منوعات

ابعت لامك تيجي تساعدني

الجزء الثاني غادة فضلت قاعدة على الأرض انهارده، الدموع نازلة من عينيها مش من الحزن أو الندم، لكن من قهرة الكبرياء اللي اتكسر في لحظة. لأول مرة الشباك اللي كانت مستخبية وراه يتكسر، والستارة تتقطع وتكشف كل الألاعيب قدام اللي تسوى واللي ما تسواش.

أمها مسكتها من دراعها بغضب، ونفضتها جامد وهي بتقول: «قومي يا غادة! قومي وقفي على حيلك بدل ما إنتي منظرك يكسف كده! ده أنا اللي كنت فاكراكي عاقلة وبنت ناس، طلعتي بتستغلي طيبة الست ومرضها؟ وحياة طول عمري ما هعديها لك، ولو محمود سامحك النهاردة عشان خاطر اللي في بطنك، أنا مش هسامحك على كسفة وشي قدامهم!» أمي، برافتها وطيبتها اللي ملهاش حدود، قامت بالعافية من على الكرسي، وركبتها بتزيق من الخشونة، وقربت من حماتي وقالت لها بصوت هادي ومريح:

«خلاص يا أم غادة، حصل خير يا حبيبتي.. مسامحاها والله، هي برضه زي بنتي وصغيرة وجاهلة بالدنيا، وبكرة لما تشيل ضناها على إيدها هتفهم يعني إيه شقى ويعني إيه تعب الكبار. بلاش تقسي عليها في ظروف حملها دي.» الكلمتين دول نزلوا على غادة زي السياط! كان أرحم لها إن أمي تصرخ فيها، أو تشتكيني لأهلي، لكن النبل والمروءة اللي أمي اتعاملت بيها في قمة قوتنا ضعفوا موقف غادة أكتر، وخلوها تحس بضآلة حجمها قدام الست دي.

أختها قفلت مية الحمام وهي بتنشف إيدها بسرعة ومكسوفة تبص في عيني، وقالت: «يلا يا ماما نمشي إحنا.. الشقة اتظبطت والسجاد المغسول مغطى في البلكونة يتصفى.. محمود، حقك علينا، والست الوالدة فوق رأسنا من فوق.» مشوا أهله، والأرض كانت لسه مبلولة شوية، والهدوء نزل على البيت زي جبل ثقيل. أمي بصتلي وقالتي: «أنزل أنا بقى يا محمود يا بني عشان ترتاحوا، وخلي بالك من مراتك.. مفيش فايدة من الزعل دلوقتي.»

نزلت أمي السلم، ورجليها تقيلة، وأنا وقفت على الباب لحد ما اطمأنت إنها دخلت شقتها تحت. رجعت لغادة.. كانت قعدة على كنبة الصالة، الشنط والأكياس بتاعة هدوم البيبي مرمية في الأرض زي الكراكيب، مفيهاش روح الفرحة اللي نزلت بيها من تلات ساعات. قعدت قدامها على الكرسي، وسبت Silence (سكوت) مرعب يمر بيننا لمدة دقيقتين. كانت بتتنفس بسرعة وتفرك في إيدها، لحد ما بصلتي بعيون مليانة شرار وغل مكتوم، وقالت وهي بتشهق:

«إنت فاكر إنك كده علّمت عليا؟ فاكر إنك لما فضحتني قدام أمي وأختي، وخليتهم يمسحوا بيا الأرض، إنت كده بقيت الراجل اللي بياخد حق أمه؟ إنت هانت عليك كرامتي يا محمود!» ابتسمت بسخرية وقمت وقفت، قربت منها وقلت بصوت واطي جداً بس كل كلمة فيه تزن في أذنها: «كرامتك؟ وهانت عليا؟ إنتي نسيتي كرامة أمي اللي كانت بتنزل تحت رجليكي عشان مسكنة كدابة؟ نسيتي أمي وهي طالعة ضهرها مكسور عشان تغسل سجادك وإنتي قاعدة بتاكلي فاكهة بالشوكة؟ إنتي اللي هنتِ نفسك لما كدبتِ، ولما استغليتِ طيبتها، ولما طلّعتيني قدامها إني ابن عاق وبفرّط في صحتها عشان أريحك!»

ردت وهي بتمسح دموعها ببجاحة: «أنا كنت بقول كده عشان مكسوفة! مش عايزاها تحس إنها بتخدم بالسخرة!» «لأ يا غادة.. إنتي كنتِ بتقولي كده عشان تضــ,,ـــــربي عصفورين بحجر؛ تكسري أمي قدامي وتخليها تحس إنها ملهاش قيمة، وفي نفس الوقت تبيني إنك الهانم السيدة اللي جوزها بيمــ,,ـــــوت فيها وبيشغل أمه عندها! بس اللعبة انتهت خلاص.» سيبتها ودخلت الأوضة، ونمت ليلتها في الأوضة الثانية.

مرت الأيام، والبيت بقى عامل زي ساحة حرب باردة. غادة استوعبت إن الورقة الرابحة بتاعتها (ورقة التعب والحمل) مابقتش تجيب همها معايا. بقيت لما تقول «أنا تعبانة»، أقولها بمنتهى البساطة: «ألف سلامة، السر,,ـــــير جوة ارتاحي فيه، والشغل لما تقومي بالسلامة اعمليه، ولا المغسلة موجودة، لكن أمي مش هتعتب الشقة دي في خدمة تاني.»

غادة بدأت تحس بالخسارة.. الأيام بتمر، والحمل بيتقل، وهي محتاجة حد ينفذ لها طلباتها أو يونسها، وأمها زعلانة منها ومش بتجيلها إلا كل فين وفين عشان تديبها كلمتين في العضم على اللي عملته. أما أمي، فكانت كل يوم الصبح، تبعث مع ابن أختي الصغير طبسية شوربة، أو أكلة سخنة لغادة، وتقوله: «قول لخالتك غادة دي عشان البيبي اللي في بطنها، تأكل وما تجهدش نفسها.»

كل طبسية أكل كانت بتطلع من تحت، كانت بتنزل على قلب غادة زي الجمر. كانت بتشوف طيبة أمي وأخلاقها العالية اللي ردت بيها على الإهانة واللؤم، وفي نفس الوقت كانت شايفاني أنا اتغيرت، بقيت رسمي جداً معاها، بتعامل بأصول وبس، مفيش الدلع ولا الحنية بتاعة زمان. في الشهر الثامن من الحمل، غادة جتلها أزمة تعب حقيقية بالليل. مغص شديد وحرارتها عليت. أنا اتخضيت وقمت ألبس عشان أوديها المستشفى.

وأنا بجري في الشقة بجمّع ورقها، لقيت الباب بيتفتح، وأمي داخلة، شايالة كمادات مية بلمون، ولابسة طرحتها فوق هدوم النوم: «سمعت صوتها بتتأوه يا محمود، هات الكمادات دي واستنى لما أغيرلها هدومها وننزلها بالراحة.» غادة كانت على السر,,ـــــير، بتعيط من الوجع الحقيقي المرة دي. أمي قعدت جنبها على طرف السر,,ـــــير، مسحت على رأسها بالكمادات المبلولة، وبقت تقولها: «بسم الله عليكِ يا بنتي.. معلش، هانت، شدة وتزول، اقرئي معايا الفاتحة كده وربنا يهونها.»

غادة بصت لأمي.. عينيها كانت مليانة دهشة وندم حقيقي المرة دي. أمي اللي هي آذيتها، وحاولت تكسرها وتصغرها قدام جوزها، هي الوحيدة اللي قايمة بيها في نص الليل، بتطبطب عليها بحنان أم حقيقي مش مزيف. غادة مسكت إيد أمي المرتعشة، وبستها بحرارة وهي بتشهق من العياط: «سامحيني يا طنط.. والله العظيم أنا كنت غبية وحقودة.. سامحيني على كل كلمة وكل حركة عملتها معاكي، إنتي أطهر وأطيب قلب شفته في حياتي!»

أمي ابتسمت، وبستها في جبهتها وقالت لها: «مسامحاكي من زمان يا غادة.. أنا معنديش بنات، وكنت بتمنى تكوني بنتي، والبيت ده مش هيعمر طول ما في قلوبنا زعل من بعض. قومي بالسلامة بس وهاتيلي الحفيد اللي هيملى علينا الدنيا.» أنا كنت واقف على باب الأوضة، بصور المشهد ده بقلبي قبل عيني. حسيت إن الدرس اللي غادة أخدته في غسيل السجاد كان هو القلم اللي صحاها، وأن كرم أمي وطيبتها كان هو الورد اللي لمس قلبها وغيره للأبد.

عدت الأيام، وغادة ولدت بنوتة قمر، سميناها على اسم أمي «فاطمة». ومن يومها، غادة بقت هي اللي تنزل لأمي تحت، تنضف لها شقتها، وتعمل لها أكلها، وتترجاها تقعد يرتاح ضهرها.. مش خوفاً مني، ولا عشان خايفة من موقف تاني، لكن عشان عرفت إن رضا الحما الطيبة دي هو السر الوحيد لسعادة بيتنا!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى