منوعات

جوزي حب.سني

الفصل الثالث: النفق السري والخطوة الأولى في تلك اللحظة التي انغلق فيها الباب الحديدي، لم تستسلم مريم للرعب الذي نهش صدرها. كانت دقات قلبها تتسارع، لكن كلمات جدها الراحل كانت تتردد في أذنها كترنيمة إنقاذ. تحاملت على قدميها الثقيلتين بفعل المخدر الذي وُضع لها في الشاي، وتحركت في الظلام الدامس مستعينة بضوء شاشة هاتفها الصغير (الذي كانت تخبئه دائماً في جيب سري بملابسها تحسباً لغدر أيمن). زحزحت الصناديق الخشبية القديمة والبراميل التي غطاها التراب عبر السنين. وعندما وصلت إلى الجدار، بدأت تتحسس الطوب بيديها المرتجفتين.

“الصف الأول… الصف الثاني…” “الطوبة الأولى… الثانية… الخامسة!” ضغطت عليها بكل ما تبخّى لها من عزم. في البداية لم يحدث شيء، فخاف قلبها، لكن فجأة سُمع صوت احتكاك معدني ثقيل، وتراجعت طوبة كبيرة إلى الخلف، لتفتح فجوة ضيقة في الجدار تكفي لمرور جسدها النحيل.

كان النفق ضيقاً، تفوح منه رائحة الأرض القديمة والغبار، لكنه كان يعج برائحة الحرية. دخلت مريم وأغلقت الجدار خلفها كما أخبرها جدها في قصصه القديمة، حيث كان هذا النفق جزءاً من سراديب العزبة القديمة التي استخدمتها العائلة لإخفاء أسلحتها وأموالها أيام الحروب القديمة، وينتهي بمخرج سري وسط زراعات القصب على أطراف القرية، بعيداً عن أعين الحراس والكاميرات. الفصل الرابع: شبكة خيوط العنكبوت

لم تكن مريم غبية، كانت تعلم أن خروجها فوراً وإبلاغ الشرطة في نفس اللحظة قد يجعل أيمن وعائلته ينكرون كل شيء، خاصة أنهم يمتلكون نفوذاً وعلاقات واسعة، وقد يدّعون أنها مريضة نفسياً أو أنها هربت بمحض إرادتها لتشويه سمعتهم. لذلك، قررت مريم أن تلعب اللعبة بنظام جدها: “طبخ الطبخة على نار هادية”. تسللت من مخرج النفق وسط الليل، واستقلت سيارة أجرة متجهة مباشرة إلى القاهرة، إلى منزل صديقتها المقربة والمحامية “فريدة”. عندما رأتها فريدة بحالتها تلك، شاحبة ومرهقة، احتضنتها وبدأتا فوراً في وضع خطة الانتقام.

قالت مريم وعيناها تشعان بقوة لم تعهدها في نفسها من قبل: “أيمن وأمه فاكرين إنهم حبسوني عشان ياخدوا الأرض.. أنا هسيبهم سبع أيام كاملين عايشين في الوهم إنهم مسيطرين، والسبع أيام دول هيكونوا كافيين عشان أهد المعبد فوق دماغهم.” خطة الأيام السبعة: اليوم الأول والثاني: قامت مريم وفريدة بزيارة سرية لـ “المجلس الحسبي” ومصلحة الشهر العقاري، لإصدار قرار رسمي بمنع التصرف في أي من أملاك الجد “سيد” أو نقل ملكيتها تحت أي ظرف، وتقديم بلاغ رسمي وشكوى مدعومة بالتسجيل الصوتي الذي سجلته مريم لأيمن وأمه أثناء قفل الباب عليها.

اليوم الثالث والرابع: تتبع الحسابات البنكية لشركة “مجموعة إحسان”. اكتشفت فريدة أن الشركة مديونة بملايين الجنيهات، وأن هناك شيكات بدون رصيد وقعها أيمن شخصياً لجد مريم في الماضي كضمانات للأموال التي استدانها منه لإنقاذ شركته مرتين. تم تفعيل هذه الشيكات فوراً في المحكمة وتحويلها إلى قضايا “جنح شيكات” واجبة النفاذ.

اليوم الخامس والسابع: اختراق الحصن الداخلي. علمت مريم بوجود “ريهام” السكرتيرة. وعن طريق حيلة ذكية من فريدة، تم استدعاء ريهام لمكتب محاماة مستقل، ومواجهتها بالوضع المالي المنهار لأيمن، وأن الفيلا والشركة في طريقهما للحجز، وأنها إذا استمرت في التواطؤ معهم ستدخل السجن كشريكة في التزوير والنصب. ريهام، التي كانت تبحث عن مصلحتها فقط، انهارت واعترفت بكل شيء، بل وقدمت تسجيلات ورسائل تثبت أن أيمن كان يخطط للتخلص من مريم معنوياً ومادياً.

الفصل الخامس: المواجهة الكبرى في اليوم السابع، نزل أيمن وأمه “إحسان” إلى المخزن، والغرور يملأ قلوبهما. فتحا الباب وكانا يتوقعان رؤية جسد هامد أو امرأة تبكي وتتوسل لتمضي على عقود التنازل. لكن الصد.مة لجمت ألسنتهم… المخزن كان خاوياً، إلا من كشاف صغير يضيء وسط الغرفة! جن جنون إحسان وصاحت: “راحت فين؟! دي كانت محبوسة ومفيش مخرج!” في تلك اللحظة، رن هاتف أيمن. كان اتصال فيديو من مريم. ظهرت مريم على الشاشة، جالسة في مكتب فخم، وبجانبها وكيل النيابة وقوة من الشرطة. قالت بنبرة هادئة هزت أركان المكان:

— “سبع أيام يا أيمن… سبع أيام كنتوا فاكرين إنكم دافنيني بالحيا. بس جدي الله يرحمه كان عارف معدنكم النجس، وسابلي المفتاح اللي يفتح طاقة نور من وسط الضلمة.” صرخ أيمن بغضب أعمى: “أنتِ فين يا مريم؟ الأرض دي بتاعتي! الشركة هتقع!” ردت مريم ببرود قاتل: — “الشركة وقعت خلاص يا أيمن. في اللحظة اللي أنا بكلمك فيها دي، قوة من مباحث الأموال العامة ومأموري التنفيذ بيقتحموا الفيلا والشركة بتاعتكم بناءً على أحكام الشيكات وبلاغ الاحتجاز والتعذيب. وريهام حبيتكم الغالية؟ ريهام في الأوضة اللي جنبي هنا في النيابة، بتدلي بأقوالها وتفضح كل خططكم عشان تنجد نفسها.”

الفصل السادس: العدالة الأرضية لم يكد أيمن يغلق الهاتف حتى سمعا صوتاً هادراً يأتي من الأعلى. كانت أقدام رجال الشرطة تقتحم الفيلا. حاول أيمن الهروب من الباب الخلفي للمخزن، لكنه وجد رجال المباحث يغلقون كل المنافذ. أُلقي القبض على أيمن ووالدته “إحسان” واقتيدا مكلبشين بالحديد أمام أعين جيرانهم والناس الذين طالما تباهوا أمامهم بنفوذهم المزيف. أثناء المحاكمة، حاولت إحسان الادعاء بالمرض وكبر السن، لكن التسجيلات الصوتية واعترافات ريهام الدامغة، بالإضافة إلى تقرير الطب الشرعي الذي أثبت وجود مادة مخدرة في بقايا كوب الشاي بالمخزن، جعلت القضية مغلقة تماماً.

الحكم: قضت المحكمة بمعاقبة أيمن وإحسان بالسجن المشدد لمدة 7 سنوات بتهم الخ.طف، الاحتجاز القسري، ومحاولة الق.تل العمد، مع مصادرة كافة أملاك “مجموعة إحسان” لصالح الدائنين، وعلى رأسهم مريم كوا.رثة وحيدة للحاج سيد. الخاتمة: أرض الجد لا تموت بعد مرور عام على تلك الحادثة، كانت مريم تقف وسط الـ 50 فدان. الشمس كانت تغرب وتلقي بأشعتها الذهبية على أشجار البرتقال والنخيل. لم تعد مريم تلك الفتاة الطيبة الساذجة التي يمكن أن يخدعها رجل ببدلة أنيقة وكلام معسول؛ لقد صقلتها التجربة وجعلتها أقوى.

نظرت إلى الدلاية الفضية في يدها، وقبلتها ثم نظرت إلى السماء وقالت: “نام ارتاح يا جدي… أرضك في إيد أمينة، والشر اللي زرعوه في بيتك، حصدوا عذابه في السجن. وبنتك مريم مبقتش الست اللي بيضحكوا عليها… بقت هي اللي بتدير الأرض وتحميها.” عادت مريم إلى بيتها وسط ترحيب وحب أهل قريتها، الذين رأوا فيها روح الحاج “سيد” وعزيمته التي لا تنكسر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى