منوعات

المستشفي العسكري

الهدوء اللي لف الأوضة بعد كلمته الأخيرة مكانش هدوء عادي، كان نوع من السكون اللي بتسمعي فيه دقات قلبك بوضوح. يوسف فضل باصص لكِ بنظرته الهادية، المستقرة، اللي مفيهاش أي تردد، وكأنه رمى كلمته وقرر يستقر في مكانها. أنتِ حركتِ عينك بسرعة للورق اللي في إيدك، بتحاولي تلاقي فيه أي مهرب من التوتر اللذيذ اللي خطـ,ـفك فجأة. تداركتِ الموقف وقلتِ بنبرة حاولتِ تخليها رسمية على قد ما تقدري: “أنا.. لازم ألف على باقي غرف الرعاية يا فندم، عشان أطمن على بقية الحالات. عن إذنك.”

قبل ما تتحركي خطوة، صوت يوسف الرزين وقفك: “يا ممرضة..” التفتِّ له، فكمل وهو بيعدل غطا السرير بإيد واحدة: “يوسف. لما نكون لوحدنا.. اسمي يوسف.” هزيتِ راسك بسرعة من غير ما تنطقي، وخرجتِ من الأوضة وقلبك بينبض بسرعة جنونية. في الممر الطويل للمستشفى، ساندتِ ضهرك على الحيطة وخدتِ نفس عميق. الجو برة كان بدأ يهدأ، أصوات المروحيات اللي كانت بتنقل المصابين بدأت تتلاشى، والليل فرض سكونه على المعسكر المحيط بالمستشفى وسط صحراء الحدود الواسعة.

الفصل الجديد: زائر الفجر مر يومين، وحالة يوسف استقرت تماماً، ورجع لمكتبه ولمهماته اللي مابتنتهيش. ورغم إنه مابقاش يتردد على العيادة بنفس المعدل عشان ما يلفتش الانتباه، إلا إن “أثره” كان موجود في كل مكان حوليكِ. في يوم، صحيتِ على صوت صفارات الإنذار.. مش طوارئ طبية، دي صفارات تحذيرية من العواصف الرملية الشديدة اللي بتضـ,ـرب الحدود في الوقت ده من السنة. في ثواني، الجو برة اتحول للون برتقالي غامق، والتراب بقى مغطي كل الشبابيك، والحركة برة المستشفى انعدمت تماماً.

كنتِ واقفة في الصيدلية الداخلية بتراجعي نواقص الأدوية، لما الباب اتفتح ودخل منه عسكري وهو شايل صندوق خشبي تقيل، ملامحه مش باينة من شال الحماية اللي لافه حوالين وشه. وضع الصندوق على المكتب وقال بنهجة: “يا فندم، القائد يوسف بعت الشحنة دي مخصوص لغرف الطوارئ والصيدلية.. دي المستلزمات اللي كنتوا طلبتوها من المركز الرئيسي قبل العاصفة، هو أصر يروح يجيبها بنفسه مع كتيبة الدعم قبل ما الطرق تقفل.” قلبك انقبض.. يوسف خرج في العاصفة دي؟

قبل ما تسألي العسكري، كمل وهو بيعدل نفسه: “سيادة القائد برة في مكتب الإدارة بيشرف على تأمين المولدات الكهربائية للمستشفى.” بدون تفكير، سبتِ اللي في إيدك وتحركتِ ناحية مكتب الإدارة. الطرقات كانت ضلمة إلا من إضاءة الطوارئ الخفيفة. لما وصلتي، شفـ,ـتيه من ورا الزجاج؛ كان واقف مع مهندسي الصيانة، لبسه العسكري مغطى بالتراب، وشعره متبهدل، وعينيه حمرا من قلة النوم وأثر الرمل. لكنه كان بيدي التعليمات بحزم وثبات لا يلين.

لما لفت نظره حركتك برة، أشار للمهندسين يكملوا، وخرج لكِ الممر. “إيه اللي مخرجك من مكتبك في الجو ده؟” سألك بنبرة حادة شوية بس واضحة الخوف. “أنت اللي إيه اللي منزلك في العاصفة دي يا فندم؟” ردتِ عليه بقلق حقيقي مالحقتيش تداريه، “أنت لسة جرحك ما لمش تماماً، والتراب ده غلط على الرئة عندك!” يوسف بص لكِ لحظة، والحدة اللي في ملامحه اختفت فجأة وحل مكانها الهدوء بتاعه. رجع خطوة لورا وسند على المكتب الصغير اللي في الممر، وقال بصوت واطي:

“يعني خايفة عليا؟” “أنا.. أنا مسؤولة عن سلامة المرضى هنا.” قلتيها وأنتِ بتخفضي صوتك. يوسف ضحك ضحكة مكتومة، وقرب خطوة وقال: “ماشي يا ستي.. هعتبرها رعاية طبية مشددة. العاصفة دي مش هتفك قبل 24 ساعة، والمستشفى محتاجة تأمين عشان الأجهزة ما تقفش. أنا كويس، متقلقيش.” سر يوسف بعد مرور العاصفة، رجعت الحياة لطبيعتها، وفي ليلة من ليالي الشفت المسائي الهادي، كنتِ قاعدة في مكتب الاستقبال بتكتبي التقارير اليومية. الساعة كانت عدت اتنين بعد نص الليل. المكان كان ساكت تماماً، مفيش غير صوت تك تكة الساعة على الحيطة.

فجأة، شفتِ خيال بيتحرك ببطء في الممر. قمتِ بسرعة وبأيدك كشاف صغير. لما قربتِ، لقيتيه يوسف.. لكنه مكانش يوسف القائد القوي. كان ساند إيده على الحيطة، وراسه للأرض، وبيتنفس بصعوبة شديدة. “سيادة القائد!” جريتِ عليه وسندتِ دراعه. جسمه كان سخن جداً، وعرقان بشكل مش طبيعي. “يوسف.. مالك؟ في إيه؟” ناديتِ عليه باسمه لأول مرة من غير شعور. هو بص لكِ بعيون شبه مغمضة، وحاول يبتسم: “مفيش.. شوية إجهاد..”

سندتيه بكل قوتك لحد ما دخلتيه أوضة الفحص القريبة، وقعدتيه على السرير. بدأتي تقيسي ضغطه وحرارته، والنتيجة كانت صدمة؛ حرارته كانت بتخطى الـ 39.5، وضغطه منخفض جداً. ده مش مجرد إجهاد، دي أعراض حمى شديدة أو مضاعفات للجـ,ـرح القديم. لما جيتِ تتحركي عشان تنادي الطبيب النبطشي، مسك إيدك فجأة. مسكته كانت قوية رغم تعبه، وعينيه كانت فيها نظرة رجاء غريبة: “بلاش.. بلاش تنادي حد دلوقتي يا..” نطق اسمك لأول مرة بنبرة هزت كيانك.

“بس أنت تعبان جداً يا يوسف، لازم الدكتور يشوفك ويصرف لك مضادات قوية في المحلول!” “أنا عارف مالي..” قالها بصوت متحشرج، “ده أثر إصابة قديمة من سنتين في مهمة على الحدود.. بيجيلي دور الحمى ده كل فترة لما بجهد نفسي زيادة. لو الدكتور عرف، هيعمل تقرير طبي.. والتقرير ده معناه إني هتنقل من الخدمة هنا في الجو ده وهيرجعوني المركز الرئيسي في القاهرة.” بصيتِ له بذهول: “والقاهرة وحشة؟ الكل بيتمنى يتنقل هناك وسط أهله والراحة!”

يوسف شد على إيدك أكتر، وعينيه لمعت بصدق رهيب: “المكان هنا فيه رجالة بتأمن بلد، وأنا مكاني وسطهم.. ومبقاش ينفع أمشي كمان عشان.. عشان في سبب هنا يخليني أتمسك بالمكان ده أكتر من أي وقت فات.” فهمتِ قصده.. النظرة اللي في عينيه كانت بتقول كل حاجة ملقاش ليها كلام. قرار في خط المواجهة وقفتِ للحظات محتارة بين واجبك المهني وقوانين المستشفى، وبين قلبك اللي مش مستحمل يشوف الراجل القوي ده مكسور بالتعب وبيطلب منك المساعدة.

أخدتِ نفس عميق وحسمتِ أمرك: “ماشي.. مش هنادي حد. بس بشرط.. هتسمع كلامي حرف بحرف.” يوسف ابتسم بتعب وساب إيدك: “تمام.. أنا كلي آذان صاغية.” طول الليل، من غير ما حد يحس، كنتِ بتتحركي زي الفراشة بين الصيدلية وأوضته. جهزتِ له المحلول، وركبتِ له الكانولا بمهارة وخفة عشان ما يحسش بألم. وبدأتي تعملي له كمادات مية ساقعة بنفسك. الساعات مرت طويلة ومقلقة. كنتِ قاعدة جنبه على الكرسي، بتبصي لملامحه الرجولية الحادة وهي مسترخية تحت أثر العلاج. لأول مرة تشوفيه من غير الميري، من غير الهيبة اللي بتخوف الكل.. كان شكله طيب، ودافي، وقريب جداً من قلبك.

على الفجر، بدأت حرارته تنزل، ونفسه بقى منتظم. بدأ يفتح عينيه ببطء، ولقاكي قاعدة جنبه، ساندة راسك على إيدك ومغمضة عينك من التعب بس لسة صاحية. حس بحركتك ففتحتِ عينك بسرعة: “يوسف؟ أنت كويس؟ حاسس بإيه؟” يوسف رفع إيده، ولمس طرف صوابعك اللي كانت لسة ساندة على السرير، وقال بنبرة صوت مليانة مشاعر عميقة وعمرك ما سمعتيها منه قبل كده: “أنا عمري ما كنت كويس.. قد ما أنا كويس دلوقتي وأنا باصص في عينك.”

المستشفى العسكري بالحدود اللي كنتِ خايفة منها أول يوم، بقت هي المكان الوحيد في العالم اللي مش عايزة تسيبيه.. لأن وسط أصوات التدريبات وضغط الشغل، لقيتِ قلب القائد اللي مابيلينش للحدود، بس لان ليكِ أنتِ. ماذا يخبئ القدر للقائد والممرضة في وسط الصحراء؟ وهل ستظل قصة حبهما سراً أم ستكشفها الأيام القادمة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى