منوعات

حماتي بتدخل اوضتي من غير استئذان

حماتي كانت كل ما تيجي عندي، تدخل أوضتي من غير ما تستأذن، تفتح دولاب هدومي وتقعد تقلب في اللبس قطعة قطعة، وكل مرة تقول نفس الجملة: «إنتِ عندك لبس كتير أوي.» كنت بضحك وأعديها، لحد اليوم اللي فتحت فيه الدولاب ولقيت الهدوم ناقصة… ولما سألتها، ردت عليا بمنتهى الهدوء بجملة خلتني أفهم إنها مكانتش بتتفرج على هدومي أصلًا. من أول جوازنا، وأنا ملاحظة إن حماتي بتحب تعرف كل تفاصيل حياتي.

بتسألني عن مرتبي. بتبص في شنطتي. وتفتح التلاجة. لكن أكتر حاجة كانت بتعملها وتضايقني… إنها كانت تدخل أوضتي وتفتح دولاب هدومي. مرة أكون قاعدة في الصالة، ألاقيها داخلة الأوضة. أسمع صوت الدولاب بيتفتح. أدخل أقول: “في حاجة يا ماما؟” ترد بمنتهى العادية: “ببص على هدومك.” وتبدأ تقلب. “دي جديدة؟” “دي بكام؟” “إنتِ لبستيها كام مرة؟” وبعدين لازم تقول: “إنتِ عندك لبس كتير أوي.” كنت بضحك وأقول: “بحب أغير.” فترد: “أهو جوزك بيشتغل علشان يجيبلك.”

مع إن معظم الهدوم كنت أنا اللي بشتريها من مرتبي. عدت الموضوع. لكن الموضوع زاد. بقت كل زيارة تعمل نفس الحاجة. وفي مرة، كنت راجعة من الشغل، دخلت أوضتي، لقيتها فاتحة الدولاب. قلت: “يا ماما، ممكن متفتحيش الدولاب من غير ما تقوليلي؟” بصتلي باستغراب: “هو أنا غريبة؟” قلت: “مش قصدي… بس دي حاجتي.” ضحكت وقالت: “إيه اللي مستخبيه يعني؟” وسابت الأوضة. افتكرت إن الموضوع انتهى. لكن بعدها بأسبوع، كنت بدور على فستان أسود معين.

مش لاقياه. قلبت الدولاب كله. الفستان اختفى. سألت جوزي. قال: “يمكن إنتِ نسيتيه.” بعدها بأيام، اكتشفت إن جاكت جديد كمان مش موجود. وبعدين شنطة. بدأت أشك. لكن مكنتش عايزة أظلم حد. لحد يوم ما حماتي جت. كالعادة دخلت أوضتي. وفتحت الدولاب. لكن المرة دي كنت واقفة وراها. قالت: “إنتِ عندك لبس كتير أوي.” قلت: “آه، وعندي حاجات ناقصة كمان.” اتوترت للحظة. وبعدين قالت: “ناقص إيه؟” قلت: “فستان أسود، وجاكت، وشنطة.”

سكتت. وبعدين قالت: “يمكن ضاعوا.” بصيتلها. وقلت: “غريبة… أصل بنتك كانت منزلة صورة من أسبوع، وهي لابسة الجاكت بتاعي.” وشها اتغير. سكتت تمامًا. جوزي كان واقف عند باب الأوضة. بص لأمه. وقال: “إنتِ خدتي هدومها؟” ردت بسرعة: “ما هي عندها كتير!” قلت: “يعني أخدتيهم؟” قالت: “أنا كنت بديهم لبنتي، هي محتاجاهم أكتر.” هنا جوزي اتعصب. لكنها قالت جملة خلتني أسكت: “أنا أصلًا كنت بشوف هدومها كل زيارة علشان أعرف إيه اللي ممكن آخده من غير ما تلاحظ.”

وقتها فهمت إن جملة “إنتِ عندك لبس كتير أوي” مكنتش مجرد تعليق. كانت بتعمل جرد. لكن اللي صدمني أكتر… إنها كانت عارفة بالظبط إيه اللي عندي، وإيه اللي اختفى. ولما فتحت الدولاب تاني يوم، لقيت ورقة صغيرة محطوطة بين الهدوم. كانت مكتوبة بخط حماتي. وفيها قائمة بأسامي حاجات… مش حاجاتي أنا بس. كان مكتوب جنب كل قطعة: “دي لمين؟” “اتجابِت بكام؟” “لسه جديدة؟” وفي آخر الورقة جملة واحدة: وكان مكتوب في آخر الورقة جملة واحدة:

«المرة الجاية: الطقم الكحلي، والأسورة اللي في العلبة الخشب.» وقفت مكاني والورقة في إيدي، قلبي بيضرب بسرعة مش طبيعية. الجملة مكنتش مجرد كلام مكتوب بخط إيدها، دي كانت “خطة إخلاء” منظمة! هي مكنتش بتدخل أوضتي كحمات بتطمن على بيت ابنها، دي كانت بتدخل كخبير تثمين، بتمسح الأوضة بعينيها، تسجل المقاسات، تختار القطع، وترتب الجدول الزمني للسرقة! والأبشع من كده؟ الأسورة اللي في العلبة الخشب كانت هدية أمي الله يرحمها ليّا قبل ما تتوفى… حاجة ماليهاش أي علاقة بابنها ولا بفلوسه ولا بجوازنا أصلًا!

مسكت الورقة، وحسيت بنار بتغلي تحت جلدي. طلعت من الأوضة بهدوء يرعب. كان جوزي واقف في الصالة، ماسك دماغه بين إيديه، ووشه جايب ألوان من الإحراج والصدمة بعد اللي أمه اعترفت بيه. قربت منه وحطيت الورقة في إيده من غير ما أنطق بكلمة. بص للورقة، قرا القائمة، ولما وصل للجملة الأخيرة… عينيه وسعت بشكل مش طبيعي. بصلي بصدمة وقال: «إيه ده؟ دي… دي خط إيد أمي! هي… هي كانت مخططة تاخد أسورة أملك؟»

قلتله بصوت واطي ومترتب، بس كل كلمة فيه كانت أتقل من الجبل: «أمك مكنتش بتاخد هدوم علشان بنتها غلبانة ومحتاجة يا محمود… أمك فتحت فرع لممتلكاتي عندها في البيت. أمك بتعمل جرد دوري لأوضة نومي، ومحددة القطعة الجاية اللي هتختفي إيه وقيمتها كام!» محمود مكنش قادر يستوعب. كان بين نارين: نار إن أمه طلعت بتعمل كده، ونار الإهانة والسرقة اللي مراته بتتعرض لها في قلب بيتها. فجأة، تليفون محمود رن.

كانت أمه! محمود بص للشاشة، إيده كانت بتترعش. فتح السبيكر من غير ما يفكر، وكأن القدر عايز يوريني المأساة كاملة. جاء صوتها من الناحية التانية، متوتر بس بتحاول تبان طبيعية: «إيه يا محمود؟ وصلت للبيت؟ بقولك يا بني… هي مراتك تزعل ليه؟ ما اختها السلكة دي كل البنات بياخدوا من بعض! وبعدين هي كبرت الموضوع قدامك، أنا مأخدتش حاجة قيمة يعني… هي بس بتكبر الموضوع علشان تكرهك فيا!» محمود غمض عينيه وجز على سنانه، وقال بصوت حاد لأول مرة في حياته يكلمها بيه:

«يا أمي… الورقة.» السكوت حل على الناحية التانية تمامًا. الصوت اختفى لفترة، وبعدين قالت بتلعثم: «ورقة… ورقة إيه؟» محمود: «الورقة اللي نسيتيها في الدولاب… اللي كاتبة فيها قائمة باللي أخدتيه، واللي ناوية تاخديه المرة الجاية! كاتبة الأسورة الذهب بتاعت أمها يا أمي؟! دي أمانة وذكرى! إنتِ وصل بيكي الحال لده؟!» صوت حماتي اتغير تمامًا في ثانية. نبرة الدفاع والانكسار تحولت لنبرة هجوم شرسة وجافة:

«أيوة! وأنا أعدل المايل! مراتك بتصرف طاقية إبرة، ولابسة ومتهنية، وبنتي أنا مش لاقية تلبس زيهم! هو أنت فاكر الفلوس اللي هي بتشتري بيها الهدوم دي بتاعتها؟ ما هي بياكلوا ويشربوا من خيرك، فمن حق أختك تتستر من خيرك برضه! وبعدين دي أسورة ذهب، لو اتزنقتوا في يوم مين هيقف جنبكم غيرنا؟ أنا كنت بشيلها في مكان أضمن!» هنا أنا مقدرتش أسكت. قربت من التليفون وقلت بمنتهى الثبات:

«اللي بشتريه بمرتبي وبفلوسي ملكي يا طنط. والأسورة دي أختي الكبيرة لو عرفت إنك فكرتي تقربي منها، مش هتبقى مشكلة عائلية… هتبقى بلاغ في النيابة بسرقة مشغولات ذهبية. والورقة اللي بخط إيدك معايا، والهدوم اللي صور بنتك بيها على إنستجرام موجودة ومحفوظة!» حماتي اتصدمت إنها سمعت صوتي، وزعقت: «أنتِ بتهدديني في بيت ابني؟! يا محمود شوف مراتك بتقل أدبها عليا إزاي!» محمود رد بصوت قاطع هز جدران الشقة:

«مراتي بتتكلم صح يا أمي! وبنتك قدامها ساعتين بالضبط… الهدوم والشنطة يرجعوا مكوايين ومحطوطين في كيس عند باب الشقة هنا، وإلا أنا اللي هاجي بنفسي أعميلكم مشكلة في بيتك قدام جوز أختي وأبوي!» وقفل الخط في وشها. الهدوء اللي ساد الشقة بعد المكالمة كان تقيل أوي. محمود بصلي، وجاه يقرب مني، بس أنا رفعت إيدي وقلتله: «الموضوع مخلصش يا محمود… الحركة دي لازم تدفعنا لتغيير كل حاجة.» تاني يوم الصبح، محمود كان بنفسه جايب نجار. غيرنا كالون باب الأوضة بكالون ديجيتال بالبصمة والباسورد. مفيش مخادع ولا مفاتيح ممكن تتنسى أو تتنسخ.

وبعدها بساعتين، رن جرس الباب. فتحت، لقيت أخته واقفة عند الباب، وشها في الأرض، ماسكة شنطة كبيرة فيها كل الهدوم والشنطة اللي اختفوا. كانت تحس بالخزي وهي بتقدمهم ليّا، وقالت بصوت واطي: «أنا أسفة يا أبستور… والله بابا وماما هم اللي قالولي إنك أنتِ اللي مدياهم ليّا هدية… مكنتش اعرف إنهم أخدوهم من وراكي.» بصيتلها بهدوء، وأخدت الشنطة وقلت: «المهم إن الحاجة رجعت يا شيماء… ويا ريت تفهمي والدتك إن بيتي مش محل أزياء للمستعمل.»

قفلت الباب. ومن اليوم ده، حطيت حدود من حديد. حماتي حاولت كتير تعمل مشاكل، وقاطعتنا شهرين على أمل إن محمود يجي يبوس إيدها ويجبرني أعتذر، بس محمود وقف وقفة راجل، وكان يزورها لوحده ويفهمها إن بيتي وخصوصيتي خط أحمر. ولما رجعت تزورنا بعد فترة… قعدت في الصالة زي أي ضيفة غريبة. عينيها كانت بتمو.ت وتلفت ناحية أوضة النوم، بس الباب كان مقفول بالبصمة. ولما حبت ترمي كلمة وتجرب حظها وتقول:

«إيه يا بني، قفلين الأوضة ليه؟ هو إحنا غرب ولا هنسرقكم؟» محمود ابتسم ابتسامة هادية، وقالها جملة واحدة نهت الرواية كلها: «لا يا أمي… بس الأوضة فيها حاجات كتير أوي، وإحنا بنحب نحافظ على حاجتنا!»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى