمد الله على السلامة يا محمود جيت في وقتك بالظبط! اسأل مراتك اللي بتتصل بجوزي الساعة 2 بالليل وتقوله تعالي اللحقني المحبس مكسور! اسألها عن التدليع والمياصة والمسكنة اللي بتعملها طول ما أنت مسافر! اسألها ليه مش عارفة إن ليها حدود، ولا فاكرة إن جوزي خدام عندها ولا جوزها التاني؟!” محمود عيونه وسعت من الصدمة، والشنطة وقعت من إيده على الأرض.. بص لأخوه أحمد وقال له بنبرة ترعب: “الكلام ده صح يا أحمد؟ مراتي بتتصل بيك بالليل وأنت بتنزل لها شقتها وأنا مش موجود؟!”
أحمد اتلجلج وبدأ يبرر برعشة: “يا محمود افهم بس.. والله العظيم المية كانت مغرقة الشقة، وأنا نزلت أصلح المحبس عشان خاطر عيالك، والمرأة كانت مرعوبة، أنا دخلت بصفتي أخوك ومش أكتر!” محمود سكت لحظة.. السكوت اللي يسبق العاصفة. وبعدين بص لأحمد وقال له بصوت جاف: “أخويا؟ لما تنزل لمراتي في نص الليل وهي لوحدها باللبس البيتي، يبقى أنت نسيت الأصول والأخوة! والمحبس اللي بيتقفل في نص الليل ده كان يقدر يستنى للصبح، أو كنت تجيب مراتك معاك وأنت نازل! لكن تنزل تسحب وورا مراتك من غير ما تعرفها؟ دي مش شهامة يا أحمد.. دي قلة قيمة!”
في ثواني، محمود لف وضهره وأخد شنطته ونزل على شقته تحت بخطوات زي الرعد.. وإحنا واقفين سامعين صوت خبط الباب الهستيري تحت، وصوته وهو بيزعق لمراته ويزمجر فيها، وصوت بكائها وصريخها وهي بتحاول تتمسكن وتبرر زي عادتها، بس المرة دي كان الفأس وقعت في الرأس! أحمد وقف يبص لي بكسرة وندم حقيقي، وعاف إن الطيبة والشهامة العمياء -أو السكوت على التجاوزات- كانت هتخرب بيته وبيت أخوه. قرب مني ودموعه في عينه وقال:
“حقك عليّا.. أنا أسف. أنتِ كان عندك حق في كل كلمة.. أنا اللي كنت مغفل وسبت لها المساحة تتعدى حدودها تحت مسمى الواجب والأخوة. والله ما كان في نيّتي حاجة وحشة، بس أنا تعلمت الدرس وبأعلى ثمن.” مسكت شنطتي وقلت له بنبرة قاطعة: “أنا مش همشي وأسيب بيتي يا أحمد.. بس من النهارضة، الحدود تترسم بالمسطرة! لا خدمة، ولا توصيل دكاترة، ولا مكالمات بعد الساعة 8 بالليل اصلاً! اللي ليها جوز يراعيها، وأنت ليك بيتك ومراتك بتبديهم على الكل.. اتفقنا؟”
أحمد هز رأسه بالموافقة ومسك إيدي، وفي الليلة دي.. اتطوت صفحة قاسية، وأدرك إن الشهامة من غير حدود.. بتتحول لخراب بيوت!