من أول ما بنتها قالت الجملة دي حسّت إن حياتها كلها كانت كدبة كبيرة “يا ماما أنا شفت تيتة وهي بتحط بودرة بيضا في الشاي بتاعك لما تفتكر إن محدش شايفها.” سارة سابت القميص اللي كانت بتطبقه لجوزها كريم وبصت لبنتها ملك اللي عندها تمن سنين وهي بتحاول تخبي الرعب اللي ظهر في عينيها. “إنتِ متأكدة يا حبيبتي؟” “آه يا ماما بتطلعها من برطمان صغير وتقلبها كويس وتستنى لحد ما تشربي الشاي كله.”
في اللحظة دي دخلت أم كريم شايلة هدوم مغسولة ولسه مطبقة كأنها ما سمعتش حاجة. من عشر سنين وهي عايشة معاهم في الشقة بعد ما أم سارة الحقيقية اتوفت وسارة بقت تعتبرها زي أمها بالظبط. كانت بتصرف عليها في علاجها وتوديها للدكاترة وتبعت معاها فلوس لما تزور قرايبها في البلد وهي كمان كانت بتربي ملك وتطبخ وكل صباح تحضر لسارة كباية يانسون أو بابونج وتقول بنفس الابتسامة “اشربيه يا بنتي قبل ما يبرد عشان يريح معدتك.”
وسارة كانت طول السنين دي فاكرة إن ده حب واهتمام. لكن المرة دي وهي بتبص في آخر الكوباية بعد ما ملك اتكلمت لمحت تكتلات صغيرة لونها أبيض مترسبة في القاع. من غير ما حد ياخد باله سكبت الشاي في الحوض وسكتت. افتكرت إنها بقالها شهور مرهقة على طول وجسمها كله بيوجعها وفي بقع غريبة ظهرت على جلدها وتحاليل الكبد كل شوية تطلع وحشة والدكاترة مش لاقيين سبب. تاني يوم قبل الفجر استخبت ورا باب المطبخ.
شافت حماتها بتحضر الشاي بهدوء وفتحت برطمان خزف صغير وخدت منه معلقة كبيرة من بودرة بيضا وزودت نص معلقة كمان وقلبتها بمنتهى الهدوء كأنها عملت الحركة دي آلاف المرات. سارة خرجت من البيت من غير ما تفطر واتصلت بصاحبتها ندى اللي شغالة أخصائية تحاليل في مستشفى حكومي. بعد ساعات كانت النتيجة صادمة. في جسمها آثار دواء بيضعف المناعة واتكرر دخوله لجسمها لفترة طويلة وممكن يكون سبب كل اللي حصلها من تعب ومشاكل في الكبد والرئة ونخاع العظم.
ندى طلبت منها تجيب عينة من البودرة وتصوّر كل حاجة قبل ما تواجه أي حد. بالليل ركبت سارة كاميرا صغيرة مستخبية في المطبخ وصورت البرطمان ولما شالته لقت تحته إيصال من صيدلية باسم راجل اسمه رفعت الشاذلي. اسم عمرها ما سمعته قبل كده. الصبح حطت حماتها الكوباية قدامها وهي مبتسمة وقالت “يلا يا بنتي اشربيها كلها.” سارة رفعت الكوباية ناحية بوقها وهي بتمثل إنها هتشرب. وفجأة جريت ملك على السفرة وقالت
“أنا عطشانة يا ماما اديني شوية.” في ثانية واحدة وش حماتها اصفر وخبطت الكوباية بإيدها فوقعت على الأرض. “إوعي تشربي منه.” كريم بصلها باستغراب وقال “ليه يا أمي هو في إيه في الشاي بتاع سارة يخلي ملك ما تشربش منه؟” حماته رفعت عينيها ولمحت الكاميرا الصغيرة المستخبية وبعدها شافت طرف الإيصال اللي ظاهر من جيب سارة. ابتسامتها اختفت تمامًا وهمست بصوت كله خوف “كان المفروض الراجل ده ما يعرفش طريقكم دلوقتي.”
وقبل ما أي حد يستوعب كانت مسكت ملك من إيدها وجريت ناحية باب الشقة… وسارة اكتشفت إن السر اللي مستخبي من سنة ١٩٩٨ لسه في بدايته وإن اللي هيحصل بعد اللحظة دي هيقلب حياة الكل رأسًا على عقب. يا لها من بداية تحبس الأنفاس! لقد نسجتِ بداية قصة تشويق وغموض مذهلة، تجمع بين الخيانة العائلية، المؤامرات الطبية، والأسرار القديمة التي تعود لأكثر من ربع قرن. الحوارات حية، والإيقاع سريع يشد القارئ من الكلمة الأولى.
إليكِ متابعة أحداث هذه القصة المثيرة: الفصل الثاني: الهروب وخيوط الماضي كريم وقف مذهولاً لثوانٍ لم يستوعب فيها كيف تحولت أمه الحنونة إلى شخص يختطف ابنته ويجري بها. لكن صرخة سارة الرادحة: “ملك!!! لحقها يا كريم!” أعادته للواقع كصدمة كهربائية. اندفع كريم خلف أمه، بينما سارة التقطت هاتفها وحقيبتها وهرعت وراءهما. في الممر الضيق للعمارة، كانت الجدة تتحرك بسرعة غريبة لا تناسب سنها، تسحب ملك المفزوعة التي تبكي وتصرخ. لكن كريم استطاع اللحاق بهما قبل أن يصلا إلى بوابة العمارة الخارجية، وأمسك بأمه من كتفها بقوة:
“إنتِ بتعملي إيه يا أمي؟! إيه اللي بيحصل هنا؟!” الجدة التفتت له وعيناها تشعان برعب حقيقي، ونظرت خلفه إلى سارة التي كانت تقترب وهي تلفظ أنفاسها. همست الجدة لـ كريم بصوت جاف: “لو سارة فضلت عايشة، رفعت الشاذلي هي.نا كلنا.. وهي. بنتك! أنا مكنتش بمــ,,ـــــوتها يا كريم.. أنا كنت بضعفها بس عشان تفضل في المستشفى.. بعيد عن عينه!” في تلك اللحظة، دوى صوت فرملة سيارة سوداء ضخمة أمام باب العمارة. نزل منها رجلان يرتديان بدلات مظلــ,,ـــــمة، وبمجرد أن رأتهم الجدة، دفعت ملك نحو كريم وقالت برعب: “جروا.. اهرجوا من الباب الخلفي!”
المواجهة والاختفاء قبل أن يستوعب كريم أو سارة ما يحدث، اندفع الرجلان نحوهم. كريم غريزيًا سحب سارة وملك وركضوا نحو ممر الغسيل الخلفي المؤدي إلى الشارع الجانبي. خلفهم، سمعوا صوت مشادة عنيفة، ثم صوت صرخة مكتومة من الجدة، وتبعتها حركة سيارة تنطلق بأقصى سرعة. عندما نظر كريم من زاوية الشارع، كانت السيارة قد اختفت.. واختفت معها أمه. فك الشفرة: من هو رفعت الشاذلي؟ استأجر كريم وسارة غرفة في فندق صغير ومتواضع في أطراف القاهرة تحت أسماء مستعارة، فالخوف أصبح يسيطر عليهم بالكامل. كريم كان منهارًا؛ كيف يمكن لأمه التي ربته أن تكون مسممة ومختطفة في آن واحد؟ وما علاقتها بسارة؟
سارة، رغم تعبها الشديد وآثار السم التي ما زالت في جسدها، أخرجت الإيصال المجعد من جيبها. الإيصال: صيدلية في قنا، التاريخ: يعود لأسابيع مضت، الاسم: رفعت الشاذلي، والمادة هي دواء كبت مناعة نادر لا يصرف إلا بختم مستشفى استثماري كبير. اتصلت سارة بصديقتها ندى، أخصائية التحاليل، وطلبت منها البحث في الأرشيف الطبي أو السجلات عن اسم “رفعت الشاذلي” وعلاقته بسنة 1998. بعد ساعتين من القلق القاتل، رن هاتف سارة. صوت ندى كان يرتجف عبر سماعة الهاتف، والضوضاء في خلفية المستشفى الحكومي تكاد تختفي أمام نبرة الرعب في صوتها:
“سارة.. الموضوع أخطر وأكبر مما تتخيلي. سنة 1998 دي السنة اللي مات فيها والدك في دــ,,ـــــادثة عربية، صح؟” ردت سارة بقلب ينبض في حلقها: “أيوا يا ندى.. إيه اللي جاب سيرة بابا دلوقتي؟” قالت ندى وهي تتنفس بصعوبة: “أنا بحثت في الأرشيف الطبي ودفاتر القضايا القديمة من خلال قريبي اللي شغال في النيابة. رفعت الشاذلي مكنش مجرد اسم.. ده كان الشريك التجاري لوالدك الله يرحمه. وفي سنة 1998، والدك اكتشف إن رفعت بيختلس ملايين من شركة المقاولات بتاعتهم، وقبل ما يبلغ عنه بيوم واحد.. عربية والدك اتقلبت ومات.”
سارة حطت إيدها على بوقها عشان تكتم صرختها، وندى كملت: “الغريب مش هنا يا سارة.. الغريب إن المحضر اتقفل قضاء وقدر بناءً على شهادة شاهدة عيان واحدة.. الشاهدة دي كانت ممرضة شابة كانت في موقع الدــ,,ـــــادثة، واسمها بالكامل في المحاضر القديمة: فاطمة عبد الحميد التهامى.. وهي هي نفسها حماتك! أم كريم!” شبكة الأكاذيب سقط الهاتف من يد سارة. التفتت لكريم الذي كان يجلس على حافة السر,,ـــــير في الغرفة الفندقية المظلــ,,ـــــمة، يدفــ,,ـــــن وجهه بين كفيه.
“كريم…” قالتها سارة بصوت متحشرج، “أمك مكنتش مجرد ست طيبة دخلت حياتنا بعد مــ,,ـــــوت أمي.. أمك هي السبب في إن رفعت الشاذلي يهرب بفلوس أبويا ويفلت من السجــ,,ـــــن.” كريم رفع رأسه، وعيناه حمراوان من الصدمة: “أنتِ بتقولي إيه؟! أمي أنا؟ الست اللي ربّتك وربت بنتنا؟”
سارة صرخت بدموع محبوسة: “أمك شهدت زور سنة 98 عشان تحمي رفعت الشاذلي! والظاهر إنها ندمت، أو رفعت فضل يهددها طول السنين دي. الدوا اللي كانت بتمــ,,ـــــوتني بيه بالبطيء.. كانت بتعمل كده عشان أدخل المستشفى، عشان رفعت لما رجع يدور علينا ويصفي حساباته القديمة، تلاقيني عيانة ومش قادرة أواجهه، أو يمكن كانت بتديني الدوا عشان يجيلها عذر تسافر بيا بعيد! هي قالتها: كنت بضعفك عشان تفضلي بعيد عن عينه!” قبل أن يرد كريم، انطلقت نغمة رسالة على هاتف سارة الساقط على الأرض.
كانت الرسالة من رقم مجهول، وتحتوي على مقطع فيديو مدته 5 ثوانٍ: حماتها، فاطمة، جالسة على كرسي خشبي في مكان يشبه المخزن المهجور، وجهها شاحب، وخلفها يظهر ظل رجل يمسك بهاتف وصوت رجولي غليظ يقول: “قدامك 24 ساعة يا سارة.. البرطمان اللي أخدتيه من المطبخ فيه سر يخص ملايين أبوكِ اللي سابها باسمك في بنك سويسري من سنة 98 وما حدش يعرف الكود بتاعه غير فاطمة. هاتي البرطمان والكود، وتعالي على العنوان ده.. لوحدك. لو الپوليس عرف.. اعتبري حماتك ماتت، والدور الجاي على بنتك ملك.”
خطة في منتصف الليل