“أنا حنين.. عندي 26 سنة، وطول عمري متربية في بيت مقفول، أبويا راجل طيب أوي بس طيبته دي اللي موديانا في دا هية، وأمي وفاء ست جدعة بس دماغها ناشفة وعايزة تسترني بأي طريقة، وأخويا ذكي.. آه هو اسمه ذكي فعلاً بس هو أغبى واحد شفته في حياتي، غبي بثقة كده. المهم، إحنا كنا مستورين، لحد ما أبويا كامل دخل شريك مع واحد صاحبه في مشروع سوبر ماركت كبير، الراجل نصب عليه وخد الفلوس وخلع، وساب أبويا مديون بمبلغ كبير أوي، شيكات ومحاضر وقضايا، والبيت اللي حيلتنا كان هيتباع.
في عز الهم ده ظهرت حسناء. حسناء تبقى بنت خالتي، بس من صغرنا وهي عامله زي التعبان، بتحب تبان إنها بتحبني وهي من جواها بتغير مني مو.ت، أول ما عرفت مشكلتنا قالت لأمي وفاء “أنا عندي عريس لقطة لحنين، راجل أعمال كبير ومعاه فلوس وهيشيلكم من اللي انتو فيه كله، وهيشتري الديون ويسدها” أمي وفاء مسكت في الكلمة، وأبويا اللي كان هيتجنن قال خلاص نقابله. قابلناه.. راجل عنده 48 سنة، مطلق مرتين، وبصته مش مريحة، وقالها صريحة “أنا هسد كل الديون، وهكتب البيت باسمها، قصاد إني أتجوز حنين، وده عرض وطلب”
أنا اترعبت، قلت لأمي لا يمكن، أنا مش سلعة بتتباع، قالتلي “هتسيبي أبوكي يتسجن؟ ذكي أخوكي لسه في الجامعة ومستقبله هيضيع لو أبوه بقى سوابق، حرام عليكي” فضلت 3 أيام مابنامش، بعيط لحد ما عنيا ورمت. وملقتش قدامي غير فؤاد. فؤاد ده جاري، يعتبر أخويا اللي مخلفتهوش أمي، متربيين سوا من وإحنا صغيرين ، ساكن في الشارع اللي ورانا، طول عمره معايا في الحلوة والمرة، هو الوحيد اللي كنت بروح أعيط قدامه من غير ما أتكسف.
كلمته نص الليل قلتله “فؤاد إلحقني” جالي جري، أول ما شافني منهارة قعد على الرصيف وقالي احكي. حكيتله كل حاجة، سكت شوية وبعدين قالي بكل هدوء “طب ما تتجوزيني أنا” أنا افتكرته بيهزر، قلتله “انت اتجننت؟” قالي “لا والله بتكلم جد، بصي يا حنين، انتي مش هتتجوزي الراجل ده، نتجوز على الورق بس، قدام الناس انتي مراتي، بس بيني وبينك احنا زي ما احنا، صحاب وجيران ، لحد ما الدنيا تهدى ونلاقي حل لديون أبوكي سوا، وبعدها نتطلق بهدوء”
فجأة سمعنا صوت من ورانا وكانت الصدمه. الصدمة كانت لما لفينا ولقينا “ذكي” أخويا واقف ورا ضهرنا، وعينيه بتطق شرار! ذكي بغبائه المعهود وثقته العمياء صرخ فينا: “بقى انتو قاعدين هنا بتتفقوا على مصيبة؟ بتخططوا تضحكوا علينا وتعملوا جوازة صوري؟! أنا سامع كل حاجة!” فؤاد وقف بسرعة وحاول يهديه: “يا ذكي افهم، أنا بحمي أختك، الراجل التاني ده عايز يشتريها بفلوسه!”
لكن ذكي ما لوش في لغة العقل، زعق وقال: “تحميها إيه؟ العريس التاني هيدفع ملايين ويسد ديون أبويا ويحمينا من السجن، انت بقى حيلتك إيه عشان تتجوزها؟ ده انت شغال موظف على قدك! انت عايز تضيعنا وتضيع أبويا عشان أنانيتك؟” الكلام نزل عليا زي السكين، ذكي مكنش فارق معاه مصلحتي، كان فارق معاه الفلوس والستر المزيف اللي حسناء وعريسها بايعينهولنا. ذكي سحبني من إيدي بقوة ورجعني البيت، ودخل يصرخ ويفضح الدنيا قدام أبويا وأمي: “الحقوا بنتكوا المصونة، كانت واقفه نص الليل مع فؤاد جيرانا وبيتفقوا يتجوزوا في السر وعلى الورق عشان تبوظ الجوازة اللي هتنجدنا!”
أمي وفاء وشها جاب ألوان، ولطمت على صدرها وقالت: “يا نهار مش فايت! فؤاد؟ فؤاد اللي حيلته البقشة؟ عايزة تمو.تي أبوكي بحسرته يا حنين؟” أبويا كامل قعد على الكرسي وحط راسه بين إيديه وهو بيترعش، ودموعه نزلت: “يا بنتي.. أنا عمري ما غصبتك على حاجة، بس أنا ضهري انكسر، والناس بتهددني بالسجن، لو مش عايزة الراجل ده قوليلي.. وأنا هروح أسلم نفسي للشرطة الصبح ورجلي فوق رقبتي، ولا إنك تعملي حاجة من ورايا”.
كلام أبويا وطيبته وعجزه كسروني أكتر من قسوة أمي وغباء ذكي. في اللحظة دي تليفون أمي رن.. كانت حسناء بنت خالتي. أمي ردت بصوت مخنوق، وحسناء قالتلها بنبرة فيها شماتة متدارية ورا صباعها: “إيه يا خالتو؟ العريس بيكلمني وبيقول إنه مستني الرد، وبيقول لو وافقتوا، الشيكات هتوصل لحد عندكم بكره الصبح متقطعة، ولو رفضتوا.. هو هيشتري الشيكات دي بنفسه وهيحبس عمي كامل!” حسناء كانت بتمهد للعبة قذرة، والعريس مكنش مجرد راجل أعمال، ده كان باين عليه اتفاق بينه وبين النصاب اللي ضحك على أبويا عشان يلوي دراعنا!
بصيت لأبويا المكسور، ولأمي اللي بتعيط، ولذكي اللي واقف بيبصلي بغضب غبي.. وحسيت إن الدنيا ضاقت عليا ومفيش مفر. دخلت أوضتي وقفلت الباب، وطلعت التليفون وبعت رسالة لفؤاد: “شكراً يا فؤاد.. انت أرجل واحد شفته في حياتي، بس خلاص.. اللعبة انتهت.” مسحت دموعي، وخرجت للصالة، وقفت قدامهم كلهم وقلت بصوت جامد ملوش أي طعم: “كلمي حسناء يا أمي.. قولي لها حنين موافقة على العريس، والمأذون يجي بكره ليلة كتب الكتاب كانت أشبه بجنازة متزوقة.
البيت اتملى بخرز زرقا وضحكات مصطنعة من حسناء اللي كانت جاية فستانها أفتح من فستاني، وعينيها بتلمع بنصر مريب. أمي وفاء كانت بتزغرط زغاريد مخنوقة، عين بتفرح بالستر وعين بتبكي على بنتها اللي رايحة لراجل قد أبوها. وذكي أخويا واقف لابس بدلة واسعة عليه، ومبتسم بثقة غبية كأنه هو اللي حل الأزمة الاقتصادية العالمية. العريس “عاصم بيه” جه، لابس ساعة دهب بتلمع، وريحة برفيوم تقلب الدماغ، بس نظراته كانت باردة ومقززة، بيبصلي كأنه بيعاين بضاعة دفع تمنها كاش.
مضيت.. ومضت معايا روحي. في نفس اللحظة اللي المأذون قال فيها “بارك الله لكما وبارك عليكما”، تليفوني اتهز في جيب الفستان. فتحته ورا الستارة، كانت رسالة من فؤاد: “المعركة لسه مخلصتش يا حنين.. ارفعي راسك.” في قصر عاصم بيه.. خيوط المؤامرة تتكشف اتنقلت لبيت عاصم، قصر كبير في التجمع، بس كان بنسبالي زي قفص دهب ملوش جدران. الصدمة الأولى كانت من أول ليلة؛ عاصم مكنش متجوزني عشان “تبادل منفعة” زي ما قال، الراجل ده كان مريض بالسيطرة.
أول ما دخلنا، قالي بنبرة حادة وواثقة: “بصي يا حنين.. الشيكات اللي على أبوكي معايا في الخزنة هنا. طول ما انتي مطيعة وبتنفذي كل اللي أقوله بالحرف، أبوكي هيفضل بره السجن. أي غلطة، أو تفكير في الهروب، الشيكات دي هتروح النيابة الصبح.. مفهوم؟” عرفت ساعتها إن حسناء رمتني في بير ملوش قرار. ومن هنا بدأت رحلة البحث عن مخرج.
كنت ممنوعة من الخروج ومن استخدام التليفون بحرية، بس عاصم كان بيسيب لابتوب في مكتبه. في يوم، وهو بره البيت، دخلت المكتب بقلب بيرتعش، وفتحت اللابتوب وحاولت أدخل على حساباتي. بعت إيميل مشفر لفؤاد كتبت فيه: “الشيكات في خزنة مكتبه في البيت.. ده الحل الوحيد” المفاجأة.. فؤاد مكنش قاعد ساكت! بعد أسبوعين، عاصم أعلن عن حفلة كبيرة في القصر بمناسبة صفقة جديدة. البيت كان مقلوب، طباخين ومصممين وضيوف من رجال الأعمال.. ومن بين الضيوف، كانت الصدمة الكبرى.
حسناء دخلت الحفلة، ولابسة عقد ألماظ جديد، وواقفة بتتباهى قدام الناس.. وبشكل مفاجئ، لقيت “ذكي” أخويا داخل وراها، ولابس بدلة شيك جداً، وبيتكلم مع رجال الأعمال بثقته الغبية المعتادة! عرفت بعد ثواني إن عاصم وظّف ذكي في شركته كـ “مستشار علاقات عامة” (وهو منصب وهمي طبعاً عشان يشتري سكوت العيلة ويثبت ولاء ذكي ليه). لكن المفاجأة الحقيقية مكنتش ذكي.. المفاجأة كانت في “الويتر” (الجرسون) اللي كان شايل صينية مشروبات وبيتحرك بين الضيوف بحذر.
لما قرب مني عشان يديني كاس عصير، عيني جت في عينه. كان فؤاد! قلبي دق بسرعة جنونية لدرجة خفت الناس تسمعها. فؤاد همس بصوت واطي جداً وهو بيناولني المنديل: “الساعة 2 بالليل.. اقطعي كهربا الجناح الشرقي.” ليلة الهروب الكبير ساعتين ومروا كأنهم قرن كامل. الحفلة خلصت، والضيوف مشيوا، وعاصم دخل ينام بعد ما شرب كتير. الساعة بقت 2 بالليل. تسللت لغرفة التحكم الصغيرة اللي في الدور التاني، وبأيد بتترعش، نزلت السكينة بتاعة الجناح الشرقي والمكتب. القصر كله غرق في ضلمة كحل.
في ثواني، لقيت خيال أسود بيتحرك من الشباك.. كان فؤاد. كان معاه أدوات لفتح الخزن، وبدأ يشتغل على الخزنة بسرعة مستعيناً بكشاف صغير.