منوعات

رجعت قبل ميعادي

نزلت الرجالة من العربيات الجيب بصدمة أربكت كل الواقفين في الجنينة. الهدوء المفاجئ تقله يقطع النفس، ومحدش قادر يستوعب إيه اللي بيحصل. دَخل راجل في الخمسينات، هيبته تملى المكان، لابس بدلة فورمال كحلي وشعره مطعم بأبيض خفيف، ومعه اثنين محامين ماسكين شنط جلد تقيلة. أول ما والد شريف شافه، كاس العصير وقع من إيده فاتكسـ,ـر على الأرض: “حسين بيه الشاذلي؟!” فريدة بصلتهم بابتسامة نصر باردة وقالت:

“أه.. حسين بيه الشاذلي، رئيس مجلس إدارة بنك التنمية والأصول.. والشريك الرئيسي في الشركة اللي شريف ووالده بياخدوا منها قروض بضمان ‘الفيلا’ دي من ورايا.. أو بالأحرى، القروض اللي كذبتوا عليا وقلتولي إنها لتوسيع الشغل، وهي كانت بتتدفع في حساب شهد الشخصي!” شهد اتنفضت من مكانها، وطرحة الفرح اتهزت وهي بتقول برعـ,ـب: “أنتِ بتقولي إيه؟! فريدة أنتِ اتجننتي؟!” حسين بيه طنش شهد تماماً ووجه كلامه للمحامي اللي جنبه: “افتح الملف يا أستاذ رفعت وريهم الموقف القانوني.”

المحامي طلع أوراق رسمية ومختومة بختم النسر وقرأ بصوت جهوري سمع كل الحضور: “بناءً على البلاغ المقدم من الأستاذة فريدة، وتمت مراجعته صبيحة اليوم مع النيابة العامة والأموال العامة: تم إيقاف جميع الحسابات البنكية الخاصة بالسيد شريف ووالده، وتحفظ البنك على كافة الأصول والشركات، لإثبات عملية تزوير وتدليس في إيصالات أمانة وعقود بيع وهمية.” الهمس في الجنينة اتحول لهرج ومرج.. المعازيم بدأوا يتسحبوا واحد ورا الثاني من غير ما حد يحس، وشريف وشه بقى زي الورقة البيضا. مسك إيد فريدة بلهفة ورجاء:

“فريدة! استهدي بالله.. أنتِ فاهمة غلط! شهد هي اللي ضغطت عليا، شهد هي اللي استغلتني!” شهد صرخت فيه بصوت هيستيري: “أنا يا شريف؟! بقى أنا اللي ضغطت عليك؟ ده أنت اللي كنت بتتحايل عليا عشان نخلص من فريدة وناخد الفيلا والشركة ونطفش المالديف!” في اللحظة دي، فريدة قربت من شهد بخطوات ثابته ورايقة جداً.. مدّت إيدها بكل هدوء ورفعت صباعها، وخلـ,ـعت الحلق الألماظ الأثري من ودن شهد بمنتهى الرقة وهي بتقول:

“الحلق ده بتاع جدتي.. مقامه أعلى بكتير من إنه يتحط في ودن حد زيك.” مسحت الحلق بمنديل ورقي، وحطته في شنطتها، ورجعت بصت لشريف ووالده وقالت: “أنا راجعة من الغردقة بيومين بدري مش عشان أعملكم مفاجأة.. أنا رجعت عشان أعرف البوليس والأموال العامة عنوان الفرح، عشان ييجوا يقبضوا عليكم بـ ‘الجرم المشهود’ وأنتوا بتمضوا على عقد التنازل المـ,ـزور اللي على الترابيزة ده.” وفي نفس اللحظة.. ظهرت عربيتين شرطة برة، ودخل ضابط برتبة مقدم ومعه أفراد الشرطة:

“مين هنا السيد شريف والسيد والده؟” والد شريف حاول يتكلم بكبرياء: “حضرتك أنت عارف بتكلم مين؟! أنا…” الضابط قطعه بنبرة صارمة: “عارف كويس.. اتفضلوا معانا على النيابة، مطلوبين في قضايا تزـ,ـوير واستيـ,ـلاء على أموال.” شهد قعدت على الأرض بفستانها الأبيض وهي بتبكي بهستيريا وتصرخ، وشريف عيونه كانت متعلقة بفريدة بكسرة وندم، لكن فريدة ما هزهاش حتى جفن. لفت فريدة للدي جي اللي كان واقف مذهول وقالتله بابتسامة صافية: “شغل أغنية مبهجة لو سمحت.. أصل الفيلا رجعت لصاحبتها، والحفلة يلا فركش!”

طلعت فريدة على السلم الداخلي لبيتها، وبصت للجنينة وهي بتشوفهم بيتقادوا للكلبشات.. اتنفست لأول مرة من سنين راحة بال حقيقية، وعرفت إن الحق لما بيرجع.. بيرجع بقوة وجبـ,ـروت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى