منوعات

انتي هتكسفينا بالفستان ده

نص ساعة بالظبط. دي المدة اللي احتاجتها قاهرة المعز عشان تتقلب رأساً على عقب. في الجناح الرئيسي للفيلّا، فريدة كانت واقفة قدام دولاب قديم ومقفول بقفل رقمي. صوابعها اللي كانت بتترعش من شوية، بقت ثابتة وهي بتكتب تاريخ ميلاد والدها. الباب اتفتح، وظهر وراه “صندوق الميراث المنسي”.. فستان أسود مخملي بتوقيع مصمم عالمي، متطرز بخيوط الذهب الأبيض، وعقد من الألماس الحر النادر اللي كان هدية تخرجها من جامعة السوربون، وحتة “التايج” الصغيرة اللي بتثبت إنها مش مجرد ست بيت، دي وريثة عرش الدمنهوري للحديد والصلب.

تحت في الشارع، الصوت بدأ يعلى. مدام أمينة جرت على الشباك بخوف، لتلاقي أسطول عربيات سوداء مصفحة، مفيش فيها نمرة وحدة عادية، كلها نمر هيئات دبلوماسية ورجال أعمال كبار، بيقودهم موتوسيكلات حراسة. نزل من العربية المصفحة اللي في النص راجل في أواخر الخمسينات، شعره الأبيض بيزيد وقار، لابس بدلة إيطالية متفصلة عشانه مخصوص، وفي إيده عصاية أبنوس بمقبض دهب.. حسن الدمنهوري. الباب اتفتح، وفريدة كانت بتنزل السلم. مدام أمينة حطت إيدها على بوقها من الصدمة، فريدة القديمة مـ,ـاتت.. اللي نازلة دي ملكة متوجة، عيونها مليانة ثقة وبرود يجمّد الماية.

حسن الدمنهوري بصلها، عينه لمعت بدموع داراها بسرعة، وفتح دراعه ليها: “3 سنين يا فريدة؟ 3 سنين سايبة قصر الدمنهوري عشان حتة عيل مش فاهم هو متجوز مين؟” فريدة بقوة: “كنت فاكرة إن الحب بيبني بيوت يا بابا.. بس طلع بيبني مقـ,ـابر. ودلوقتي أنا خرجت من القبـ,ـر ده.” ابتسم الدمنهوري ابتسامة مرعبة وقال: “الحفلة فين؟” فريدة ردت ببرود: “في فندق الماسة.. حفلة النخبة القابضة.” حسن الدمنهوري شاور للحرس: “على هناك.. وكلمولي وزير الاستثمار، قسماً بالله لو كريم الشناوي ده طلع من الحفلة دي ومعاه عقد واحد، هقفلكم الشركات كلها الصبح.”

في فندق الماسة – قاعة الاحتفالات الكبرى الأجواء كانت مشتعلة، وزراء، رجال أعمال، ومستثمرين عرب وأجانب. كريم الشناوي كان واقف والابتسامة مش مفارقة وشه، وماسك كاس عصير، وجنبه داليا اللي كانت بتتباهى بفستانها وعقدها، وبتبص لكل الستات بتعالي. كريم كان بيحاول يوصل لرئيس مجلس إدارة “النخبة القابضة” عشان يمضي معاه عقد الشراكة السنوي، العقد اللي هينقل شركته لمنطقة تانية خالص ويثبت رجليه في السوق. داليا بدلع: “شايف يا كيمو؟ كل الناس بتبص علينا إزاي؟ تخيل بقى لو كنت جبت معاك البؤس اللي اسمها فريدة دي؟ كان زماننا أضحوكة الحفلة.”

كريم ضحك بثقة: “فريدة دي آخرها المطبخ وتربية العيال لو جالنا عيال.. مكانها مش هنا. الحفلة دي عايزة ناس بتفهم في البرستيج.. زيِك.” وفجأة.. الموسيقى وقفت. الهمسات في القاعة اختفت تماماً، وحل مكانها صمت رهيب. الأبواب الضخمة للقاعة اتفتحت، ودخل منها رئيس المراسم وهو بيعلن بصوت جهوري هز الحيطان: “معالي المستشار حسن بيه الدمنهوري.. والآنسة فريدة حسن الدمنهوري.” كريم وشه قلب ألوان، الكاس وقع من إيده اتقسم نصين على الأرض. بص ناحية الباب ومش مصدق..

“فريدة؟!”.. الكلمة طلعت من بوقه زي الهمسة المخنوقة. فريدة كانت داخلة، دراعها في دراع والدها. فستانها الأسود كان بياكل الإضاءة، والألماس اللي في رقبتها كان بيخطف العين. مكنتش بتبص لحد، كانت ماشية بخطوات واثقة، والكل بيوسع لها طريق وكأنها رئيسة دولة. داليا فتحت بوقها من الصدمة، العقد اللي هي لابساه وبتقول عليه ألماس، طلع جمب عقد فريدة زي الإكسسوارات الرخيصة اللي بتتباع في الشارع. وزير الاستثمار بنفسه ساب مكانه وجري على حسن الدمنهوري يرحب بيه: “حسن بيه! يا فندم نورت مصر كلها! إيه المفاجأة الجميلة دي؟”

حسن الدمنهوري رد بهدوء وثقة: “جيت أحضر الحفلة مع بنتي وحيدتي.. فريدة.” كريم، بدافع الغباء والصدمة، مشي خطوتين ناحيتهم وهو بيتفادى الحرس: “فريدة؟ إنتي إيه اللي جابك هنا؟ ومين الراجل ده؟ وأنتي لابسة كده إزاي؟” فريدة وقفت، وبصتله بنظرة خلت ركبه تتخبط في بعضها. نظرة خالية تماماً من أي مشاعر.. لا كره، ولا عتاب، مجرد برود قـ,ـاتل. حسن الدمنهوري لف بكامل هيبته، وبص لكريم من فوق لتحت وقال للوزير: “يا معالي الوزير.. هو مين الأراجوز ده اللي بيعلي صوته في وجودنا؟”

رئيس شركة النخبة القابضة جرى بسرعة عشان يلطف الجو: “ده كريم الشناوي يا فندم، صاحب شركة الشناوي للمقاولات، كان المفروض هنمضي معاه عقد الشراكة النهاردة..” حسن الدمنهوري ضحك ضحكة هزت القاعة: “شراكة؟ مع ده؟ الشركات اللي زي دي إحنا بنشتريها كمكافأة نهاية الخدمة للسواقين بتوعنا. العقد ده يتلغي فوراً.. وأي تعامل لوزارة الاستثمار أو الدولة مع شركة الشناوي يقف من الدقيقة دي.” كريم حس إن الأرض بتلف بيه، بص لداليا اللي استخبت وراه وهي بترتعش، وبص لفريدة وقال بصوت بيترجى: “فريدة.. فهميني في إيه؟ إنتي بنت حسن الدمنهوري؟ ليه مالتجليش؟”

فريدة قربت منه خطوة واحدة، وبصت لداليا وقالت بسخرية: “أصل التواضع مش لايق عليا يا كريم.. وعشان الحفلة دي فيها وزراء ومستثمرين، الأحسن تاخد داليا وتطلعوا برة.. شكلكم ده هيبوظ السهرة.” نفس الجملة اللي داليا قالتها لها من ساعتين، ردتهالها في وشها قدام أكبر مجتمع في البلد. الحرس قربوا من كريم وداليا، وبكل قسوة مسكوهم من دراعاتهم وخرجوهم مطـ,ـرودين برة الفندق تحت نظرات السخرية والشماتة من كل الحضور. داليا كانت بتعيط وتلطم على فستانها الـ”شامبين”، وكريم كان بيبص وراه وهو شايف حياته ومستقبله وفلوسه بتنهار في ثانية واحدة، لأن غضـ,ـب حسن الدمنهوري معناه إفلاس رسمي خلال 24 ساعة.

فريدة لفت لوالدها، وا بتسمت ابتسامة صافية لأول مرة من 3 سنين، وقالت: “يلا يا بابا.. السهرة يلا تبدأ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى