كريم وقف فجأة، وعلامات الضعف اختفت من وجهه وحلت محلها شراسة رجل يدافع عن عائلته: “مش هسيبهم يؤذوا أمي، ولا هسمح لهم يقربوا منكِ أو من ملك. إحنا هنروح للشرطة.” سارة مسكت إيده بقوة: “لأ يا كريم. رفعت الشاذلي مراقبنا، والرسالة واضحة. لو دخلنا الپوليس دلوقتي حماتك هتضيع، وبنتنا مش هتبقى في أمان. البرطمان معايا.. والسر اللي فيه مش مجرد بودرة بيضا.” سارة أحضرت حقيبتها وأخرجت البرطمان الخزفي الصغير. قلبت البودرة البيضاء المتبقية فيه بملعقة صغيرة، وفجأة، لاحظت شيئاً يلمع في القاع الداخلي للبرطمان. لم يكن قاعاً حقيقياً! كان هناك غطاء مزدوج مصمم بذكاء شديد.
باستخدام سكــ,,ـــــين صغيرة من الفندق، رفعت سارة القاع المزيف، لتجد ورقة قديمة مطوية بعناية، مكتوب فيها بخط يد والدها الراحل: الرقم السري للحساب السويسري. اعتراف موقع من رفعت الشاذلي بكل جرائمه، كان والدها قد أجبره على توقيعه قبل الدــ,,ـــــادث بيوم. كريم بص للورقة وشهق: “عشان كده أمي كانت مخبياه عندها طول السنين دي! كانت شايلاه كرت حماية ليها ضد رفعت لو فكر يغدر بيها، وفي نفس الوقت كانت بتسممك بالبودرة اللي فوق القاع عشان تفضلي تحت طوعها وما تدوريش ورا الماضي!”
سارة نظرت لكريم وقالت بحسم: “إحنا هنلعب معاهم لعبتهم.. بس بشروطنا.” المواجهة في المخزن القديم في الساعة الثالثة فجراً، استقرت سيارة تاكسي بالقرب من مصنع مهجور للطوب في أطراف الجيزة. نزلت سارة وهي ترتدي معطفاً طويلاً، وجسدها لا يزال يرتجف من أثر السم والتعب، لكن عينيها كانتا تشعان بقوة لم تعهدها من قبل. دخلت المخزن المظلــ,,ـــــم، حيث كانت إضاءة خافتة تأتي من كشاف وحيد معلق في السقف. في المنتصف، كانت حماتها فاطمة مقيدة إلى الكرسي، ووجهها ينزف خيطاً صغيراً من الدم. ومن خلف الظلام، خرج رجل ستيني، بشعر أبيض ونظرات ثعلبية.. إنه رفعت الشاذلي.
“كنت عارف إنك ذكية زي أبوكِ يا سارة.. وهتيجي بسرعة عشان تنقذي الست اللي خانتك طول عمرها،” قال رفعت بابتسامة صفراء ساخرة. سارة رفعت البرطمان والورقة في يدها: “الورقة اهي يا رفعت. الكود واعترافك بكل جرائمك من سنة 98. سيب حماتي، وأنا هسيبلك الورق والفلوس وتنسى طريقنا تماماً.” رفعت ضحك بصوت عالٍ ومستفز: “أنسى طريقكم؟ أنتِ فاكراني مغفل؟ بمجرد ما آخد الكود، أنتِ وفاطمة هتحصلوا أبوكِ.. الدــ,,ـــــادثة القديمة هتتكرر بس المرة دي هتبقى صدمة عصبية ليكي بسبب ‘مرضك المفاجئ’، وفاطمة هتمــ,,ـــــوت بحسرتها.”
أشار رفعت لرجلين من رجاله ليتحركوا نحو سارة ويأخذوا الورق بالقوة. المفاجأة الصادمة في اللحظة التي اقترب فيها الرجال من سارة، انطفأت أنوار المخزن تماماً وحل ظلام دامس. ساد الصراخ والتخبط لثوانٍ معدودة، وسُمع صوت ضــ,,ـــــرب متبادل وعنيف. فجأة، اشتغلت كشافات ضخمة قادمة من بوابات المخزن، وظهر رجال العمليات الخاصة بالشرطة وهم يحيطون بالمكان من كل اتجاه: “اثبت مكانك أنت وهو! المكان كله محاصر!” كريم دخل من وسط القوات وهو يحمل كشافاً كبيراً، واندفع نحو أمه يفك قيودها، بينما انقض ضباط الشرطة على رفعت الشاذلي ورجاله وقيدوهم في لحظات.
رفعت وهو يجرجر على الأرض صرخ بغل في سارة: “عملتيها إزاي؟! الرسالة كانت واضحة!” سارة تقدمت منه وقالت بكل برود: “أنا مبلّغتش الپوليس بعد الرسالة.. أنا صاحبتي ندى بلغت النيابة العامة بمجرد ما شافت التقرير الطبي وربطت اسمك بقضية سنة 98. الپوليس كان مراقب الخط وتتبع مكالمتك وحدد مكانك قبل ما أنا أتحرك من الفندق أصلاً. كريم حط جهاز تتبع في جيب معطفي.. إحنا كنا الطُعم اللي خلاك تعترف بعضمت لسانك قدام تسجيلات الشرطة.”
النهاية والبداية الجديدة أمام مبنى النيابة، في الصباح الباكر، كانت خيوط الشمس الأولى تكسر عتمة الليل الطويل. تم ترحيل رفعت الشاذلي بتهم ال. العمد (لوالد سارة)، الاختطاف، ومحاولة ال.. خرجت فاطمة (حمات سارة) وهي تبكي بحــ,,ـــــرقة، ونظرت لسارة بكثير من الخجل والندم. ارتمت على ركبتيها وقالت: “سامحيني يا بنتي.. رفعت كان مهددني ي. كريم وهو صغير لو اتكلمت عن دــ,,ـــــادثة أبوكِ. ولما كبرتوا واتجوزتوا، ظهر تاني وعايز يوصل للورق والفلوس.. كنت خايفة عليكي وعلى ملك، الدوا ده كان بيخليكي دايماً تعبانة عشان تسافري معايا البلد ونبعد عنه.. غبائي وعجزي عموني.”
سارة نظرت إليها بنظرة طويلة امتزج فيها ألم السنين بالحنين. لم تحــ,,ـــــضنها، لكنها مدت يدها وساعدتها على الوقوف، وقالت بصوت هادئ ومجروح: “اللي عملتيه كان كابوس يا طنط.. بس إنتِ في النهاية حماتي، والست اللي ربت بنتي، وحميتي كريم. القانون هياخد مجراه في شهادة الزور القديمة.. بس أنا مسمحاكي على المستوى الإنساني عشان ملك وعشان كريم.” أمسك كريم بيد سارة، وضغط عليها بامتنان واحترام لا حدود لهما. استقلوا سيارة أجرة وعادوا إلى شقتهم، حيث كانت الصغيرة “ملك” تنتظر
هم في أمان رفقة ندى. وعندما دخلت سارة بيتها، نظرت إلى المطبخ، ثم إلى ابنتها، وتنفست لأول مرة منذ سنوات بعمق.. لقد انتهى كابوس عام 1998 إلى الأبد، وبدأت حياتهم الحقيقية، المبنية على الصدق والحرية.
