منوعات

كنت واقفه فوق السلم

تلك الليلة لم تكن مجرد ليلة عادية في قسم الشرطة؛ كانت الليلة التي انهار فيها السقف فوق رأس كريم ووالدته “أم كريم”. في غرفة التحقيق الضيقة، كان كريم يجلس وجسده يرتجف بالكامل، وشهادة الدكتور وتقرير المعمل الجنائي يرفرفان أمام عينيه كحبل المشنقة. الضابط كان ينظر إليه بنظرات صقر التقط فريسته، وقال بنبرة هادئة مرعبة: “المادة اللي كانت بتتحط لمرتك في دوا الضغط بتاعها، مادة سامة بتعمل هبوط تدريجي في عضلة القلب وتدمـ,ـير للأعصاب. والشركة المصنعة للدوا ده أثبتت إن المادة دي مش من مكوناته. يعني في إيد جوه البيت كانت بتفتح الكبسولات وتحط السم.”

كريم انهار، وبدأ يصيح بانهزام: “أنا ماليش دعوة! أمي.. أمي هي اللي كانت بتعمل لها الشاي والعصير وتقول لها ده عشان تهدي أعصابك! أنا كنت بشوفها بس كنت فاكرها بتديلها مأكولات أو أعشاب عادية.. مكنتش أعرف إنه سم!” وفي الغرفة المجاورة، كانت “أم كريم” قد فقدت كل جبـ,ـروتها. تلاشت الابتسامة الشامتة، وحلّ مكانها ذعر حقيقي وهي تسمع الضابط يواجهها ببقايا المادة السامة التي عثرت عليها المباحث مخبأة بعناية داخل علبة خياطة قديمة في غرفتها.

رحلة البعث من جديد في هذه الأثناء، وفي مكان بعيد تماماً عن صخب القاهرة وضجيج المحاكم، كنت أقف في شرفة غرفتي بمركز التأهيل في مدينة ساحلية هادئة. نسمات البحر الباردة كانت تداعب وجهي، ولأول مرة منذ ثماني سنوات، شعرت أن الهواء يدخل رئتي بنقاء، دون غش أو كتمة نفس. كان جسدي مثقلاً بالكسور، لكن روحي كانت قد شُفيت تماماً. المحامي اتصل بي في اليوم التالي، وقال بصوت يملؤه الحماس:

“يا مدام، القضـ,ـية اتقلبت رأساً على عقب. اعترافات كريم على أمه، واعترافات أمه عليه، خلتهم يقطعوا بعض في التحقيقات. الطلاق الإلكتروني تم وبقى رسمي في المحكمة، ورفعنا قضية تعويض وضمان لكل حقوقك المؤخر والمستحقات اللي حاولوا يسـ,ـرقوها.” ابتسمت بهدوء وقلت له: “أنا مش عايزة فلوسهم يا متر.. أنا عايزة العدالة تاخد مجراها، وعايزاهم يعرفوا إن السكوت مكنش ضعف.. كان مخزون من الصبر وخلص.” المواجهة الأخيرة بعد مرور ستة أشهر كاملة..

جاء موعد الجلسة النطق بالحكم. ورغم أن الطبيب نصحني بعدم الإجهاد، إلا أنني أصررت على الحضور. أردت أن يروا بأعينهم المرأة التي ظنوا أنهم دفـ,ـنوها تحت درجات السلم. دخلت قاعة المحكمة بكامل أناقتي، أرتدي فستاناً أسود وقوراً، وأمشي بخطوات ثابتة مستعينة بعكاز طبي أنيق. حينما دخل كريم وأمه قفص الاتهام، كان منظرهما يثير الشفقة؛ انطفأ جبروت الأم، وبدت عجوزاً شمطاء تجاعيد الخوف تملأ وجهها. أما كريم، فقد كان شاحباً، ذابلاً، يرتدي ملابس الحبس الاحتياطي البيضاء.

التفتت عينا كريم نحوي.. اتسعت حدقتاه بذهول وصدمة. حاول أن يناديني: “أنا آسف.. سامحيني.. أمي هي السبب!” لكن أفراد الأمن أسكتوه فوراً. أما “أم كريم”، فنظرت إليّ بنظرة حقد أخيرة، لكنها كانت نظرة مهزومة، مكسورة، خالية من أي قوة. وقف القاضي، وساد الصمت في القاعة، ثم نطق بالحكم الذي زلزل قلوبهم: “حكمت المحكمة حضورياً، بمعاقبة المتهمة الأولى (أم كريم) بالسجن المشدد لمدة 10 سنوات بتهـ,ـمة الشروع في القتـ,ـل العمد مع سبق الإصرار. وبمعاقبة المتهم الثاني (كريم) بالسجن لمدة 3 سنوات بتهمة التستر والاشتراك السلبي في الجريمة.”

صرخت أم كريم وسقطت مغشياً عليها داخل القفص، بينما انخرط كريم في بكاء هستيري وهو يضـ,ـرب رأسه بالقضبان الحديدية. بداية الحياة خرجت من قاعة المحكمة، ووقفت على الدرج الخارجي. نظرت إلى السماء والشمس الساطعة. تذكرت لحظة سقوطي من على سلم بيت العيلة، وكيف كانت تلك السقطة هي القاع الذي احتجت أن أرتطم به لأدرك أنني أستحق حياة أفضل. أخرجت هاتفي، وحذفت أرقامهم تماماً، وأغلقت تلك الصفحة من حياتي للأبد. تركت خلفي الضحايا الحقيقيين لجشعهم وظلمهم، ومشيت نحو سيارتي بخطى واثقة، مدركة أن الكابوس قد انتهى.. وأن حياتي الحقيقية قد بدأت للتو.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى