كل ليلة، كانت ضـ,ـرتي الجديدة تحمل وسادتها وتتجه إلى غرفة نومي، ثم تقف عند الباب وتطلب أن تنام بيني وبين زوجي. في البداية ظننت أنها تحاول استفـ,ـزازي. ثم ظننت أنها تريد الاستحواذ على زوجي بالكامل. لكن في الليلة السابعة عشرة، اكتشفت الحقيقة التي جعلتني أتمنى لو أن شكوكي الأولى كانت صحيحة. اسمي ليلى، ومتزوجة من سيف منذ سبع سنوات. كنا نعيش في فيلا كبيرة بالتجمع الخامس، وكانت حياتنا هادئة حتى عاد ذات يوم وأخبرني أنه تزوج امرأة أخرى.
اسمها ياسمين. كانت أصغر مني بسنوات، هادئة بشكل مبالغ فيه، ومؤدبة إلى درجة تثير الريبة. انتقلت للعيش معنا بعد الزواج مباشرة. ومنذ الليلة الأولى، بدأت تفعل شيئًا لم أسمع به طوال حياتي. كانت تأتي إلى غرفة نومي بعد منتصف الليل، تحمل بطانية ووسادة، ثم تقف عند الباب وتقول: “ممكن أنام هنا الليلة؟” كنت أعتقد أنها تمزح. لكنها لم تكن تمزح. كانت تريد النوم في منتصف السرير. بيني وبين زوجي..في البداية انفجرت غضبًا.
لكن سيف قال بهدوء: “سيبيها يا ليلى… لسه جديدة على البيت ومش متعودة.” ولم أفهم كيف يمكن لامرأة متزوجة أن تحتاج للنوم بين زوجها وزوجته الأولى حتى تعتاد على البيت.لكن ياسمين كانت تكرر الأمر كل ليلة.ليلة وراء ليلة. كانت تأتي في نفس الموعد.تضع وسادتها في المنتصف. ثم تستلقي صامتة.لا تتكلم.لا تتحرك.ولا تنام تقريبًا. كنت أفتح عيني أحيانًا في الثالثة فجرًا فأجدها تحدق في سقف الغرفة وكأنها تنتظر شيئًا.وخلال النهار كانت لطيفة بشكل يصعب كرهه…تعد القهوة لي.تساعد الخدم.
وتهتم بأم سيف.حتى بدأت أشعر بالذنب كلما غضبت منها. لكن شيئًا بداخلي ظل يخبرني أن هناك سرًا لا أعرفه. وفي الليلة السابعة عشرة استيقظت فجأة على صوت خافت.”تك…”فتحت عيني ببطء.كان البيت كله غارقًا في الصمت.ثم شعرت بيد ياسمين تتسلل تحت البطانية وتمسك بيدي.ضغطت عليها مرة واحدة. بقوة.كأنها ترسل رسالة.لا تتحركي. تجمد الدم في عروقي.وفي نفس اللحظة رأيت خيطًا رفيعًا من الضوء يتسلل من أسفل باب الغرفة. ثم سمعت صوتًا آخر.أقرب إلى محاولة فتح الباب بهدوء شديد.نظرت نحو سيف.كان مستلقيًا بجوارنا.
ظهره لنا.يتنفس ببطء.لكن شيئًا ما لم يكن طبيعيًا.وفجأة تحركت ياسمين للأمام قليلًا.مجرد حركة بسيطة. لكنها كانت كافية لتحجب الضوء القادم من الباب بجسدها. وكأنها تحاول إخفاء وجودي.في تلك اللحظة فهمت الحقيقة.ياسمين لم تكن تنام بيني وبين زوجي لأنها تغار مني.ولم تكن تحاول سـ,ـرقة مكاني….بل كانت بل كانت تحميني. في تلك اللحظة الملعونة، انقشعت الغشاوة عن عيني ورأيت كل شيء بوضوح مرعب. ياسمين لم تكن الضرة التي جاءت لتسـ,ـرق حياتي، بل كانت الدرع الذي يقف بيني وبين هلاكي.
نظرت إلى سيف… زوجي وحبيبي طوال سبع سنوات. لكنه لم يكن نائمًا. التفت ببطء شديد، ولم تكن ملامحه هي التي عهدتها؛ كانت عيناه جـ,ـاحدتين، باردتين، وخاليتين من أي رحمة، وكان يمسك في يده وسادة أخرى، يضغط عليها بأصابعه بقوة وكأنه يستجمع قوته للقيام بشيء بشع. التفتُّ نحو الباب الذي انفتح ببطء شديد، وظهر من ورائه ظل رجل ضخم، لم يكن غريبًا… كان شقيق سيف الأكبر، الذي قيل لي إنه يسافر دائمًا للخارج. كان يحمل في يده حقيبة سوداء كبيرة، ونظراته موجهة نحو الجانب الذي أنام فيه.
همست ياسمين في أذني بصوت كفحيح الأفعى، لكنه يحمل رجاءً حارًا: “لا تتحركي، ولا تصدري صوتًا… إنهم يظنون أنني أنتِ.” تراجعتُ بجسدي إلى الخلف حتى التصقتُ بالحائط، وأنفاسي تكاد تتوقف من فرط الرعب. كان سيف، الرجل الذي شاركته عمري طوال سبع سنوات، يقف الآن في منتصف الغرفة، وملامحه التي طالما بدت لي أليفة قد تحولت إلى قناع من القسـ,ـوة المحضة. بجانبه كان شقيقه حازم، يفتح تلك الحقيبة السوداء الضخمة، بينما ياسمين تقف حائلة بيني وبينهما، تنظر إليّ بنظرة ملحة تأمرني فيها بالسكوت.
“خلصنا يا سيف، الوقت بيتسـ,ـرق مننا،” قال حازم بصوت خافت وحاد وهو يخرج زجاجة صغيرة من الحقيبة. “الحقنة دي هتوصلها لمرحلة السكتة القلبية، والتقرير الطبي هيطلع طبيعي تماماً.. ومحدش هيشك في حاجة في التجمع هنا.” التفت سيف نحو السرير، ونظر إلى ياسمين التي كانت تجلس مكاني، لكن الضوء الخافت لم يسمح له بتمييز وجهها بدقة في البداية. قال بنبرة باردة هزت أركاني: “آسف يا ليلى.. بس الفيلا دي، والشركات، وكل القرش اللي حيلتك، هما اللي هيشغلوا شغلي الجديد. وجودك بقا عبء.”
في تلك اللحظة، تحركت ياسمين فجأة وأشعلت إضاءة الأباجورة الصغيرة بجانب السرير. اندفع الضوء الأصفر ليتركز على وجهها الشاحب وعينيها المتحديتين. تراجع سيف خطوة إلى الخلف، واتسعت عيناه بصدمة ذهول: “ياسمين؟! إيه اللي مقعدك هنا؟ وفين ليلى؟!” صرخت ياسمين بقوة وهي تقفز من السرير وتدفعني خلف ظهرها: “ليلى مش هتمو.ت يا سيف! أنا مش هسمحلك تكرر اللي عملته في أختي!” نزلت الكلمات كالصـ,ـاعقة على مسامعي. أختها؟ أي أخت؟ التفتُّ إليها بذهول وأنا أرتجف: “ياسمين.. إنتِ بتقولي إيه؟”
لم تلتفت إليّ ياسمين بل ظلت عيناها معلقتين بسيف وحازم اللذين بدأت علامات الارتباك والذعر تظهر عليهما. قالت ياسمين بصوت مخنوق بالدموع والغل: “سيف اتجوز أختي الكبيرة من أربع سنين في المحافظة عندنا.. وبنفس الطريقة، ماتت فجأة وسـ,ـرق كل فلوسها وورثها واختفى.. ولما دورت وراه وعرفت إنه عايش هنا في التجمع باسم جديد ومع زوجة جديدة، قررت أدخل البيت ده بأي ثمن عشان أنقذك وأخد حق أختي.” تابع حازم بغضب وهو يتقدم نحو ياسمين محاولاً الإمساك بها: “إنتِ جنيتي على نفسك يا بت.. هنخلص عليكم إنتوا الاتنين!”
لكن قبل أن يخطو خطوة واحدة، دوى صوت قوي اهتزت له جدران الفيلا. كان صوت تحطم الزجاج السفلي للفيلا، يليه صوت خطوات سريعة وعنيفة تقتحم المكان. انفتح باب غرفة النوم بعـ,ـنف، ودخل رجال الشرطة مدججين بالسـ,ـلاح، يتقدمهم ضابط صرخ بقوة: “إثبت مكانك منك ليه! المكان كله محاصر!”
تراجع سيف وحازم ورفعا أيديهما في الهواء، بينما سقطت الزجاجة الصغيرة من يد حازم وتدحرجت على الأرض. نظرتُ إلى ياسمين بذهول، فابتسمت لي بوهن وقالت: “أنا مكنتش بنتظر حاجة في السقف كل ليلة يا ليلى.. أنا كنت بسجل كل كلامهم بالسر، وكنت مستنية اللحظة اللي يقرروا ينفذوا فيها عشان البلاغ اللي قدمته للمباحث يكون كامل بالأدلة.. الميكروفون كان متوصل بموبايلي والشرطة كانت بتسمع كل حاجة لايف بره الفيلا.” ارتميت في ح.ضن ياسمين وأنا أبكي بحرقة، ليس حزناً على سيف، بل رعباً من المصير الذي نجوت منه بفضل المرأة التي ظننتها عدوتي
، ليكتب لي القدر عمراً جديداً في تلك الليلة السابعة عشره