منوعات

راجعين من الفرح

أخرج هاتفه بسرعة، وحاول الاتصال بها، ليأتيه الصوت الآلي البارد: “عذراً، هذا الهاتف مغلق حالياً”. في هذه اللحظة، شعر أحمد ببرودة تجري في جسده كله، وتذكر شكل عينيها وهي تنظر إليه بذهول وقهر قبل أن تغلق باب السيارة. كيف طاوعه قلبه أن يتركها هنا؟ كيف رخصت عليه زوجته وحبيبته إلى هذا الحد ليُرضي عناد والدته؟ وفجأة.. وبينما هو يلف حول نفسه في حالة ذهول، لَمحت عيناه شيئاً يلمع على الأرض تحت ضوء كشاف السيارة.

تقدم بخطوات مرتجفة، وانحنى ليلتقط الشيرت (الشال) الستان الذي كانت ترتديه فوق فستان الفرح لحمايتها من البرد، وبجواره.. حقيبة يدها الصغيرة! أمسك الحقيبة بيدين ترتعشان، وفتحها بلهفة ليجد هاتفها المحمول بداخلها! لقد أُغلق الهاتف لأن بطاريته نفدت تماماً. هذا يعني أنها لم تتصل بأحد، ولم يأتِ أحد لإنقاذها. الحقيبة والشال ملقيان على الأرض كأن معركة صامتة دارت هنا، أو كأنها أُجبرت على ترك أشيائها! سقط أحمد على ركبتيه في وسط الشارع، ووضع يديه على رأسه وهو يهمس برعب: “يا رب.. يا رب رجعهالي، أنا غبي، أنا ضيعت مراتي!”.

العودة إلى المنزل.. والمواجهة الأولى لم يجد أحمد حلاً سوى العودة إلى المنزل لعلها ذهبت إلى هناك بأي طريقة، أو ربما ذهبت لبيت أهلها. قاد سيارته بسرعة جنونية، ووصل إلى شقته، فتح الباب وهو يلهث، لكن الشقة كانت غارقة في صمت موحش. نزلت والدته (الحماة) من الشقة العلوية فور سماعها صوت الباب، ودخلت وراءه وعلى وجهها علامات الفضول والكبرياء، وقالت ببرود: ـ “جرى إيه يا أحمد؟ قالب الدنيا ليه؟ ومالك وشك أصفر زي الليمونة كده؟ فين المحروسة؟”

التفت إليها أحمد، وعيناه حمراوان من الدموع والغضب المكطوم، وقال بصوت حاد لأول مرة في حياته: ـ “منى مش موجودة يا أمي! رجعت المكان اللي نزلناها فيه ملقيتهاش! حاجتها مرمية في الشارع وتليفونها مقفول! مراتي ضاعت.. ضاعت بسببي وبسبب كلامك!” تغيرت ملامح الحماة قليلاً، وظهر عليها الارتباك، لكنها حاولت تدارك موقفها وقالت بلجاجة: ـ “تلقاها حبت تعمل حوار وتخوفك، وراحت قعدت في أي حتة، ولا ركبت مواصلة وراحت لأهلها عشان تشتكيلهم وتعمل من الحبة قبة!”

أحمد صرخ بقهر: “مواصلة إيه الساعة ٢ بالليل في طريق مقطوع؟! دي لو جرى لها حاجة، أنا مش هسامح نفسي.. ولا هسامحك يا أمي!” أكبر مفاجأة مستنياه! لم يتحمل أحمد الجلوس، فقرر الذهاب فوراً إلى بيت أهل منى، رغم أنه كان يمـ,ـوت رعباً من مواجهة والدها وأشقائها. قاد سيارته في خيوط الفجر الأولى، ووصل إلى بيت حماه. صعد السلالم وقلبه يتدفق دـ,ـماً من شدة الخوف. طرق الباب بيد مرتجفة. ثوانٍ، وفُتح الباب..

ليجد أمامه والد منى، بملابس المنزل، وعلى وجهه ابتسامة هادئة ومستغربة! قال الوالد ترحيباً: “أحمد؟ يا ابني أهلاً وسهلاً، خير إيه اللي جابك في وقت الفجر ده؟ إنتوا مش كنتوا في الفرح؟ منى جرى لها حاجة؟” تجمد أحمد في مكانه. والدها لا يعرف شيئاً! هذا يعني أنها لم تأتِ إلى هنا! بدأ أحمد يتلعثم ويسيل عرقه: “عمي.. أنا.. أصل منى..” وفجأة، ومن خلف والدها في الصالة، ظهر شخص جعل أحمد يتراجع خطوة للوراء من شدة الصدمة والمفاجأة التي قلبت كل حساباته..

لقد كانت منى! لكنها لم تكن تبكي، ولم تكن منكسرة. كانت ترتدي ملابس كاجوال أنيقة، وتجلس بكل ثقة وأمامها كوب من الشاي، وبجوارها يجلس رجل غريب يرتدي بدلة رسمية ممسكاً بملف أوراق! أحمد ببرق عينيه ولم ينطق، بينما تنحت منى جانباً وقالت ببرود قـ,ـاتل: “اتفضل يا أحمد، ادخل.. كنا مستنيينك، بس مكنتش أعرف إنك هتتأخر كده وتيجي على الفجر”. كشف المستور: من هو الرجل الغريب؟ دخل أحمد الصالة وهو يشعر وكأنه في حلم، وبصوت مبحوح قال: “منى؟ إنتي هنا؟ إزاي؟ والشنطة والشال اللي في الشارع؟ ومين الأستاذ؟”

منى وقفت، ونظرت إليه بنظرة لم يرها فيها من قبل.. نظرة خالية تماماً من الحب أو العتاب، نظرة قوة وشماتة مدروسة. وقالت: ـ “الأستاذ يبقى المستشار القانوني للشركة الكبيرة اللي أنا بشتغل فيها بقالي سنتين.. واللي إنت وأمك فاكرين إني مجرد موظفة صغيرة فيها.” ثم تابعت بابتسامة ثقة:

ـ “أما بالنسبة للشال والشنطة، فأنا اللي رميتهم بقصدي على الأرض، عشان أسيبلك علامة، وعشان أختبر رجولتك.. وكنت عارفة إنك هترجع بعد نص ساعة لما أمك تديك الأذن! بس أنا ملقيتش وراك رجوع.. أنا أول ما نزلت من العربية، كلمت السواق الخاص بتاع رئيس مجلس الإدارة، اللي كان قريب من المكان لأنه كان بيوصل ناس من الفرح، وجالي في خمس دقائق، وأخدني.” أحمد بلع ريقه وقال: “طيب والورق ده إيه يا منى؟ وأنا مالي ومال الشركة؟”

هنا تحدث المحامي بنبرة جادة وصارمة: ـ “أهلاً يا أستاذ أحمد. المدام منى هي الشريك الحصري وصاحبة رأس المال الأكبر في مشروع المحلات التجارية الجديد اللي حضرتك قدمت على قرض بضمانه، واللي والدتك بتملك الأرض بتاعته.. الأرض اللي مدام منى اشترت نصها من عمك الشهر اللي فات من وراكم!” انقلاب الطاولة سقطت الكلمات على رأس أحمد كالصاعقة. اتسعت عيناه وهو ينظر إلى الأوراق التي دفعها المحامي أمامه على الطاولة. منى أكملت كلامها بنبرة تشبه السكاكين:

ـ “أنا كنت مرتبة المفاجأة دي عشان أقولهالك وإحنا راجعين في العربية.. كنت عايزة أقولك إني أمنت مستقبلك ومستقبل أمك، ودخلت شريكة معاكم عشان نكبر الشغل. كنت فاكرة إني متجوزة راجل يسيج عليا بروحه.. لكن لما أمك قالتلك (يا أنا يا هي) وإنت بكل بساطة قولتلي (انزلي معلش يا منى)، في اللحظة دي.. أنا فوقت.” تقدمت منه خطوة، وقالت بفخر:

ـ “الشخصية اللي أمك تريقت عليها وقالتلك نزّلها في الضلمة، هي هي الشخصية اللي هتاخد منكم الأرض والشغل، واللي هترجع أمك تقعد في شقتها وم تملكش غير الحيطان.. المحامي هنا عشان يبلغك إن الشراكة اتفضت، والقرض اتلغى، وبكرة الصبح الأرض هتتحجز عليها قانونياً لأن عمك باعلي بنصيب شرعي مسجل.” أحمد انهار تماماً، وأمسك يدها: “منى.. أنا أسف، والله كنت خايف على أمي وضغطها، مكنتش أقصد..” قاطعتها منى وهي تسحب يدها بقوة وكبرياء:

ـ “أنا مبعاتبش يا أحمد. العتاب للغاليين.. وإنت من الساعتين اتنين بالليل، نزلت من نظري ونزلت من حياتي. اتفضل امضي على ورقة استلام إعلان القضية.. وقول لوالدتك: (منى شخصيتها قويت بالضلمة اللي سبتوها فيها.. ويلا، وروني هتعملوا إيه من غيري!)”. خرج أحمد من منزل أهل منى يجر أذيال الخيبة والندم، وهو يعلم أن ليلة الفرح تلك لم تكن كابوساً لمنى.. بل كانت بداية الكابوس الحقيقي له ولوالدته التي دمرت كبرياؤها مستقبل ابنها بكلمة واحدة!

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى